قبل الثورة الصناعية كان أقل من 10% من سكان أوروبا يعيشون في المدن. والباقون يعيشون في بلاد وقرى صغيرة منتشرة على امتداد الريف. وكان هؤلاء الناس يقضون معظم يومهم العملي في الزراعة. ولما كان باستطاعتهم بيع الفائض من الطعام في البلدان المجاورة، فإنهم كانوا يزرعون مايزيد قليلاً عما يحتاجونه لأنفسهم. ويصنعون معظم ملابسهم، وفرشهم وأدواتهم من المواد الخام المُنتَجة من المزارع أو الغابات.

وقد وُجِدَ نوع من الصناعة في كل أنحاء أوروبا الغربية قبل الثورة الصناعية. والقليل من التصنيع كان يتم في متاجر الروابط في المدن الصغيرة. وكان العمال الحرفيون في هذه المتاجر يستخدمون أدوات بسيطة لتصنيع منتجات مثل الملابس والأدوات المعدنية والحليّ والمنتجات الجلدية والمشغولات الفضية والأسلحة. وكان بعض المنتجات المصنوعة في المدن الصغيرة تتم مقايضته بالطعام المُنتَج في الريف. وكذلك كانت منتجات المدن تُصَدَّر لمبادلة ثمن الكماليات المستوردة من الخارج، أو تُرْسَل إلى المستعمرات في مقابل المواد الخام.

ومع ذلك، كان معظم التصنيع يحدث في المنازل في المناطق الريفية. والتجار الذين يُسمون المقاولين الملتزمين يوزعون المواد الخام على العمال في منازلهم ويجمعون المنتجات التي تم تصنيعها. وفي المنزل كانت الأسرة بأكملها تعمل معًا لتصنيع الملابس ومنتجات الطعام، والنسيج والمصنوعات الخشبية. وكان العمال أنفسهم مصدرًا للقدرة المستخدمة في التصنيع. وكانت الدواليب المائية مصدرًا للقدرة في بعض الصناعات.

كانت طريقة الحياة تختلف من مكان لآخر، اعتمادًا على المناخ والتربة والبعد عن المدن والطرق التجارية. وكانت حياة معظم الناس القاسية تدور حول المواسم الزراعية (الزراعة والفلاحة والحصاد وتسويق المحصول). وعاش الناس تحت الخوف الدائم لاحتمال فشل محاصيلهم. والكثير منهم عانوا من سوء التغذية. ونتيجة لذلك أصابتهم الأمراض، وشاعت الأوبئة. وقلّ انتاج العمال كما قلّ عدد الذين يحصلون على دخول كبيرة، وانحصرت هذه القلة في ملاك الأراضي الزراعية ورجال الأعمال وذوى المناصب الرفيعة. وكان القليل من المال يدَّخر أو يتم استثماره في مشروعات تجارية. وفي واقع الحال كان هنالك قليل من فرص الاستثمار.