السـد بناء يشيد عبر النهر ليحجز المياه. وتتفاوت أحجام السدود ما بين ترابية أو حجرية صغيرة، أو سدود شاهقة من الخرسانة بعلو ناطحات السحاب. وقد اُضطر الناس إلى تخزين المياه خلال مواسم الأمطار بكميات وفيرة تفي بحاجتهم وحاجة حيواناتهم وزروعهم في فترات الجفاف. وثمة أطلال لسدود أثرية في كل من وديان نهر دجلة ونهر النيل. كما أن بعض السدود التي شيدها قدماء الرومان بإيطاليا وأسبانيا وشمال إفريقيا ما زالت تعمل إلى الآن.

وفي كل الحقب التاريخية كان الحصول على مصادر كافية للمياه هو أول اهتمامات المجموعات البشرية عندما تستقر. وقد تمتلئ مجاري المياه في كثير من الأقاليم في وقت ما، لكنها لا تلبث أن تنضب في فترات الجفاف حينما تزداد الحاجة إليها أكثر من أي وقت آخر. واعتاد الناس في البداية إقامة سدود صغيرة من جذوع الأشجار والتراب والحجارة تفي بتخزين حاجتهم العابرة للمياه. غير أن الفيضانات كانت كثيرًا ما تتسبب في هدم هذه السدود الصغيرة وإزالتها. وعندما اتسعت المجتمعات العمرانية وازدادت أعداد ساكنيها، عرفوا كيف يشيدون سدودًا أضخم، توفر لهم مخزونًا كبيرًا ودائما من الماء. وأصبح بمقدور هذه السدود تخزين ما يفي بحاجة الناس خلال الفترات الموسمية التي يقل فيها الماء، بالإضافة إلى فترات الجفاف التي قد تمتد لسنين عديدة. وتعلم الناس لاحقًا كيف يسخِّرون مساقط المياه المندفعة من السدود لتوليد الطاقة الكهربائية التي يحتاجونها في البيوت والمصانع.


عمل السد
يحبس السد الماء في المجاري والأنهار التي يشيَّد عليها، بحيث تتكون خلفه بحيرة أو مخزون كبير من الماء قد يعلو منسوبه إلى ارتفاع السد نفسه، فتغطي هذه المياه الكثير من الاحتياجات. وعندما يرتفع منسوبها خلف السد عن منسوب النهر، يصبح توجيه انسيابها على الأراضي المجاورة أمرًا ميسورًا بدفع الجاذبية. كما تتدفق كميات من المياه المخزونة من خلال توربينات مائية ـ هيدروليكية ـ فتتولد الطاقة الكهربائية المستخدمة في البيوت والصناعات. وتوفر هذه المياه، التي يتم صرفها بمعدلات ثابتة في مجرى النهر، أسفل السد الماء للأسماك والأحياء البرية، وتحافظ على مجاري الأنهار من الجفاف. كما تيسر كمياتها الكبيرة حركة الملاحة النهرية طوال العام. وتساعد السدود بكفاءتها التخزينية العالية في احتواء مياه الفيضانات وتصريفها بالتدريج خلال فترات زمنية طويلة مما يحد من إغراقها ضفاف الأنهار.

وتوفر البحيرات والمستودعات المائية التي تتكون خلف السدود مرافق ترفيهية كرياضات الماء وهوايات صيد السمك، كما تصبح مراتع للحيوانات البرية. وتحفظ كذلك التربة الزراعية من الانجراف الذي يسببه اندفاع الماء فوق القشرة العلوية الخصبة.


أنواع السدود
أقام الناس أنواعًا كثيرة من السدود، خضع كل واحد منها للظروف الخاصة بالموقع المقام عليه، ونوع المواد المتاحة لتشييده. ففي الأماكن التي تتوفر فيها الصخور، يصبح بناء سدود ذات حشوة صخرية أو سدود حجرية، ذا جدوى اقتصادية مجزية. كذلك تبنى السدود الخشبية، حيث تتوافر جذوع الأشجار. ويكثر استخدام الخرسانة في بناء السدود، إلا أن نقل موادها كالحصباء والرمل والإسمنت غير المتوافرة في موقع البناء يشكل عبئًا ماليًا ضخمًا. وقد برهنت السدود الترابية التي شيدت في أماكن كثيرة على مزايا اقتصادية كبيرة. كما أن بناء السدود المفرغة في بعض المواقع يوفر مواد البناء. وتبدو جدوى تشييد السدود المعقودة الضيقة في الوديان الصخرية محدودة الاتساع، بينما يحتم اتساع وديان مجاري الأنهار بناء سدود ممتدة بعرض المجرى، من النوع متعدد العقود، أو من ذوات السطح المستوى، أو الأنواع الترابية، أو المصنوعة من الفولاذ أو الخشب ـ وهي كلها اقتصادية التكلفة.


السدود البنائية. تشمل أنواعًا عديدة من السدود تشترك جميعها في أنها مشيدة من مواد مصمتة، سواء كانت من الأحجار المقطوعة بأحجام محددة، أو من خرسانة تم صبها في كتل إسمنتية متراصة، أو شُدْفات قطاعية. ومنها السد الثقالي المشيد من الخرسانة أو الكتل الصخرية التي ترص بعضها فوق بعض، والذي يستمد متانته من ثقل المواد المستخدمة في إنشائه.

وقد أجرى المهندسون تعديلات على تصميم السدود الثقالية للمحافظة على مواد التشييد ولضمان رسوخ الهيكل الإنشائي للسد مع استخدام الحد الأدنى من المواد. وتشمل السدود المفرغة على تجويف مفرغ بداخل جسمها الرئيسي. ويسمى السد الذي تدعم واجهته جدران ساندة أو أكتاف السد ذا الأكتاف. أما ما يعرف بالسد المسطح فهو مشيد من بلاطة خرسانية ممتدة بطول المجرى يسندها من الأمام عدد من الدعامات المائلة بزاوية 45°. ويتم تصميمها بطريقة تقوم فيها المياه بتوفير الثقل اللازم لاستقرار الحاجز الخرساني الذي يتم تشييده أحيانًا في شكل عقود، كل واحد منها يتوسط دعامتين تسندانه، ويسمى السد متعدد العقود.

السدود الجسرية. أكثر أنواع السدود انتشارًا هي السدود الترابية. ويتم تشييدها بردم عينات منتقاة من التربة في حيز معين وضغطها طبقة فوق طبقة حتى تصير كتلة مصمتة لا يتسرب منها الماء. وتُفرز مواد الردم التي تشيد منها هذه السدود، بحيث توجد المواد الناعمة في المركز تليها المواد الخشنة التي تُغطى بطبقة من حجارة صخرية تسمى الدكة. وتوفر هذه الحجارة المكسرة حماية من التعرية التي تسببها أمواج المياه المخزنة والرياح والمطر والثلوج. ومن المعتاد الاستعانة بجدران خرسانية في منتصف السد لتكون سواتر مانعة لتدفق المياه. وقد تستخدم بدلاً منها ألواح معدنية في شكل خوازيق يتم دقها إلى عمق أدني من منسوب الأساسات. كما يحقن، من حين لآخر إسمنت مائع تحت ضغط كثيف إلى الأساسات، لترميم التصدعات والشقوق، مما يزيد من كفاءة السواتر الجدارية، ومقاومة الأساسات للماء.