الدور التعليمي للجامع الأموي. لم يختلف جامع دمشق عن بقية مساجد الإسلام التي كان من أبرز أدوارها نشر التعليم. وقد جمع المؤرخ عبدالقادر النعيمي (ت927هـ، 1520م) في دراسته عن هذا الجامع في كتابه الدارس في تاريخ المدارس كل ماقيل قبله بهذا الشأن. عرَّف فيه بالعلماء الذين عقدوا حلقات العلم، ووصف بدقة تلك الحلقات من حيث نوعها وعدد طلابها، وعن أحوال الخطباء والأئمة والمدرسين والقضاة والمؤرخين الذين تعاقبوا على هذا المسجد. فقد ذكر تسعًا من حلقات الاشتغال بالعلم الشريف، مثل حلقة الشيخ تاج الدين عبدالرحمن بن إبراهيم بن سباع الشافعي، وحلقة الشيخ رشيد الدين الفارقي. وذكر لنا ثلاثًا من حلقات الحديث الشريف، وثماني من المدارس في هذا الجامع منها الغزالية والقوصية والشيخية. وقال: إن بالجامع مائة وعشرين حلقة لقراءة القرآن وتعليمه، لكل شيخ من شيوخها راتب على ديوان الجامع، وذكر منها حلقة الكوثرية التي وقفها نور الدين زنكي على صبيان صغار وأيتام. قامت الأوقاف المحبوسة على هذا الجامع بدور مهم في الحياة العلمية به، يشبه من عدة وجوه الدور الذي تقوم به وزارات الأوقاف والتربية والتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية في الدولة الحديثة، كما هو ظاهر من النصوص المتفرقة التي تناولت الحركة التعليمية في جامع دمشق عبر تاريخه الطويل. وساعد على كثرة الأوقاف الازدهار الاقتصادي الذي تمتعت به بلاد الشام، وإعفاء الممتلكات الوقفية من الضرائب. وقد سعى الحكام والأمراء والأثرياء في العصور المختلفة على التنافس في الوقف على الأغراض التعليمية، وأصبح للمدرسين والأئمة والوعاظ والخطباء والطلاب مخصصات ثابتة من رَيْع تلك الأوقاف. وقد مكنت الأوقاف الجامع الأموي من أن يصبح جامعة كبرى.