يحدث التعلم في كلِّ الأوقات، ولكننا لانجد تفسيرًا بسيطًا للعمليَّة. وقد قام علماء النفس بفحص أربعة أنواع من التَعَلُّم بصورة مفصلة 1- الإشراط الكلاسيكي أو التعلُّم الاستجابي، 2- الإشراط الوسيلي أو التعلُّم الإجرائي (الفعال)، 3- تعلم الاستجابة المتعددة، 4- التَعَلُّم بالتبصر (البصيرة).


الإشراط الكلاسيكي. يعتمد الإشراط الكلاسيكي على علاقات المثير بالاستجابة. والمثير باعث أو شيء مدرَك أو وضع ينبِّه أحد أعضاء الحس لدينا. والضوء مثير أو منبِّه لأنه يستثير شبكيَّة العين مما يسمح لنا بالرؤية. وغالبًا مايجعل المثير الشخص يستجيب بطريقة معينة؛ فوهج الضوء مثلاً يجعل العين تَطْرف، ويقول علماء النفس: إن المثير في هذه اللحظة قد أظهر الاستجابة.

في الإشراط الكلاسيكي، يحدث التَعَلُّم عندما يبدأ المثير في إظهار أو دفع سلوك مشابه لذلك الذي تم أصلاً بوساطة المثير القديم. افترض مثلاً، أنَّ شخصًا تذوق بعض عصير الليمون مما جعل لعابه يسيل، وفي أثناء تذوقه للعصير تم عزف نغم معيَّن. افترض أيضا أنَّ هذين المنبهين -الليمون والنغم- قد حدثا معًا مرات عديدة. في آخر الأمر سيكون النغم وَحده قادرًا على أن يجعل لعاب الشخص يسيل. لقد حدث الإشراط الكلاسيكيّ لأنَّ المنبِّه الجديد (النغم) قد بدأ في دفع وإثارة استجابة سيلان اللعاب بنفس الأسلوب الذي أثَارَهَا ودَفَعَها به عصير الليمون.

وفي أي حالة يحدث التَّعَلُّم (ولا شك أنَّ عملية التَعَلُّم تحدث عندما يُدرك الشخص أن لعابه يسيل لدى سماعه النغم) فإن المُعَزِّز هنا هو عصير الليمون الذي يُرافقه. وبدون عصير الليمون لا يحدث سيلان اللعاب لمجرد سماع اللحن أو النغم.

إن عملية الإشراط الكلاسيكي مهمة بصفة خاصة في كيفية تعلم السلوك الانفعاليّ. فمثلاً، عندما ينمو لدينا شعور بالفزع والخوف لأول مرة فإننا نتعلم الخوف من المثير مصحوبًا بمثيرات أخرى للخوف.

وقد بنيت دراسات التعلم الشَّرطي الكلاسيكيّ على تجارب أجريت في أوائل القرن العشرين قام بها عالم النفس الروسي إيفان بافلوف، بتدريب الكلاب مع سيلان لعابها لمجرد رؤيتها إشارات ضوئية أو ألحانًا أو رنينًا، واقتران إبراز هذه الإشارات بتقديم الطعام إلى الكلاب. انظر: الفعل المنعكس. وأطلق بافلوف على الاستجابة المتعلمة المكتسبة مصطلح الاستجابة الشرطية أو المشروطة لأنها تعتمد على شروط المثير.

وللتأكد من حقيقة أن مثيرًا ما ينتج استجابة من هذا النوع من التعلم، أطلق على التعلم الشرطي ـ مصطلح ـ التعلم الاستجابي.


الإشراط الوسيلي. غالبًا مايتعلم الإنسان القيام باستجابة نتيجةً لما يحدث بعد أثر الاستجابة. فربما يتعلم الطفل مثلا أن يتوسَّل ويستجدي للحصول على حلوى، ولكن ليس هناك مثير واحد يثير استجابة التوسل والاستجداء. والطفل يستجدي لأنَّ مثل هذا السلوك يساعده أحيانًا في الحصول على الحلوى. وفي كل وقت يحصل فيه الطفل على الحلوى، فإنَّ المَيْل إلى التَّوَسُّل يقوى ويزداد. وعليه، فإن الحلوى تعتبر هي المُعَزّز. ويسمَّى الإشراط الوسيلي أيضًا التعلم الإجرائي المـؤثر أو (الفـعال) نظرًا لأن الاستجابة التي تم تَعَلُّمُها تعمل بفعالية في البيئة لتحدث بعض التأثير.

لقد أجرى عالم النفس الأمريكي بي. إف سكنر، تجارب مهمة بوساطة الإشراط الوسيلي في الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث قام بتدريب الفئران على ضغط رافعات للحصول على الطعام. وفي إحدى التجارب وضع فأر جائع في صندوق خاص يحتوي على رافعة مزودة ببعض الطعام المخفي. في البداية جرى الفأر حولها بلا انقطاع، وأخيرًا ضغط الفأر على الرافعة وسقط الطعام في الصندوق.

لقد عزَّز الطعام استجابة ضغط الرافعة، وبعد تكرار العملية مرات عديدة، تعلَّم الفأرضغط الرافعة للحصول على الطعام.

اعتمدت التجارب التي أجراها سكنر على التجارب التي أجريت في أوائل القرن العشرين بوساطة العالم النفسي الأمريكي إي. ال. ثورندايك في تجاربه على الحيوان أيضًا، وثبت فيها أن الحيوان يتعلم تدريجيًا وبصورة بطيئة. وأطلق على هذا النوع من التعلُّم مصطلح التعلم بالمحاولة والخطأ.


تعلُّم الاستجابة المتعددة. عندما نتعلم المهارات، نتعلَّم في بادئ الأمر تسلسل سيَاق أنماط أو نماذج الحركة البسيطة، ونقوم بربط أنماط تلك الحركات لتشكيل أو صياغة نمط سلوكيّ أكثر تعقيدًا، وفي معظم الحالات تقوم منبِّهَات عديدة بتوجيه العملية. فمثلا يتطلب تشغيل آلة الطباعة تحريك كل الأصابع بمهارة. هذه الحركات توجَّه بوساطة الحروف أو الكلمات التي نريد طباعتها. وبداية فإن على الشخص أن يطبع حرفًا بعد حرف. وبالممارسة، يتعلم الإنسان الطباعة كلمةً كلمةً أو عبارةً عبارة. وفي التعلم اللفظي، كما في استظهار الشِّعْر أو تَعَلُّم لغة جديدة، نتعلم تسلسل أو سيَاق الكلمات. ومن ثَمَّ نقُوم بتجميع تسلسل الاستجابات في تنظيم مركَّب أو معقَّد. والواقع أن التَعَلُّم الذي يحتوي على استجابات عديدة يتطلب ممارسة كبيرة لتمهيد المواضع الصعبة.

لفحص هذا النوع من التعلم، قام علماء النفس بمراقبة سلوك الحيوانات في متاهة ذات شعب، فوجد أن الحيوان يتجول خلالها حتى يجد الطعام في نهايتها، وأن الحيوان يتعلم بالتدريج أين يتجه، يمينا أو يسارا، حيث يوجد اختيار واحد هو الصحيح. وفي النهاية وجد أن الحيوان يتعلم التتابع الصحيح للدوران. وقد وجد العلماء أن الحيوان يتعلم نقطة البداية ونقطة الانتهاء بيسر أكثر من تعلمه الأجزاء الوسطى.


التَعَلُّم بالتبصُّر (البصيرة). إن مصطلح التبصر (البصيرة) يشير إلى حلِّ مشكلة من خلال فهم العلاقات بين أجزائها. وغالبًا مايحدث التبصر بصورة مفاجئة، حيث ينظر الفرد لمشكلة ما لفترة، ثم لا يلبث أن يعرف حلها فجأة.

لقد قام العالم النفسي وولفجانج كولر بإجراء تجارب مهمَّة على التعلم بالتبصر (البصيرة) في بداية القرن العشرين، وأوضح أن الشمبانزي أحيانًا يستخدم البصيرة بدلاً من استجابات المحاولة والخطأ في حل المشكلات. فقد قام الشمبانزي بوضع عدد من الصناديق بعضها فوق بعض حتى تمكن من الوصول للموز، كما اكتشف الشمبانزي أيضًا أن وصل عصا بأخرى قد مكنه من الوصول للموز. وهكذا ظهر أن الشمبانزي قد أدرك عناصر الموقف، واستخدمها في تحقيق أهدافه.


نظريات التعلُّم. تعتمد نظريات التعلُّم على الوقائع التي يتم الحصول عليها من التجارب التي تحدثنا عنها في التعلم الشرطي الكلاسيكي والوسيلي أو أمثالها.

ويختلف علماء النفس في تفسيرهم لتلك الحقائق. ونتيجة لذلك، ظهر عدد من نظريات التعلُّم التي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات.

تركز المجموعة الأولى على علاقات الاستجابة بالمثير، وقد أجرت هذه المجموعة تجاربها على الإشراط الوسيلي والإشراط الكلاسيكي، ويرى أعضاؤها أن كل عمليات التعلم تشكيل عادات.

عندما نتعلم، نربط المثير بالاستجابة التي لم تكن موجودة من قبل، وبهذا نكوّن عادة. انظر :العادة. وتتراوح العادات بين عادةٍ بسيطة وأخرى معقَّدة تستخدم في مهارات التعلم. ويعتقد هؤلاء العلماء أنه عندما نواجه مشكلة جديدة لابد أن نستخدم لحل المشكلة الاستجابات المناسبة التي تم تعلُّمها من التجارب السابقة. وإذا لم تؤدّ هذه العملية إلى الحل، فإننا نستخدم طريقة المحاولة والخطأ، حيث نجرِّب استجابة بعد أخرى إلى أن نتوصل لحل المشكلة. لقد تم استخدام طريقة المثير ـ الاستجابة لتفسير وتعديل العادات السيِّئة. فمثلا، عندما يخاف شخص بصورة غير منطقية من الكلاب، يمكن استخدام طريقة تسمَّى تعديل السلوك تستبدل فيها استجابة أكثر استرخاء باستجابة الخوف من الكلاب.

وركزت المجموعة الثانية على التعرف (عملية المعرفة) أكثر من تركيزها على الطبع أو العادة. ويشعر هؤلاء الخبراء أنَّ تجارب الإشراط الوسيلي والإشراط الكلاسيكي محدودة جدًا، إذ لا تمكن من توضيح التعلم المعقد، مثل تعلم المفاهيم والأفكار، ومدخل تلك المجموعة يركز ويؤكد على أهمية اكتشاف المتعلم وإدراكه العلاقة في تحقيق التبصُّر والفهم.

وقامت المجموعة الثالثة بتطوير النظريات الإنسانية. ووفقًا لتلك النظريات، فإن كثيرًا من التعلُّم الإنسانيّ ينشأ عن الحاجة إلى تجسيد القدرة على الإبداع. وعلى كلٍّ فإنَّ أيّ نشاط كالألعاب الرياضية والأعمال التجارية، والتدبير المنزلي يمكن أن تكون مَنْفَذًَا للإبداع. ويعتقد علماء النفس في هذه المجموعة أنَّ كلَّ شخصٍ يجب أن ينغمس في أنشطة تتحداه وأن يتصرف إزاءها بعقلانية ليصل إلى حياة مُرضية، وأن الفرد يكتسب الإحساس بالسيطرة والنمو والمعرفة من تلك الأعمال. ولكي تحدث عملية التعلّم، يجب أن يشعر الناس بالحرية في اتخاذ قراراتهم الذاتية. كما يجب أن يشعروا بأهميتهم وجدارتهم وأن يتخلصوا نسبيًا من القلق، ويحترموا أنفسهم ويبادلهم الآخرون الاحترام. ومع توفّر هذه الشروط، فإن دوافع الناس الداخلية ستقودهم إلى التعلّم. وفي بعض أنواع العلاج الجمعي تتم محاولة تهيئة بيئة يشعر فيها الناس بالتقبل والدعم، ويزداد فيها وعيهم بأفكارهم الخاصة وبالعالم من حولهم.

إن عملية التعلُّم تتضمن تغيرات في الجهاز العصبي. ويحاول العلماء اكتشاف العمليات التي تحدث في الدماغ وينتج عنها التعلم. ومثل هذا البحث، ربما يقود إلى نظرية فسيولوجية للتعلُّم.