جَامعَةُ القَرَوِييِّن من أقدم الجامعات الإسلامية ومقرها مدينة فاس بالمملكة المغربية. وقيل في تأسيسها إنَّ فشل ثورة الفقهاء على الحَكَم بن هشام الأموي الأندلسي (180 - 206هـ، 796 - 821م) أدى إلى هجرة أفواج كبيرة من العلماء وطلاب العلم وعامة الناس من الأندلس إلى مدينة فاس المغربية، هربًا من بطش الخليفة الأموي. وكان إدريس الأول قد شرع في تأسيسها، فاستقبلهم ورحب بهم، وخصص لهم القطاع الشرقي من فاس، وذلك في ربيع الأول من عام 192هـ، يناير 808م، فَعُرفَ منذ ذلك الوقت بعروة الأندلس، أو حي الأندلسيين، وانتفع بخبرتهم وصناعتهم، وخصص في العام التالي الجانب الغربي لإقامته مع فريق آخر من القيروانيين، ونُسبَ هذا الجانب من المدينة لهؤلاء السادة، وهكذا أصبحت فاس مدينتين: مدينة الأندلس، والمدينة العظمى التي يسكنها القيروانيون، وهؤلاء هم الذين تسميهم الكتب القديمة بالقرويين، ميلاً للتخفيف من بعض الحروف.

كثر الواردون على مدينة فاس، وصار الناس في حاجة إلى مسجد جامع كبير لأن مسجد الشرفاء بالعروة الغربية، ومسجد الأشياخ بالعروة الشرقية اللذين أسسهما السلطان المغربي إدريس الثاني لم يعودا يتسعان للمصلين، فتطوعت فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري القيرواني ببناء مسجد جامع بحي القيروانيين، عرف في التاريخ بجامع القرويين ثم جامعة القرويين، نسبة إلى هذا الحي.


تطور جامعة القرويين. كان الشروع في حفر أساس جامع القرويين في الأول من رمضان عام 245هـ، 30 نوفمبر عام 859م. وكان طوله 39م، وعرضه 32م، وبلغت مساحته 1,248م². وتألَّف من أربعة أساكيب (الأروقة العرضية الموازية لجدار القبلة). امتدت من الغرب إلى الشرق، واثنتي عشرة بلاطة (البلاطة المسافة المحصورة بين أربعة أعمدة. وأُطلق اسم بلاطات فيما بعد على الأروقة الرأسية أي التي تتجه متعامدة نحو جدار القبلة) امتدت من الجنوب إلى الشمال. وعندما ضاقت ضاحية القرويين بعد نحو قرن من تأسيسها، قرر الأمير أحمد بن أبي بكر الزناتي توسعة جامع القرويين، وكتب بهذا الشأن إلى أمير المؤمنين عبدالرحمن الثالث الأموي الأندلسي (277 - 350هـ، 890 - 961م) يقترح عليه الإسهام في هذا المشروع، واعتبرها العاهل الأموي تكريمًا وتشريفًا من حليفه الزناتي، فبعث بقدر كبير من تكاليف التوسعة. وأصبحت المساحة الكلية للجامع نحو 3,996م²، أي بزيادة 2,748م².

استقر الرأي في أوائل القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) ـ إثر مؤتمر ضم العلماء ـ على أن يعهد للقاضي عبد الحق بن معيشة بأمر إصلاح جامع القرويين وتوسعته. فأخطر القاضي العاهل المرابطي علي بن يوسف ابن تاشفين (50IMG-537هـ، 1106-1143م)، ثم قام بشراء كثير من الأملاك المجاورة للجامع شرقًا وغربًا، وضمها إلى الجامع لتصبح مساحته الكلية هذه المرة 5,846م²، أي بزيادة 1,850م²، وهي مساحته الحالية.

إذا كان جامع القرويين ـ سواء في التوسعة الأولى أو الثانية ـ قد تميز بالزيادة في المساحة، فإنه على عهد الموحدين والمرينيين والوطاسيين والسعديين امتاز بالتأثيث وتعدد المرافق، فازدان بالثريات الكبرى والأجراس الأسبانية، وأُضيفت إليه غرفة للمؤذنين ومرافق أخرى جديدة خاصة برجال القرويين، مثل الصومعة، ومحكمة القاضي، والخزانة، والمدارس. وأعيد النظر في مرافقه على عهد العلويين، وأُصلحت سائر جوانبه.


جامع القرويين أول جامعة بشمالي إفريقيا. امتاز الفتح الإسلامي من بين الفتوحات الأخرى بأنه جاء يحمل كتابًا وسنة، ولذلك نرى أن التعليم الإسلامي كان في مقدمة اهتمامات الفاتحين. ولما كان المسجد هو المركز الأساس لجمع المؤمنين، فقد أصبح المعهد الأول للدراسات الإسلامية. وكان مسجد قباء أول معاهد التعليم في الشرق الإسلامي، كما أن أول معهد بالشمال الإفريقي كان في القيروان. وتبعت بعد ذلك مساجد انتشرت في ربوع العالم الإسلامي كجامع الزيتونة بتونس، وجامع الأزهر بمصر وجامع سنكري (تمبكتو)، إلخ. بيد أن هذه المساجد لم تظل جميعًا باستمرار مراكز للتعليم، وكان جامع القرويين بفاس من بين المعاهد العلمية التي ظلت تقوم بدورها التعليمي منذ إنشائها إلى زماننا هذا، بل يُعد أقدم جامعة علمية في العالم. وذلك بدليل أن جامعة بولونيا الإيطالية أسست عام 1119م، 513هـ، وجامعة أكسفورد الإنجليزية عام 1229م، 627هـ، وجامعة السوربون الفرنسية أُسست في القرن الثالث عشر الميلادي، وتم بناء مبناها في القرن السابع عشر الميلادي.


المقررات الدراسية بالقرويين. كانت للمغرب العربي جهوده العلمية الخاصة به، وقد أضاف إليها علوم المشرق العربي، في كلًّ من الحجاز والعراق والشام ومصر. وقد عُنيت جامعة القرويين في مراحلها الأولى بالعلوم العربية الإسلامية. ولمّا كان الفقه من أهم العلوم الإسلامية، فقد شُغلت به جامعة القرويين التي تبنَّت مذهب الإمام مالك، وعملت على إذاعته ونشره. وأصبحت آراء مالك ومؤلفات تلاميذه تحتل زوايا القرويين. واستمر المذهب المالكي في ازدهار متوال طوال أيام السلطنة المرابطية. وكان للفقه كتبه الأساسية التي تدرس في هذه الجامعة، وفي مقدمتها موطأ الإمام مالك بن أنس، وهو كتاب حديث صنفت أحاديثه في ضوء الموضوعات الفقهية كما هو معروف. وتليه المدونة وهي 36,000 مسألة سُئلها مالك وأجاب عنها، وقد نقل ذلك أسد بن الفرات عن ابن القاسم المصري تلميذ مالك، ثم عرضها عليه القاضي مرة أخرى للتثبت من بعض الأقوال، وكان ذلك في أواخر القرن الثاني الهجري (أواخر القرن الثامن الميلادي). واعتمد في القرويين أيضًا وغيرها من معاهد المغرب مؤلفان آخران من النوعية ذاتها، هما أجوبة مالك عن أسئلة نقلها أندلسيون عن تلاميذه المصريين في الفترة ذاتها تقريبًا، عرفت بالعتبية والمستخرجة وهو الأشهر. وبعد ذلك بأمد قصير، أي في النصف الأول من القرن الثالث الهجري (النصف الأول من القرن التاسع الميلادي) عُرف تصنيف لابن المواز محمد بن إبراهيم بن رباح الإسكندراني، وهو كتاب مسائل أيضًا، ولكنه تميز عن المؤلفات السابقة من ناحية المنهج، إذ أن الكتب السابقة ليست إلا جمعًا لروايات وسَمَاعَات، بينما بنى ابن المواز فروع أصحاب المذهب على أصولهم.

واختصر عبد الله بن أبي زيد (ت 386هـ، 996م) المدونة المغربية، والمستخرجة الأندلسية عام 327هـ، 938م تيسيرًا لطلاب العلم، وقلده من بعده تلميذه أبو القاسم خلف الأسدي المعروف بالبرادعي، فوضع التهذيب في اختصار المدونة. ودرّس طلاب القرويين ـ أيضًا ـ كتبًا في الحديث مثل الصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود.

وتعد فترة الدولة المرينية من أزهى فترات القرويين، حيث تنوعت المواد الدراسية نتيجة لكثرة الوافدين على فاس. لقد كانت هنا كراسي العلوم الدينية إلى جانب كراسي العلوم الإنسانية من تاريخ وأدب إلى جانب العلوم الطبيعية والرياضية.


موارد الإنفاق على المدرسين. بلغت ميزانية جامع القرويين منذ أوائل القرن السادس الهجري، أواخر القرن الثاني عشر الميلادي 80,000 دينار، أي ما يساوي 1,60IMG,000 من الدراهم المغربية الحالية. ويدل هذا على المورد الخصب الذي كان ينعم به المدرسون في ذلك العهد.


رئيس الجامعة والمفتي. يذكر التاريخ أن المباشر الأول لشؤون القرويين، والمسؤول عن سائر أوجه النشاط فيها هو قاضي المدينة، فهو رئيس الجامعة الذي له الحق في تخويل الكراسي العلمية لمن يراه أهلاً لذلك من العلماء، وهو الذي ينصّب أئمتها ويراقب نشاطهم، بل هو الذي يشرف على أعمال البناء فيها ويدير ميزانيتها. وظهرت فيما بعد وظيفة جديدة بالقرويين، تلك هي وظيفة المفتي، الذي كان له مقر خاص بالقرويين، وكان يسند إليه جانب مهم من الأوقاف يصرفه باجتهاده في مشاريع البر التي تظهر له من خلال معايشته مشاكل الناس.


نظام الدروس والإجازة العلمية. درج الطلاب على أن يتحلقوا حول أساتذتهم في حلقات متعددة، قد تبلغ العشرين حلقة أو تزيد، وربما جلس بين الطلاب علماء رأوا أن من المفيد لهم الاستماع إلى وجهة نظر خاصة لشيخ مجتهد. وربما استمر الدرس الواحد من الشروق إلى الزوال. ويغلب أن يخصص الصباح الباكر للعلوم الشرعية وما بعد الزوال للعلوم الأخرى. وكان أمد هذه المرحلة الدراسية لا يتجاوز سبع سنوات. وكان على هيئة الأوقاف إيواء الطلاب وإعاشتهم. ويتمتع الطلاب بعطلات تتفاوت مددها؛ فإلى جانب يومي الخميس والجمعة، كانت الدروس بالقرويين تعطل أيام الصيف نحو الشهرين ولمدة أسبوعين في الربيع، وأضيفت هذه الأخيرة على عهد العلويين.

ومن أبرز ما عرفته جامعة القرويين في فترة المرينيين والوطاسيين والسعديين (648 - 1076هـ، 1250 - 1665م) نوعٌ من الامتحان الذي يجرى الآن في الدول الحديثة لتخريج الأساتذة المبرزين، وذلك هو نظام الإجازة وكان امتحانًا عسيرًا لا يجتازه سوى الأكفاء.