تاريخ لبنان. يحتل لبنان موقعا استراتيجيا وتجاريا مهما. وقد مارس أهله، وبخاصة في المدن الساحلية منذ وقت مبكر حرفة التجارة. ويعود معظم سكان لبنان في أجناسهم إلى الأصل السامي؛ حيث قدموا إلى بلاد الشام من الجزيرة العربيّة منذ حوالي سنة 3000 ق.م. مثل: الكنعانيين والعموريين والفينيقيين وغيرهم.


التاريخ القديم

الفينيقيون. سكن الفينيقيون بعد هجرتهم من جزيرة العرب الساحل السوريّ، وانتشروا على طوله، وأسسوا ممالك فينيقيّة صغيرة كانت في غالب الأحيان متنافرة ومتحاربة ومتنافسة في مجال التجارة التي هي أهم مورد اقتصاديّ لها وقتذاك. وامتدت الممالك الفينيقية من الشمال إلى الجنوب على طول الساحل السوري، من أهمها: أوغريت، وإرواد، وطرابلس، وبيروت، وجبيل، وصيدا، وصور. ويغلب على تاريخ تلك الممالك أنها لم تكن مستقلة إنما ظلت تتبع لدول كبرى احتلت المنطقة أو إمبراطوريات واسعة ضمت في بوتقتها السياسيّة بلاد الشام أو أجزاء منها. ومعروف أن الفينيقيين كانوا قد اشتهروا بالتجارة، ووصلت رحلاتهم التجاريّة إلى مناطق بعيدة عن بلادهم مثل مناطق البحر الأبيض المتوسط، فتاجروا مع سكان فلسطين، وسوريا، وتونس، ومع اليونان، وإيطاليا، وفرنسا وشبه جزيرة الأناضول، كما تاجروا مع مناطق الخليج على طول ساحله، وأصبحت لهم خبرة كبيرة في ركوب البحار والتعرف على الطرق التجاريّة فيها، وعملوا على صنع سفنهم التي يتاجرون بوساطتها ويتنقلون بها من بلد لآخر. وبناءً عليه فقد طبع الفينيقيون المناطق التي سكنوها والمناطق التي ارتادوها طلبًا للتجارة، بطابعهم الحضاريّ المنفتح والمتفوق على غيره.

خضع لبنان لحكم الآشوريين والبابليين، والكلدانيين، والفرس، واليونان في ظل حكم الإسكندر وخلفائه، خاصة الإمبراطوريّة السلوقيّة. ثم خضع إلى الحكم الرومانيّ، وعندما انقسمت الإمبراطوريّة الرومانيَّة إلى إمبراطوريتين غربيّة وشرقيّة أصبح لبنان تابعًا للدولة الرومانية الشرقيّة (بيزنطة). ولما جاء الفتح الإسلاميّ إلى المنطقة أصبح لبنان يشكل جزءًا من أرض المسلمين بعد ما فُتح من قبل الجيوش الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وكان لسكان لبنان علاقة بدولتي تدمر والغساسنة، ودولة الأنباط وغيرهم قبل مجيء الفتح الإسلاميّ لتلك المنطقة. وعليه فإن لبنان بلد عربي سامي في حضارته وثقافته وتاريخه.


العثمانيون. حكم العثمانيون بلاد الشام، ومنها لبنان في عهد السلطان العثمانيّ سليم الأول، عام 1516م على إثر واقعة مرج دابق الحاسمة، التي تغلب فيها الجيش العثمانيّ على جيش المماليك، وبذلك أنهى العثمانيون الوجود المملوكيّ في جبل بلاد الشام جميعها.

أيّد معظم أمراء لبنان الحكم العثماني لبلاد الشام، وكان على رأس المؤيدين للسلطان سليم الأول الأمير المعني فخر الدين أمير المعنيين في جبل لبنان وغيره من أمراء الطوائف اللبنانيّة الأخرى. وقد أمَّر السلطان العثماني الأمير فخر الدين المعني على إقطاعياته وكذلك فعل بالنسبة لباقي أمراء جبل لبنان.

التنظيم العثمانيّ الأول لبلاد الشام. نظم العثمانيون بلاد الشام كلها تنظيمًا إداريًا متوخين بذلك فرض سيادتهم على الجميع. وجدير بالذكر أن التقسيمات الإداريّة العثمانيّة في بلاد الشام كانت دائما في حالة من التغير والتبدل تبعًا لتغير الظروف العامة والأوضاع المحليّة والسياسية. وجاءت التنظيمات العثمانيّة الإداريّة في بلاد الشام على النمط الآتي: 1- ولاية دمشق وقد تبعها كل من السناجق (الأقضية): بيروت، صيدا، تدمر، القدس، نابلس، غزة. 2- ولاية حلب وقد ضم إليها جميع الأجزاء الشماليّة من البلاد السوريّة. 3- ولاية طرابلس، وضمت حماة وحمص. 4- ولاية صيدا وقد سلخها العثمانيون عن ولاية دمشق.

القوى المحليّة. يتمتع لبنان بموقع استراتيجيّ مهم من حيث الساحل، والجبل، وله تكوينات اجتماعيّة متميزة، ففيه تركيبة مذهبيّة وطائفيّة معقدة لابد أن يحسب حسابها في كل المسائل التي تواجهها البلاد. ولسكان لبنان بسبب هذه التركيبة احتكاكات وصلات بالدول الأوروبيّة مثل فرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا، وروسيا وغيرها.

أخذ لبنان طابعا إداريا خاصا. ففي الجبال عاش النصارى، بحرية وأمن واستقرار. وانتشر المذهب الدرزيّ في منطقة الجبل اللبنانيّ، تعاقب على حكم لبنان الأسرة المعنية التي برز من بينها فخر الدين المعني، وقد قوي أمر الدروز في ظل حكمه. وقد أعقبت هذه الأسرة في الحكم الأسرة الشهابية من الطائفة الدرزية التي برز منها الأمير بشير الدين الشهابي. وأصبحت لها علاقة بدولة بريطانيا التي أخذت تدعم وتؤازر الدروز ضد الطائفة المارونيّة كحلقة من حلقات التنافس الاستعماري في الشرق بين بريطانيا وفرنسا التي تدعم الموارنة في لبنان.