بيت الحكمة في بغداد. بالنظر إلى بيت الحكمة من خلال أنشطته اللغوية ومجالاته العلمية المختلفة يتبيَّن لنا أن هذه المؤسسة تمثل بحقّ أول مجمع للغة العربية، وفق المفهوم المعاصر للمجامع اللغوية، مع مراعاة الاختلاف في الظروف والأحوال. فقد كان بيت الحكمة يضم علماء من تخصصات مختلفة، منهم الطبيب والمهندس، ومنهم الفلكيّ واللغوي. وكانت اللغة العربية آنذاك تتعامل مع حصيلة ما وصل إليه الفكر الإنساني في جميع مجالات المعرفة، عن طريق اللغات اليونانية والفارسية والسريانية والهندية القديمة، وكذلك اللاتينية، ولا سيما في بلاد الأندلس.

ولعلّ تأسيس المجامع اللغوية في أوروبا ابتداء من عصر النهضة هناك، قد تأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتلك المؤسسات العلمية واللغوية التي ازدهرت في بلاد الأندلس وإفريقية (تونس) وصقليّة.

صاحب بداية عصر النهضة في أوروبا تراجع وتشتّتّ للحضارة العربية الإسلامية دام قرونًا من الزمن، أعقبتها نهضة مجدَّدة ظهرت إشعاعاتها الأولى في مصر وبلاد الشام والعراق، وعادت اللغة العربية إلى الاتصال بلغات حضارات العالم الحديث، وخاصة الفرنسية والإنجليزية والألمانية منها. وبدأت تظهر من جديد مؤسسات مجمَعية تأخذ على عاتقها مهمّات صعبة في نشر العلوم والمعارف من خلال اللغة العربية، وتسعى إلى إحياء هذه اللغة وتنميتها لتستوعب حصيلة الفكر الإنساني المعاصر. وكان للمجامع الأوروبية، ولا سيما الأكاديمية الفرنسية، آثار واضحة في نشوء تلك المؤسسات المجمعية العربية، وفي رسم أنظمتها وقوانينها.