وسائل التنصير غير المباشرة. لم يعد المنصّرون يركزون على الوسيلة المباشرة خارج الكنيسة، فقد عمدوا منذ فجر الاستعمار في القرن التاسع عشر الميلادي إلى وسائل أخرى غير مباشرة تفتح لهم الأبواب المغلقة لكسب الأتباع، لاسيما في قارتي آسيا وإفريقيا بعامة، وفي البلاد العربية بخاصة، ومن أبرز الوسائل غير المباشرة:

التنصير بوساطة التطبيب. يدل على أهمية هذه الوسيلة عند المنصرين قول الطبيب الأمريكي المنصِّر بول هاريسون في كتابه: الطبيب في بلاد العرب "لقد وُجِدنا في بلاد العرب لنجعل رجالها ونساءها نصارى" وقول المنصر موريسون "نحن متفقون بلا ريب، على أن الغاية الأساسية من أعمال التنصير بين مرضى العيادات الخارجية في المستشفيات أن ندخلهم أعضاء عاملين في الكنيسة.

واهتمت مؤتمرات التنصير بهذه الوسيلة، ودليل ذلك قول المنصِّر هاربر في مؤتمر القاهرة التنصيري سنة 1906م: "يجب الإكثار من الإرساليات الطبية لأن رجالها يحتكون دائمًا بالجمهور ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما لغيرهم من المنصرين".

التنصير بوساطة التعليم. من أبرز الأدلة على هذا قول الكاردينال لافيجري مؤسس جمعيات التنصير الحديثة، "لا حاجة لنا بالدعوة للدين نفسه، بل الحاجة إلى التعليم والتمريض"، وقول المنصر هنري جسب: "إن التعليم في مدارس الإرساليات النصرانية، إنما هو فقط وسيلة إلى غاية، وإن تلك الغاية هي تنصير الناس وليس تعليمهم المهارات المختلفة"، وقول المنصر تاكلي: "يجب أن نشجِّع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني".

ونتيجة للأثر الفعال للتعليم في التغيير العقيدي والثقافي والاجتماعي والسياسي، فقد اهتمت به مؤتمرات التنصير، وأشارت إلى أهمية ووجوب التوسع فيه. وبالفعل توسَّعوا فيه إلى مستوى إنشاء الجامعات أو الكليات مثل الجامعة الأمريكية ببيروت والقاهرة، وجامعة مانيلا، وجامعة القديس جون بالهند، وكلية روبرت بإسطنبول، والكلية الفرنسية بلاهور.

التنصير من خلال المهن المختلفة. عرفت هذه الوسيلة بوسيلة صانعي الخيام. ويعود هذا المصطلح إلى أيام بولس، وقد كان يباشر صنع الخيام لإعاشة نفسه خلال أسفاره للتنصير في القرن الأول للنصرانية. والمفهوم العصري لهذه الوسيلة هو أن يقوم بالتنصير أناس يأتون إلى البلاد المغلقة في وجه التنصير، مثل بعض دول الخليج العربية، بصفة مهنيين يعملون في ميادين متعددة، هدفهم الاحتكاك بالناس لتعريفهم بالسلوك النصراني، وتوزيع الإنجيل والمطبوعات التنصيرية الأخرى عليهم بطريقة خفية. وقد أصدر مجلس الكنائس البريطاني كتابًا نصح فيه هؤلاء بالتزام السرية التامة في أداء مهامهم.

واهتمت مؤتمرات التنصير الأخيرة ـ بالذات ـ بهذه الوسيلة. فقد نبه كاتب البحث رقم (34) من أبحاث مؤتمر كولورادو التنصيري عام 1978م إلى أهمية هذا الأسلوب، ونصح الخيَّامين بتوخي الحذر الشديد وفق إستراتيجية مرسومة وتخطيط دقيق.

التنصير من خلال تقديم المساعدات الإنسانية. يستغل المنصرون ما تعانيه كثير من المجتمعات من كوارث، مثل الزلازل والفيضانات والمجاعات والحروب الأهلية والجفاف والتصحُّر والفقر والأمراض الوبائية، فيقدمون للناس المعونات ليتجاوزوا آثار هذه الكوارث، ويقدمون معها الدعوة إلى النصرانية. ومن أنشط المنظمات التنصيرية الأمريكية في هذا المجال: جمعية أخوة الإيمان، والمجلس الإنجيلي، وصندوق الأطفال المسيحيين، وجمعية محبة العالم. وقامت الأم تيريزا بدور فعال في مجال رعاية الأيتام وتهجير بعضهم إلى الغرب لتربيتهم تربية نصرانية.

التنصير بوساطة الإعلام. استخدم المنصرون ما يتاح لهم من وسائل إعلامية لنشر دعوتهم، مثل الصحف والمجلات والكتب، لاسيما الإنجيل، والنشرات والسينما والمسرح والإذاعة والتلفاز ووكالات الأنباء. وتخصصت بعض الإرساليات في مجال الطباعة والنشر، مثل: رابطة الإيمان لمساعدة الإرساليات، ومنظمة نشر النصرانية في الشرق الأوسط. ومن أشهر وكالاتهم وكالة فرنتيرز، الأمريكية. ومن أشهر إذاعاتهم التي تُعد بالمئات إذاعة راديو الفاتيكان، وإذاعة حول العالم من موناكو، وإذاعة صوت الغفران وصوت الإصلاح من جزيرة سيشل.