التحذير من الفتن للشيخ : ( عبد العزيز بن باز )

--------------------------------------------------------------------------------

التحذير من الفتن

لقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم عن وقوع الفتن وانتشارها في آخر الزمان، وأن ذلك مؤذن بقيام الساعة واقترابها. وهذه الفتن وانتشارها أسباب، منها: بعد الناس عن دين الله، وانتشار الجهل، والظلم والعدوان والاستعباد للآخرين، والمخرج من الفتن معلوم لمن سأل وبحث عنه، ألا وهو الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

خطورة الفتن والتحذير منها




الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وبعد: فإن الفتن لا شك أنها موضوع خطير، وهي تكون بالقتال، وتكون بالشهوات، وتكون بالشبهات، وتكون بالجميع، نسأل الله العافية. وقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (تكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، من يستشرفها تستشرفه). وقال عليه الصلاة والسلام: (بادروا بالأعمال الصالحة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويُمسي كافراً، ويُمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا؛ وفي لفظ: بعرض من الدنيا قليل). ونحن في هذا الوقت، وكذلك مضت أوقات أيضاً وقع شيء منها كثير فيما مضى، ولكن في هذا الوقت أكثر، فتن الشبهات، وفتن الشهوات، وفتن القتال، كلها واقعة.......


فتنة الشهوات




فالشهوات المغرية بالمعاصي والمحارم كثيرة.. شهوة المال.. شهوة الفاحشة.. شهوة المسكرات.. شهوة الملاهي.. شهوة سفك الدماء.. إلى غير ذلك، شهوات متنوعة، وشهوة المال والمآكل والمشارب تفضي إلى الترف والكسل والضعف، وعدم المقاومة لما يعرض للناس مما يضرهم في دينهم ودنياهم، وتفضي إلى الميل إلى السعي للمحرمات. فإذا رزق الناس المال وقدروا على مطالبهم من هذه الشهوات المحرمة، فالعصمة قليلة، فمن ابتُلي بالمال الكثير، ولا سيما مع قلة العلم، وقلة البصيرة، وقلة العقل الراجح، وقلة الأخيار وصحبة الذين يوجهون إلى الخير، وكثرة المنحرفين، والذين يقودون الناس إلى أسباب الهلاك.. من هذه الأسباب يعظم الخطر، وتكثر المصائب في الدين، قال جلَّ وعَلا: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116]. فالترف له عواقب وخيمة، في الملبس، والمأكل، والمشرب، والمركب، والمسكن.. وغير ذلك، وهو يفضي إلى غايات خطيرة بانتهاك محارم الله، والضعف عن أداء ما أوجب الله، واقتحام الحدود، وعدم المبالاة بخطر العقوبات، وبغضب الله عزَّ وجلَّ، قال سبحانه في كتابه الكريم: كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] . وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم الدنيا، أن تُبسط عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فَتَنافَسُوها كما تَنافَسُوها، فتهلككم كما أهلكتهم). فالواجب على كل مؤمن أن يحذر الفتن من الشهوات والشبهات، قال عليه الصلاة والسلام: (يتقارب الزمان، ويفشو الزنا، ويُشرب الخمر، ويقل العلم، ويظهر الجهل، ويكثر الهرج، قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: القتل القتل) في آخر الزمان تكثر أسباب القتال والفتن، والقتل بغير حق، باب العدوان والظلم، وهذا واقع في نواحي كثيرة من هذه الدنيا. ومن أسبابه: الظلم والعدوان، وحب المال والجشع في تحصيله وجمعه من الدول والأفراد: - من الدول: الجشع على المال من أنواع المعادن؛ كالبترول وغيره. - ومن الأفراد: كذلك يُفضي بهم إلى السرقات، والخيانات، والغش في المعاملات، وغير هذا من أنواع الضرر والظلم، الذي من أسبابه الجشع على المال والحرص عليه.......


فتنة الشبهات



وأما فتن الشبهات، فأشد وأخطر.. فإن الإنسان بسبب الشبهة كثيراً ما يخرج عن دينه بين وقتٍ وآخر، يصبح مؤمناً، ثم تعرض له شبهة في جريدة أو في كتاب أو من طريق مجادل ومناظر ومخاصم فيضل ويخرج عن دينه بسبب ذلك. - والشُّبَه أنواع متنوعة: بعضها يتعلق بالله سبحانه. وبعضها يتعلق بالرسل عليهم الصلاة والسلام. وبعضها يتعلق بالقرآن. وبعضها يتعلق ببعض الواجبات. وبعضها يتعلق ببعض المحرمات.. إلى غير ذلك. فلا يزال به أعداء الإسلام يجادلونه، ويبذرون في قلبه بذور الشر، ويشككونه في دينه، ويقولون: لِمَ كذا؟! ولِمَ كذا؟! ولِمَ شُرِع كذا؟! ولِمَ صار كذا؟! وأين كذا؟! وأين الدليل على كذا؟! حتى يضل عن دينه، وحتى يهلك بجهله بالله، وجهله بدينه، ولاستيلاء هذه الشبه على قلبه، حتى لا يجد لها دافعاً من قلبه، ولا يجد لها حالاًّ ومنقذاً من مجالسيه، ومن أصحابه الذين يسمع لهم ويثق بقولهم؛ لأن الأصحاب والجلساء يغلب عليهم في هذه الأوقات الأخيرة الجهل وقلة العلم، ويغلب عليهم أيضاً إيثار الشهوات، وحب العاجلة، والإعراض عن الدين، واستثقاله؛ لأن دين الله يقيدهم عما حرم الله، وهم يجدون في الدين ما يقيدهم عن الزنا، وما يمنعهم من شرب المسكرات، وما يمنعهم من أخذ المال بغير حق بالرشوة، والخيانة، والغش في المعاملة؛ فلهذا يستثقلون الدين، ويودون التملص والتخلص منه، حتى يشبعوا رغباتهم من هذه الشهوات المحرمة. فهذه كلها فتن، حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام.. فتن الشبهات، وفتن الشهوات، وفتن القتال، وأسباب القتال، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (بادروا بالأعمال الصالحة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويُمسي كافراً، ويُمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) والعياذ بالله!......


الاعتصام بالكتاب والسنة نجاة من الفتن




ومن أعظم الأسباب التي تقي العبد شر هذه الفتن، وتسبب نجاته وسلامته: إقباله على كتاب الله تلاوة وتعقلاً وتدبراً؛ فإنه يجد في كتاب الله الدعوة إلى أسباب النجاة، والتحذير من أسباب الهلاك. يجد في كتاب الله الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. يجد في كتاب الله الأدلة القاطعة على وجود ربه، وعلى أسمائه الحسنى، وعلى صفاته العلى، وعلى استحقاقه للعبادة والطاعة. ويجد في كتاب الله الأدلة القاطعة على صحة ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم حق من عند الله عزَّ وجلَّ. يجد في كتاب الله الدلالة القاطعة والبراهين الساطعة على إثبات الآخرة، والجنة والنار، والبعث والنشور، وأن ذلك حق. فإذا تدبر مع ذلك أحوال العالم، وأن هذا العالم فيه الضال، وفيه المهتدي، وفيه الظالم، وفيه الجاهل، وفيه العالم، وفيه أنواع الفساد؛ عرف أن هذا العالم لا بد له من منتهى، ولا بد له من غاية، ولا بد له من لقاء مع ربه، يجازي فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. كثير من هؤلاء الذين ظلموا الناس، وأكلوا أموالهم بغير حق، واعتدوا على حقوقهم.. كثير منهم يموتون ولم يؤخذ منهم الحق، فلا بد لهم من يوم ومكان تؤخذ منهم الحقوق فيه، ويُنصف المظلومون منهم، ويُلزمون بأداء الحقوق، وذلك اليوم هو يوم القيامة، هو يوم الحشر والجمع، هو يوم التغابن، كما قال جلَّ وعَلا: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42]. وقال جلَّ وعَلا: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8]، وقبلها قوله جلَّ وعَلا: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ [الزلزلة:6]، فلا بد من عرض أعمالهم، ولا بد من جزائهم عليها. وقوله جلَّ وعَلا: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]. ويقول جلَّ وعَلا: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [الإسراء:7]. فالمقصود أن هناك موعداً مع الله عزَّ وجلَّ يجازي فيه سبحانه المحسن لإحسانه، والمسيء لإساءته. فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاستعداد، والحذر من الفتن، والإقبال على كتاب الله عزَّ وجلَّ، والعناية بذلك. ومن أسباب النجاة: العناية بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم والإقبال عليها، والنظر في سيرته عليه الصلاة والسلام، وسيرة أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وسيرة سلفنا الصالح، الذين درسوا كتاب الله، وتعقلوه، وتدبروه، وعملوا به، ودرسوا السنة وعظموها، وانقادوا لها، وساروا على ضوئها في حياتهم؛ فإن في دراسة ذلك ما يعين على الأخذ بها، والتمسك بها مع كتاب الله عزَّ وجلَّ، وفي الإعراض والغفلة عن ذلك ما يسبب الهلاك والوقوع في حبائل ومكائد الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ......

حفظنا الله واياكم من الفتن