التعريب استعمال لفظ غير عربي في كلام العرب، وإجراء أحكام وقواعد اللفظ العربي عليه ووزنه على أحد أوزانه. وهذا أبسط تعريف للتعريب، إذ كثُرَ الحديث عنه بوصفه مشكلة لغوية واجتماعية واقتصادية وسياسية ونفسية. وتطرح قضية التعريب في معظم الأحيان ضمن إطار استراتيجية التحرر والوحدة والتخلص من التبعية الثقافية والاقتصادية والسياسية. من هنا يكتسي مصطلح التعريب قدرًا من الغموض والالتباس لابد من إزالته.

فظاهرة التعريب أولاً صورة من صور التبادل بين اللغات. ومظهر من مظاهر التلاقح الناتج عمّا يوجد بينها من قرابة لغوية، أو جوار ومتاخمة، أو رحلة وانتقال، أو غزو وفتح، أو هجرة واختلاط، أو تجارة ومعاملة. ويتم هذا التبادل عن قصد وغير قصد، وكثيرًا مَا يُكسَى الدخيل بكساء جديد، فيُنسى أصله ويصبح جزءًا من اللغة التي انتقل إليها، ولا يشعر عامة الناطقين بها بأنه أجنبي أو دخيل.

من هنا، ندرك أن التعريب يتناول الكلمة غير العربية (الأعجمية). فهو إذن عملية صَرفية قياسية، تعتمد لفظة أصلها غير عربي تُضَمُّ إلى اللغة العربية بعد وَزْنِها على أحد الأوزان العربية. وكان هذا المعنى منطلَق اللغويين القدامى في تفسير معنى التعريب، فقال الجوهري: ¸تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوّه به العرب على مناهجها·، وقال الزبيدي:¸وأما المعرَّب فهو ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لِمَعَانٍ في غير لغتها·. ولا تخرج المعاجم القديمة والحديثة عن هذا المعنى.

والتعريب من القضايا التي شغلت العرب منذ عهد مبكّر، وكان سيبويه من أوائل الذين تحدثوا عنه وسمَّاه إعرابًا، وتحدث عن طريقة العرب في التعريب مشيرًا إلى ماكان العرب يغيّرونه من الحروف الأعجمية من إبدال أو تغيير حركات أو حذف لإلحاقها بالأوزان العربية. كما أشار إلى ما أخذه العرب من اللغات الأخرى وأبقوه على حاله دون تغيير. وكانت القواعد التي وضعها أساسًا لِمَنْ جاء بعده. وقد ذكر ابن حيَّان، أن عُجمَة المعرَّب تُعرَف بجملة من الأمور منها: خروجُه عن أوزان الأسماء العربية (مثل: إبراهيم)، وتَتابُع الراء والنون في أوّله أو آخره (مثل: نرجس، وَ دَنر)، وبتتابع الزاي والدال فيه (مثل: مهندز). وقد ذكر ابن جني أنّه متى وجدت كلمة رباعية أو خماسية معرّاة من بعض هذه الأحرف الستة (ر، ل، ن، ف، ب، م) المسماة بأحرف الذلاقة، فاقض بأنّه دخيل في كلام العرب وليس منه. ومن المصطلحات التي اقترنت بالمعرَّب مايُعرف بالدخيل، وهو اللفظ الذي أخذته اللغة العربية من لغة أخرى في مرحلة متأخرة من حياتها، من غير أن تدخل عليه من التغيير مَا يجعلُه موافقًا لأبنية كلام العرب. أي أن الدخيل هو اللفظ المستعار من اللغات الأجنبية لحاجة التعبير به مع بقائه على وزن غريب على اللغة العربية وذلك مثل: (جمرك، وتليفون، وتلفزيون، وكمبيوتر) وغيرها. فما يميّز المعرَّب من الدخيل، إذن أن المعرَّب يطرأ عليه تحوير في بنيته مما يجعله موافقًا لأبنية الكلمات العربية، بينما يبقى الدخيل على صورته مع إمكانية حصول تحريف طفيف في نطقه بما يوافق النطق العربي.

وبمرور الزمن، تطور مفهوم التعريب وأصبح له دلالات زادته تشعّبا، كما اكتسب معنى عصريًا استهدف العملَ الاصطلاحي، المتمثلَ اليوم في إيجاد مقابلات عربية للألفاظ الأجنبية، وذلك لتعميم اللغة العربية واستخدامها في كل ميادين المعرفة البشرية. وبهذه النظرة الجديدة التي قدّمت التعريبَ الفكريّ النفسيَّ على التعريب اللفظي المعروف قديمًا، يكون المفهوم قد حمل صبغةً إنسانية شاملة تُعنَى بالفرد العربي وأصالة فكرِه وشخصيتِه. وقد رافق هذا المفهوم النهضة العربية منذ مطلع القرن العشرين، حين بدأ الحديث عن تعريب التعليم وتعريب الإدارة والتعريب الفكري والاجتماعي، أي استخدام العربية في مختلف هذه المجالات وغيرها. والحقيقة أن هذا التحمُّس للعربية والعروبة قد ظهر منذ العصر الأموي الذي رأى فيه التعريب النور، حيث إن القِيَم العربية التي نقلتها اللغة العربية، سيطرتْ على التاريخ الثقافي العربي آنذاك، وكان العربي في ذلك العصر متشبعًا بلغة دينه، وكان فصيحًا طلْق اللسان، فلم يخش تعريب الكلمات الأعجمية وصَوْغَها على أوزان عربية، وإخضاعَها لقواعد لغة، صارت مقدَّسةً بقداسة القرآن. لكنّ القواعد التي وضعها فقهاء اللغة العربية لضبط هذه العملية، تُبيّن أنهم لم يقرِّروا ضرورة تعميم استخدام اللفظ الأعجمي كلّما دعت الحاجة إلى ذلك، لئلا يلحق العربية ضررٌ من الإفراط في استعمال هذه الوسيلة. لذلك، لم تدخل العربية عن طريق التعريب قديمًا إلاّ بضعُ مئات من الكلمات الأعجمية. وتجلّى قَدْرٌ من هذه الكلمات المعرَّبة في نص القرآن الكريم وذلك على الرغم من وجود نظرية تستنكر ذلك حِفظًا للكتاب من كل عُجمة. لكنّ الحديث عن وجود ألفاظ معرَّبة في القرآن دليل على رواجها وقبولها والاطلاع عليها.

وكان لابدّ من الترقب حتى فترة قريبة العهد ليبدأ علماء اللغة في القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي العمل بالتعريب بنِيَّة النقل، أي ترجمة الألفاظ والأفكار الأعجمية الغريبة عن العربية، وأصبح المعرَّب والدخيل ضروريَّيْن لازدهار اللغة. وأثيرت بصدد التعريب قضايا لغوية حلَّلتْه بحثًا وتنقيبًا من زاوية الاقتباس من اللغات الأجنبية، وتداخل اللغات، وتأثرها بعضها ببعض.

وقد شهد عصرنا الحاضر إقبالاً واضحًا من العلماء على اللغات الأجنبية التي نهض أهلها بالعلوم، يأخذون منها الكلمات، ويقتبسون من المصطلحات ما يسهم في إثراء العربية وجعلها مواكبة لضرورات العصر الحديث.