مستوى المعيشة تعبير يستخدم عادة للدلالة على المستوى الاقتصادي للفرد أو الأسرة أو الدولة. ويمكن قياس مستوى المعيشة بقيمة البضائع والخدمات التي أنتجها أو استهلكها الفرد أو الأسرة أو الدولة خلال مدة زمنية محددة. ويمكن تفسير مستوى المعيشة أيضًا بأنه يبنى على الأهداف التي يضعها الناس من متطلبات الحياة ويسعون لتحقيقها. فإذا اجتمع لديهم القدر الكافي من حاجاتهم بما يكفل رفاهيتهم وسعادتهم فإنهم يكونون بذلك قد حققوا مستوى المعيشة المطلوب.

كيفية قياس مستوى المعيشة. يقاس مستوى المعيشة بطرق مختلفة، ولا يخلو أي منها من مشكلة في فهمنا إياها، ولا يحقق أي منها كل المعلومات المطلوبة، كما لا يعكس أي منها كل المعلومات الصحيحة.

ويمكن تقييم مستوى المعيشة في أمة معينة بمعرفة نسبة ما ينفقه المواطنون متوسطو الدخل على سد بعض احتياجاتهم الأساسية.

فقد يُسْتَخْدم متوسط الإنفاق الفردي على الغذاء مثلاً وسيلةً لقياس مستوى المعيشة. فكلما زادت النسبة المخصصة من دخل الفرد للإنفاق على الغذاء، دل ذلك على انخفاض مستوى المعيشة في الدولة، لكن هذا الأسلوب لا يُظهر إلا المعلومات الأساسية، ولا يبين كل شيء من المستوى الحقيقي للاستهلاك. كما أن الاقتصاديين لا يستطيعون بسهولة تحديد النسبة الحقيقية التي ينفقها الفرد من دخله على غذائه، وتمييزها عما ينفقه على الأشياء الأخرى.

كما أن مستوى المعيشة قد يقاس بوسيلة أخرى وذلك بقسمة رقم يطلق عليه مجموع إنفاق القطاع الخاص على عدد السكان. ويمثل إنفاق القطاع الخاص على الاستهلاك الذي قد يسمى الإنفاق على الاستهلاك الشخصي قيمة مجموع ما صرفه أفراد المجتمع لشراء السلع والخدمات خلال فترة محددة. ولا تخلو هذه الوسيلة أيضًا من العيوب.

فعلى الرغم من أن هذه الطريقة تعطينا رقمًا يبرز متوسط دخل المواطن العادي إلا أن هذا المتوسط لا يظهر كيفية توزيع مستوى المعيشة في المجتمع. فعلى سبيل المثال يمكن أن توجد فروق شاسعة بين دولتين يصل متوسط إنفاق الفرد الاستهلاكي فيهما إلى ألف دولار للشخص سنويًا. ففي إحدى هاتين الدولتين يمكن لكل الأفراد أن ينفق كل منهم نحو ألف دُولار. أمّا في الدولة الأخرى، فيمكن لعدد قليل من الأثرياء إنفاق مبالغ تفوق الألف دولار إلى حدّ كبير، في حين يحتمل أن ينفق العديد من الأفراد مبالغ تقلُّ كثيرًا عن الألف دولار. وهذا يعني أن لهذا البلد الثاني مستوى معيشة أقل لغالبية الناس، ولكن هذا المقياس المتوسط لا يعكس ذلك.

ومن العيوب الأخرى لمقياس الإنفاق الشخصي على الاستهلاك، أنه لايمكن الاعتماد عليه في المقارنة بين الدول، ويعود ذلك لأسباب عديدة منها سعر الصرف. فقد لايعكس سعر الصرف مع الدولار الأمريكي القوة الشرائية المحلية للعملة. فقد تشتري بمبلغ 10IMG دولار أمريكي كميات مختلفة من البضائع في بلدان مختلفة. ويكمن سبب آخر لعدم الاعتماد على هذه الطريقة في المقارنة الدولية في اختلاف توافر السلع من بلد لآخر. هذا الاختلاف يؤثر بشكل مباشر في تحقيق أفراد المجتمع لرغباتهم بوصفهم مستهلكين. والسبب الثالث اختلاف مفاهيم الاستهلاك بين الشعوب. صحيح أن الغذاء والكساء والمأوى تمثل حاجات أساسية للإنسان، إلا أن هناك حاجات أخرى تُرى ضرورية في مجتمع ما، بينما هي ليست كذلك في مجتمع آخر. هذا إلى جانب اختلاف الأمم في الأذواق والرغبات. إضافة إلى ذلك، فإن هذه الطريقة لاتفسر التكلفة الاجتماعية المتعلقة بالمواطنين في مجتمع صناعي.

وهناك بعض الدول الصناعية كالولايات المتحدة وكندا واليابان، إضافة إلى العديد من الدول الأوروبية، توصف بأنها ذات مستوى معيشة مرتفع، إلا أنها تتصف كذلك بالازدحام والتلوث، مما يجعل الحياة في بعض أنحائها غير مرغوبة.كما يستخدم الاقتصاديون عدة وسائل أخرى لقياس مستوى المعيشة، منها قياس مستوى المعيشة عن طريق قسمة الناتج الوطني الإجمالي على عدد السكان، أو عن طريق حساب متوسط الدخل الفردي (بعد طرح الضرائب) الذي يظهر قيمة ما يجب على الأفراد صرفه أو توفيره. وفي الغالب، يتم تعديل ذلك لمسايرة التغيرات في مستويات الأسعار.

إلا أن هذه المقاييس لمستوى المعيشة ـ التي تم استعراضها ـ لاتخلو من بعض المشكلات ونقاط الضعف.


مجالات الاختلاف. يختلف مستوى المعيشة بشكل كبير من بلد لآخر. يبلغ إجمالي سكان العالم نحو خمسة بلايين نسمة. فعندما نأخذ مستوى الاستهلاك في الولايات المتحدة الأمريكية مقياسًا، نجد أن الإنتاج العالمي من القمح يفي فقط بنصف الاحتياج العالمي. ولكن عندما نستخدم مستوى المعيشة في الصين فإننا نجد الإنتاج العالمي من القمح يفي بحاجة سبعة بلايين نسمة، بينما تأتي دول أوروبا الغربية في الوسط بين الدولتين في استهلاك الفرد من القمح. وفي الحقيقة، فإن استهلاك البشر في الدول النامية من القمح أكثر منه في الدول الغنية، حيث يستخدم القمح في الدول الغنية أيضًا علفًا للحيوانات.

كذلك تختلف كمية الغذاء المتوافرة ـ إلى حدّ كبير ـ من بلد لآخر. وقد قامت منظمة الأغذية والزراعة الدوليةِ (الفاو) ـ وهي إحدى وكالات الأمم المتحدة المتخصصة ـ بدراسة بعض جوانب ذلك الاختلاف. ففي الولايات المتحدة مثلاً، وجدت المنظمة أن الغذاء المتوافر في أمريكا في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين يكفي لإمداد كل مواطن أمريكي بــ 139% من السعرات الحرارية التي يحتاجها يوميًا. وفي الصين وصلت النسبة إلى 117%. وتوفر كندا 114% من الحد الأدنى من حاجتها من الأغذية، بينما توفر الهند 93%، وبنغلادش 89%، وموزمبيق 71%.

وباختصار، فإن الفرد من مواطني الدول الصناعية يستهلك عامة أكثر مما يستهلكه الفرد في الدول الزراعية. كما يتمتع الفرد، وبخاصة في الدول الصناعية، بظروف سكنية وصحية وتعليمية وغذائية أفضل مما يتمتع به الفرد في الدول القائمة أساسًا على الزراعة.