تختلف الآراء حول التصالح مع رموز النظام السابق مقابل رد المبالغ التي استولوا عليها بغير حق ، فهناك مؤيد وهناك معترض ، ولكل منهما وجهة نظره المقبولة والمعقولة .

يؤسس المعترضون فكرتهم على أن التصالح سيخلق حالة من البلبلة والفوران الشعبي لدى قطاع عريض من الشعب ، خاصة وأن الثورة لم تقم ، ولم يستشهد هؤلاء الشباب ، حتي يثاب المجرمون علي جرائمهم بالعفو عنهم مقابل أموال طالتها رائحتهم الخبيثة ، وإذا كان الرفض الشعبي للإفراج عن المتهمين في التمويل الأجنبي مقابل صفقة قد وصل بذروته إلي طلب الإطاحة برموز الدولة ، فإن العفو عن هؤلاء لن يجد صدي لدي الشعب أقل من ثورة ثانية .

وعلى الرغم من وجاهة هذه الفكرة إلا أن حالة البلبلة والفوران الشعبي هي مسألة احتمالية قد تحدث وقد لا تحدث ، وفى الحالة الأولي فان نسبتها قد تختلف أيضا ، فقد تكون نسبة الثائرين اقل من 1% من مجموع الشعب المصري ، وقد تصل النسبة إلي اكثر من 99% ، وفى كل الأحوال فان تحديد نسبة الثائرين إلي غير الثائرين تكون في عالم الغيبيات والاحتمالات وليس فيها أي نسبة مؤكدة .

كما أن القول بأن شهداء الثورة لم يقدموا أرواحهم حتي يثاب المجرمون علي جرائمهم بالعفو عنهم مقابل أموال طالتها رائحتهم الخبيثة فهو قول محل نظر .

ذلك أن الثورة قامت واستشهد الشباب فيها من اجل لقمة العيش والحرية والكرامة الإنسانية ، وبالتالي فان التصالح مع رموز النظام هو في صميم أهداف الثورة طالما استطعنا استرداد الأموال والحقوق والمستحقات المنهوبة والمسلوبة والخاصة بالدولة والأفراد ، والتي لم يكن من المستطاع استردادها في يوم من الأيام إلا بثورة 25 يناير المباركة ، وعندئذ نستطيع أن نقول أن الثورة حققت هدفا جوهريا من أهدافها وهو إيجاد لقمة العيش بحرية وكرامة اجتماعية وإنسانية .

أما القول بأن الرفض الشعبي للإفراج عن المتهمين في التمويل الأجنبي مقابل صفقة قد وصل بذروته إلي طلب الإطاحة برموز الدولة ، فإن العفو عن هؤلاء لن يجد صدي لدي الشعب أقل من ثورة ثانية ، فهذا كلام أيضا محل نظر .

ذلك أن الرفض الشعبي للإفراج عن المتهمين في التمويل الأجنبي جاء نتيجة ما صورته لنا الجهات المعنية بالأمر أن قرار مصر نابع من قلب مصر وانه لا سلطان على القرار المصري من أي جهة أو دولة أجنبية مهما كان اسمها ومهما كان الثمن ، ثم فجأة يتفاجأ الشعب أن هناك قوة لا قِبل للحكومة بها استطاعت في غمضة عين أن تقلب الطاولة على أصحابها ، ويتم الإفراج عن المتهمين لأسباب غير معلومة حتى الآن IMG

أما التصالح مع رموز النظام فهذه مسألة محل بحث والقيل والقال والرأي والرأي الآخر ومعلوم إيجابياتها وسلبياتها ، وبالتالي فليس هناك مجال للمقارنة بين الصفقتين ، وان أي مقارنة بينهما هي في الحقيقة مقارنة في غير محلها تماما .

كما يؤسس الرافضون فكرتهم على أن المصالحة هي عار على مصر شعبا وقضاء لأنها ستكون دافعا لأي شخص يسرق وينهب ويكون علي علم أن مصيره فقط هو دفع أموال ، ومن ثم فهذه المصالحة بكل المقاييس من وجهة نظر الرافضين لها عبارة عن إهانة معنوية لا يجب الرضوخ لها .

بيد أن هذه الفكرة على الرغم من وجاهتها إلا أنها محل نظر ، ذلك أن القانون يعترف بالتصالح في بعض الجرائم ويرتب على التصالح فيها انقضاء الدعوى الجنائية ، وبالتالي فان التصالحات في بعض القضايا الجنائية ليست بدعة ولم يقل أحد أنها عار على مصر شعبا وقضاء ، وبالتالي فلا محل لرفض التصالح بمقولة انه عار على مصر .

كما يؤسس الرافضون فكرتهم على أنه لا يمكن أن نتصالح بالمال مع هؤلاء الذين ارتكبوا جرائم ضد الشعب المصري وافسدوا كل شبر في مصر وقامت الثورة حتى تكشف الستار عنهم واستشهد الكثير في سبيل الحرية واستعادة كرامة مصر، وقد قال الله تعالى ( ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون ) .

والواقع أن القول بأن هؤلاء ارتكبوا جرائم ضد الشعب المصري وافسدوا كل شبر فيها ، هو قول تنقصه الدقة القانونية ، لان الجرائم لا ثبت على الأشخاص إلا بعد محاكمته محاكمة قانونية عادلة وصدور حكم قضائي من المحكمة المختصة بإدانته ، وطالما لم يصدر هذا الحكم فالمتهم برئ ، ووفقا لهذا المفهوم فان المتهم سيصير بريئا في حالة التصالح والحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بهذا التصالح ، وبالتالي فانه لا حاجة لنا في البحث عن القصاص ، لان القصاص لا يكون إلا في حق من ثبتت إدانته على نحو ما ذكرناه .

كما انه لا مجال للاستشهاد بآية القصاص ــ والتي أظن انهم يقصدون بها الحكم بالإعدام ــ عند الحديث في التصالح الخاص بالجرائم المالية وإفساد الحياة السياسية ، لان القصاص لا يكون إلا في الجرائم العمدية ، وهذه مسألة تحتاج محاكمة المتهم محاكمة قضائية عادلة ونزيهة وصدور حكم بالإدانة ، كما أن القرآن الكريم لا يمانع من قبول الدية يقول " فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " ، لا سيما أن القول بقتل القاتل قصاصا حتى مع وجود العفو من الورثة تحتاج إلي بحث في الشريعة خاصة وأنها مسألة كثر فيها الخلاف وليست مسألة محل إجماع .

كما يؤسس الرافضون فكرتهم على انه كيف تتم المصالحة مع من جوع شعب بأكمله ودمره اجتماعيا وتعليمياً وثقافياً واقتصادياً ... الخ بحجة المستقبل ؟ ولذلك علينا أن نقتص ممن عاثوا في الأرض فساداً ، ولندع المستقبل لعالم الغيب والشهادة فهو وحده علام الغيوب ، وغير ذلك فنحن نغضب الرب في رضاء العبد .

بيد أن هذه الفكرة على هذا النحو أيضا محل نظر للأسباب سالفة الذكر ، لا سيما وانه لا يصح من المسلم ــ طالما كنا نحاور من يستدلون بالآيات القرآنية ــ أن يقف موقفا سلبيا من مستقبله مهما كان ، إذ القرآن والسنة قد حثاه على العمل في كل الأحوال .

هذا بالنسبة للمعترضين على التصالح ، أما المؤيدون فانهم يؤسسون فكرتهم علي أن البلد في حاجة لعودة الكثير من الأموال المسلوبة والمهدرة والسجن لعشرات السنوات لن يجدي نفعاً إلا في احتواء الغضب الشعبي على المدى القصير ولكنه لن يحقق طموحات هذا الشعب في الارتقاء بشأنه . كما أن ذلك سيشجع الكثيرين من رجال الأعمال على تبرئة أنفسهم بالوسيلة نفسها . وأن الأصلح لمصر هو إعادة الأموال ، فالنتيجة واحدة فهم الآن خارج مصر يتمتعون بأموال هذا الشعب ، في حين يدق الفقر عظام المصريين ويقض على أحلامهم ، وينغص عليهم لياليهم القاتمة ، فإذا لم تسمح الظروف إلا بأحد البديلين فمن الأوفق اختيار المصلحة والتضحية باعتبارات العاطفة .

وكما قلت في البداية فإنني من مؤيدي هذا الرأي الأخير لوجاهته وواقعيته ومصداقيته ، ولكن إذا كان هناك تصالح ، فيجب أن يكون الصلح مشروطا بعدة شروط منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي : ــ
ــ أن يتنازل المتهم عن جميع أمواله وممتلكاته الخاصة به هو وأزواجه وأبناؤه القصر والتي آلت إليه خلال فترة توليه مسئولياته القيادية في الدولة .
ــ أن تتسلم الحكومة المصرية هذه الأموال والممتلكات بالفعل سواء كانت داخل أو خارج مصر .
ــ أن يقر المتهم عن نفسه وبصفته وليا طبيعيا على أولاده القصر ، إقرارا رسميا بثلاثة لغات على الأقل انه لا يوجد له أي حسابات بنكية أو ممتلكات عقارية أو منقولة داخل أو خارج مصر ، وتقر زوجته أيضا بمثل ذلك ، ويتعهدان بأنه إذا ظهرت لهم أي حسابات أو ممتلكات داخل أو خارج مصر سوى ما تم التنازل عنه فانه يؤول مباشرة إلي الحكومة المصرية دون قيد أو شرط أو حكم قضائي وطني أو أجنبي .
ــ أن يتم عزل المتهم سياسيا لمدة خمسة سنوات على الأقل .
ــ أن يصدر الحكم بالإدانة مع إيقاف تنفيذ العقوبة لمدة لا تقل عن خمسة سنوات .
ــ أن يوضع المتهم تحت الإقامة الجبرية ، وان يوضع تحت الملاحظة والمراقبة لمدة لا تقل عن خمسة سنوات .
ــ أن يعزل المتهم من جميع الوظائف العامة ولا يحق له تقلد أي مناصب عامة أو الحكومة أو القطاع العام أو القطاع الخاص لمدة خمسة سنوات على الأقل .
ــ أن يحدد للمتهم راتب شهري يعادل راتب الدرجة الثالثة في الوظائف الحكومية كي يفي بحاجاته الضرورية لمدة خمسة سنوات على الأقل .
ــ أن يمنع المتهم من السفر لمدة خمسة سنوات على الأقل .