الولايات المتحدة الأمريكية. حدث أول تصنيع خارج أوروبا في المستعمرات البريطانية التي أصبحت الولايات المتحدة فيما بعد. ونشأت بالمستعمرات مجموعة واسعة من الصناعات، كان أكثرها نجاحاً بناء السفن. وبحلول الوقت الذي أعلنت فيه المستعمرات استقلالها عام 1776م، صار نحو ثلث عدد السفن البريطانية يتم بناؤه في أمريكا. وكان تصنيع الحديد أيضًا من الصناعات الرئيسية؛ كما كان عدد قليل من الشركات الأمريكية يصدِّر الحديد إلى بريطانيا.

بحلول أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، طورت صناعة الأسلحة الخفيفة آلات وأدوات صالحة لإنتاج أجزاء من القطع بمواصفات ثابتة للإنتاج بالجملة.
وبدأ الإنتاج الصناعي، خاصة إنتاج النسيج والمعادن الخفيفة، في الزيادة الكبيرة في الولايات المتحدة، في العشرينيات من القرن التاسع عشر الميلادي. وقد حدث أعظم الزيادات في التصنيع في نيوإنجلاند. وأفاد التصنيع أيضًا من التحسينات التي تم تنفيذها في الأنهار والقنوات. فقد قلصّت هذه التحسينات تكلفة نقل البضائع إلى المناطق الداخلية للبلاد ومنها.

وبداية من ثلاثينيات القرن التاسع عشر الميلادي، انتشر التصنيع سريعًا في كل الأنحاء الشرقية للولايات المتحدة. وعلى وجه الخصوص حققت صناعة الحديد في بنسلفانيا تقدما عظيما، إذ إن الحديد قد تمت ملاءمته لتصنيع الآلات الزراعية، وقضبان السكك الحديدية ومجالات متعددة من الاستخدامات الهيكلية. وبحلول الخمسينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، مكَّنت نوعية الحديد الأمريكي وسعره مصنِّعي الحديد في الولايات المتحدة من منافسة مصنِّعي الحديد في بريطانيا في الأسواق العالمية.

وخلال منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، توسعت الصناعات الزراعية والإنشاء والتعدين مع انتشار السكان غربًا. وكان التصنيع قد بلغ أقل من خمس إنتاج الولايات المتحدة في عام 1840م. وبحلول عام 1860م، بلغ الثلث. ومع ذلك فإن المنتجات الزراعية كونت أكثر من ثلثي قيمة كل صادرات الولايات المتحدة في عام 1860م. وكانت البلاد لاتزال تستورد من البضائع المصنَّعة أكثر مما تصدِّر. ولكن بحلول أواخر القرن التاسع عشر أصبحت الولايات المتحدة كبرى الدول الصناعية وأكثرها منافسة في العالم.

وبحلول عام 1870م، كانت ملامح الثورة الصناعية قد بدت واضحة في كل الدول الصناعية. وتقدمت الصناعة بدرجة أكبر من الزراعة. وكانت البضائع تصنع بالآلات ذوات المحركات وتجمَّع في المصانع، حيث كانت الإدارة هي التي تخطط للعمليات. وتنحصر مهمة العمال إلى حد كبير في مراقبة الآلات. وسيطر رأس المال على الإنتاج الصناعي. وسُمِح للعمال بإنشاء تنظيمات نقابية للمطالبة بأجور أعلى وساعات أقل وظروف عمل أفضل. وقلصت السكك الحديدية والسفن الشراعية المطوَّرة والسفن البخارية والبرق تكلفة النقل والاتصال وزمنهما. وصارت المستويات المعيشية للعمال في الدول الصناعية أعلى مما كانت عليه سابقًا. ونما عدد السكان سريعا، وأخذت أعداد أكبر من الناس تعيش في المدن أكثر من السابق. وحيثما انتشرت الثورة الصناعية كانت تقضي على طريقة الحياة التقليدية. ولكن مع تقدم الثورة الصناعية في كل دولة، بدأت أعداد متزايدة من العمال، في تقبُّل الروتين والنظام، المصاحبين للتصنيع.