انطلاق صناعة الحديد. نجح صانع الحديد أبراهام داربي في شروبشاير في استخدام الفحم الحجري المعروف بالكوك لصهر الحديد مابين عامي 1709 و1713م. ويصنع الكوك بتسخين الفحم الحجري في فرن محكم السد. وكان الصهر الذي يتم باستخدام الكوك اقتصاديًا وفعَّالاً، بدرجة تفوق كثيرًا عملية الصهر بالفحم النباتي. لكن معظم صنَّاع الحديد استمروا في استخدام الفحم النباتي، واشتكى المصنِّعون من كون الحديد المصهور بالكوك هشًا ولايمكن استخدامه بسهولة. وظلوا يفضلون الحديد المصهور بالفحم النباتي، لأنه أكثر ملاءمة للتشكيل. وفي منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، طور أحد أبناء أبراهام داربي عملية جعلت حديد الكوك في سهولة حديد الفحم النباتي من حيث التشغيل. وبعد عام 1760م، انتشر الصهر بالكوك في كل أنحاء بريطانيا.

وفي العشرينيات من القرن الثامن عشر الميلادي، حدث فتح جديد في تصفيح الحديد، وأضيفت حزوز (أخاديد) لأسطوانات التصفيح مما مكن الصناع من دلفنة الحديد في أشكال متعددة، بدلاً من مجرد الألواح الرقيقة.

حاز واحدٌُ من صناع الحديد من فيرهام يُدعى هنري كورت براءة اختراع دلافين محزَّزة محسَّنة عام 1783م، وفي السنة التالية سجَّل براءة اختراع فرن عرف بفرن التسويط. ولم يكن كورت قد اخترع هذا الفرن، لكنه أضاف تحسينات عظيمة عليه، مما أنتج نوعية عالية الجودة من الحديد، ذلك بأنه يعاد تسخين كتل الحديد في فرن التسويط حتى تصبح عجينًا، وكان شخص يعرف بالسواط يقوم بتحريك العجين بوساطة قضبان حديدية حتى يتم حرق المواد غير الخالصة. ومن ثم، يتم تمرير الحديد الخالص داخل دلافين كورت المحززة، ويشكَّل في الهيئة المطلوبة.

قبل أن يطور كورت فرن التسويط، كان على صناع الحديد أن يستخدموا الفحم النباتي لإعادة تسخين كتل الحديد قبل التصفيح. لكن فرن كورت ـ بطاحونه الدوار المزدوج ـ كان يستخدم فحم الكوك. وهكذا حرَّر استخدام الكوك للصهر والخلط، في نهاية الأمر، صناعة الحديد البريطانية من الاعتماد على الفحم النباتي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن خطوات الصهر، والخلط والدلفنة، بات من الممكن توحيدها في عملية مستمرة، والقيام بها في مكان مناسب بالقرب من حقول الفحم. ونتيجة لذلك، أصبحت صناعة الحديد البريطانية تتمركز في أربع مناطق لمناجم الفحم ـ ستافورد شاير، ويوركشاير، وساوث ويلز، وعلى امتداد نهر كلايد في أسكتلندا.

استمرت تقنيات صناعة الحديد في التحسن وزاد الإنتاج. ففي عام 1788م، مثلاً، أنتج مصنِّعو الحديد البريطانيون حوالي 68,90IMG طن متري من الحديد. وفي عام 1806م، أنتجوا أكثر من ثلاثة أضعاف تلك الكمية. وخلال منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، تم تصنيع ما نسبته 5% فقط من كل الحديد البريطاني كأجزاء للآلات. وكانت معظم الآلات مصنوعة من الخشب بما في ذلك هياكل الآلات والقضبان وأجزاء الآلات البخارية وأنابيب الماء.