الصناعات المختلفة


مراقبة الصناع والحرفيين. ازدهرت الصناعة في مدن مختلفة بالأندلس وتكونت معها طوائف حرفية عرفت باسم أرباب الصنايع. وصار لكل صنف رئيس أو شيخ منتخب من أصحابها عرف باسم الأمين أو العريف. وكان هذا الأمين مسئولاً ومدافعًا عن طائفته وأهل حرفته أمام المحتسب، فكان يبلغه رأي طائفته حول تكاليف السلعة التي يصنعونها وتحديد ثمن بيعها، كما يقوم بدور الخبير الفني في الخلافات التي تقع بين أهل الحرفة وعملائهم حول سلعة من السلع، ورأيه كان معولاً عليه لدى القاضي أو المحتسب، وكان الأمين يأخذ أجرًا من أصحاب الحرف أو (الحنطة).

ولقد كفلت الدولة لهم حرية في ممارسة أعمالهم، ولم تتدخل إلا في بعض الصناعات التي كانت ممارستها تتطلب الحصول على إذن خاص، مثل بناء الحمامات وصنع الأسلحة وصك النقود وتركيب الأدوية والتطبيب والحجامة.



صناعة النسيج. اشتهرت الأندلس بنسج ملابس الحرير بأنواعه المختلفة مثل الخز ويصنع من الحرير والصوف أو الوبر، والإبريسم وهو حرير خالص، والديباج وهو نسيج حريري موشى بخيوط من الذهب أو الفضة. وكان هذا بفضل عناية أهلها بتربية دودة القز. ومن أهم مراكز تربية دودة القز غرناطة ومالقة وجيان التي كان يقال لها جيان الحرير لكثرة اعتنائها بدودة الحرير. وكانت مدينة المرية في شرق الأندلس من أهم مراكز صناعة المنسوجات الحريرية، ويقدر عدد الأنوال فيها بحوالي 580IMG نول، واشتهرت إشبيلية بالحلل الموشاة ذات الصور، كذلك اشتهرت الأندلس بصناعة الأنسجة الصوفية. أما صناعة السجاد والبسط والحصير فمركزها يقع في شرق الأندلس في مرسية وبسطة.



صناعة الكتب. اهتم العلماء بإنتاج الكتب التي يؤلفونها فاختاروا الورق، وكان الشطبي أجوده وورق الغزال أغلاه. واهتموا بالخط فكان الوراقون يستأجرون الخطاطين الذين يختارون لون الحبر والمداد ونفائس القصب لصناعة الأقلام وديباجة الكتاب وتزيين الحواشي بالتذهيب وفنون التجليد ومنها تغليف الكتاب بالجلد السميك والنقش عليه. وفي كتاب عمدة الكتاب وعدة ذوي الأسباب وصبح الأعشى للقلقشندي ما يكفي تقصي الموضوع. وقد ورد في بعض المصادر أن أهل الأندلس كانوا أحذق الناس بالوراقة.

وعثر في جامع الكتبية على كتب استعيض عن لوح الجلد أو الخشب منها بالورق السميك (الكرتون) وهي ابتكارات جديدة في فن التجليد، أما المصاحف فقد خُصَّت إضافة إلى التجليد بصنادق خشبية أو فضية تكريمًا لها وربما كسيت غلافات الكتب بالحرير.

إن اكتشاف الورق في الصين وتطوير العرب لصناعته في سمرقند وشاطية كان بمثابة اكتشاف المطبعة، فقد انتقل إلى إيطاليا في القرن 13 ومنه إلى فرنسا وإنجلترا في القرن 16 فكان أعظم عامل في النهضة الأوروبية. وكان من المألوف أن يكتب الأوروبيون كتبهم ويرسمون عناوينهم بالأرابيسك، بل عثر في مخطوط رسالة للفيلسوف الألماني كانط على جملة بسم الله الرحمن الرحيم طغراء لكتابه.



صناعة الخيام والمظلات. الخيام بمثابة المنازل لهذا كانوا يتفننون في تنميقها وتزيينها بالألوان والمرافق والرسوم والصور بالألوان المختلفة. فالصناع يصنعون الحيطى في المنازل لتصبح كالخيام في تزخرفها وتلوينها، ويختلف طولها وعرضها وعظمها حسب الحاجة، وتكون أحيانًا بمثابة الدور ذات المرافق المتعددة، فيها المطبخ ودورات المياه. وفي مقدمة ابن خلدون فصل خاص عن الأقبية.

أما اللحافات فتصنع من الثوب السميك، وتوضع عليها الغطى والمساند المزخرفة والمطرزة بطرز الغرزة أو الطرز العادي، وأحيانًا بالخيوط الحريرية المذهبة. وخاصة الخيط الحريري من دودة القز المجلوب من صفاقس والأندلس. أما المظلات الملكية فهي منقولة في صناعتها واستعمالها عن الفاطميين، وكانت المظلة قبة من القماش شبه درقة في رأس تحمل فوق رأس الخليفة في المواكب، فهي من شارات الملك يحملها صاحب المظلة لتقي الخليفة من حر الشمس وقطرات المطر. وكان ملوك الأندلس قبل مجيئ العرب يكسونها بالدر والياقوت والزبرجد كما في نفح الطيب.

وازدهرت صناعة طرز الألبسة على الصعيد الرسمي والشعبي وتسمى دارها دار الطرز حيث تنسج الثياب الفاخرة لصنع الديباج والستور، والمعاجر للنساء والخُمر والزرابي والسباني وستائر الأبواب للبيوت في المنازل.



صناعة الأواني والحلي. اعتنى علماء الآثار بالأواني لأنها من مظاهر الحضارة، وتعتبر دراسة الخزفيات وصناعتها وتجارتها من أهم ما أولع به علماء التاريخ، حيث يتجلى ذوق الفنان وازدهرت التجارة، وبالأخص تجارة الكؤوس والقدور والجرار والأطباق والمسارج والزهريات والطواجين والقنوات المائية.

ويذكر ابن أبي زرع في الأنيس المطرب أن بمدينة فاس أكثر من 180 دار لصناعة الفخار. كما يذكر الجزنائي ذلك في كتابه زهرة الآس. ولاتوجد مدينة في المغرب والأندلس إلا وفيها دور للخزف والفخار لحاجة الناس إلى الأواني. وتمتاز مدينة آسفي بتربة صالحة لصناعة الفخار، تسمى تراب الصيني، وربما كان ذلك لتشبهها بالأواني الصينية الفاخرة وبصنع الأواني بطريقة القوالب.

أما الحلي الذهبية أو الفضية فقد انتشرت في كل المدن الأندلسية المغربية، وكان اليهود في الغالب هم المختصين في هذه الصناعة. كما كان يصنع الفخار المذهب في مالقة حسب ما يذكره الإدريسي في النزهة وابن بطوطة في الرحلة والمقري في النفح.



صناعة الزجاج. عرفت صناعة الزجاج في مختلف الحضارات ومنذ القرن الثاني والأول قبل الميلاد، وهو مركب من الرمل والجير والصودا، وكان يصنع بطريقتين: طريقة النفخ وطريقة الدلك. على أن التطور في صناعة القنينات والأواني تطور بطريقة النفخ. وكانت الحضارة الفرعونية قد اشتهرت بجودة الأواني الزجاجية، ثم تطورت الصناعة إلى تلوين الزجاج. ولما عرف المسلمون هذه الصناعة طوروها لشغفهم بقوارير العطور، وصناعة الصيدلة فزينوا الزجاج بصور الحيوانات والأزهار.

أما طريقة التلوين فهي بإضافة أكاسيد مختلفة كأكسيد النحاس الذي يعطي اللون الأخضر الفيروزي، وأكسيد الكوبالت الذي يعطي الأزرق الفاتح والمنجنيز الذي يعطي الأرجواني وهكذا.

وكان الزجاج يصنع في مالقة والمرية. كما استورد المغاربة والأندلسيون الأواني الزجاجية من العراق. ولذلك يسمون نفائس الزجاج الملون بالعراقي. ويشير الإدريسي إلى صناعة الزجاج في القادسية بالعراق.



صناعة العاج. عمل الصانع المغربي على صناعة المشط وبعض الأواني من قرون الحيوانات على أن العاج المحلَّى به من إفريقيا السوداء كان مصدر صناعة تحف فريدة خاصّة في تطعيم التحف الخشبية والصناديق الصغيرة والعلب المختلفة، وكانت الصناديق الكبيرة تزين بالتطعيم سيما صناديق العروس التي كانت من أنفس ما تقدم في حفل زفافها من رياش فاخر وطسوت فضية وصحون مفضضة وأباريق وبالأخص البابور المصنوع من النحاس الأحمر.

أما التحف العاجية الممتازة فتحمل زخارف تحمل اسم من صنعت له وتاريخ صنعها. كما كانت شواهد القبور تحمل كتابات بآيات قرآنية وأبيات شعرية فيها ترجمة وتاريخ.