المقررات الدراسية بالقرويين. كانت للمغرب العربي جهوده العلمية الخاصة به، وقد أضاف إليها علوم المشرق العربي، في كلًّ من الحجاز والعراق والشام ومصر. وقد عُنيت جامعة القرويين في مراحلها الأولى بالعلوم العربية الإسلامية. ولمّا كان الفقه من أهم العلوم الإسلامية، فقد شُغلت به جامعة القرويين التي تبنَّت مذهب الإمام مالك، وعملت على إذاعته ونشره. وأصبحت آراء مالك ومؤلفات تلاميذه تحتل زوايا القرويين. واستمر المذهب المالكي في ازدهار متوال طوال أيام السلطنة المرابطية. وكان للفقه كتبه الأساسية التي تدرس في هذه الجامعة، وفي مقدمتها موطأ الإمام مالك بن أنس، وهو كتاب حديث صنفت أحاديثه في ضوء الموضوعات الفقهية كما هو معروف. وتليه المدونة وهي 36,000 مسألة سُئلها مالك وأجاب عنها، وقد نقل ذلك أسد بن الفرات عن ابن القاسم المصري تلميذ مالك، ثم عرضها عليه القاضي مرة أخرى للتثبت من بعض الأقوال، وكان ذلك في أواخر القرن الثاني الهجري (أواخر القرن الثامن الميلادي). واعتمد في القرويين أيضًا وغيرها من معاهد المغرب مؤلفان آخران من النوعية ذاتها، هما أجوبة مالك عن أسئلة نقلها أندلسيون عن تلاميذه المصريين في الفترة ذاتها تقريبًا، عرفت بالعتبية والمستخرجة وهو الأشهر. وبعد ذلك بأمد قصير، أي في النصف الأول من القرن الثالث الهجري (النصف الأول من القرن التاسع الميلادي) عُرف تصنيف لابن المواز محمد بن إبراهيم بن رباح الإسكندراني، وهو كتاب مسائل أيضًا، ولكنه تميز عن المؤلفات السابقة من ناحية المنهج، إذ أن الكتب السابقة ليست إلا جمعًا لروايات وسَمَاعَات، بينما بنى ابن المواز فروع أصحاب المذهب على أصولهم.

واختصر عبد الله بن أبي زيد (ت 386هـ، 996م) المدونة المغربية، والمستخرجة الأندلسية عام 327هـ، 938م تيسيرًا لطلاب العلم، وقلده من بعده تلميذه أبو القاسم خلف الأسدي المعروف بالبرادعي، فوضع التهذيب في اختصار المدونة. ودرّس طلاب القرويين ـ أيضًا ـ كتبًا في الحديث مثل الصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود.

وتعد فترة الدولة المرينية من أزهى فترات القرويين، حيث تنوعت المواد الدراسية نتيجة لكثرة الوافدين على فاس. لقد كانت هنا كراسي العلوم الدينية إلى جانب كراسي العلوم الإنسانية من تاريخ وأدب إلى جانب العلوم الطبيعية والرياضية.