كُوش مملكة قديمة قامت على نهر النيل، في المنطقة التي تعرف الآن بشمال السودان. ورد أول ذكر معروف في التاريخ لدولة كوش في الوثائق المصرية القديمة الراجعة للمملكة الوسطى المصرية. لكن بداية الذكر لا تعني بداية كوش كدولة، فقد أثبتت آثارها المعثور عليها أنها عاصرت الأسرة الخامسة من المملكة القديمة المصرية، إلى نحو 250IMG ق.م. وجاء حين من الزمان في الفترة المروية لكوش، اتسعت فيه رقعتها السياسية فبلغت جنوب أسوان شمالاً، وكوستي وسنار جنوبًا. ولهذا الاتساع فإن البيئات الجغرافية وأنماط الحياة فيها اختلفت من منطقة لأخرى، ومن زمان لآخر.

قدّم الكوشيون مساهمة مهمة في الحضارة الإنسانية في ميادين العمارة، والفن، والكتابة من ناحية، وفي قيامهم بدور الوسيط بين مصر، كموطن لحضارتها نفسها ومعقل مهم للحضارتين الهيلينستية والرومانية، وبين وسط إفريقيا. وساعد في هذه الوساطة الموقع الجغرافي لكوش، لكونها جنوب مصر مباشرة وعلى صلة مستمرة بها، وبقلب إفريقيا بالبر والأنهار. وقد أثمرت صلة كوش بمصر مباشرة، وبالعالم الكلاسيكي غير مباشرة، عن تأثيرات مصرية قديمة وهيلينستية ورومانية امتزجت بالعناصر المحلية في حضارة كوش. لكن التأثير المصري أوضح هذه التأثيرات جميعًا وبخاصة في الديانة والعمارة الدينية والخط.


السَّطح
تختلف البيئات الجغرافية في كوش من مكان لآخر لاتساع رقعتها الجغرافية. فبينما تضيق أرض كوش لتنحصر في الشريط المحاذي لوادي النيل شمالي عطبرة (أتبرة قديمًا)، فإنها تتسع اتساعًا كبيرًا جنوبي عطبرة لتشمل أرض البطانة الواقعة بين نهر عطبرة ونهر النيل والنيل الأزرق، فأرض الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض، وغرب نهر النيل والنيل الأبيض. وتعد أرض البطانة مركز الثقل لكوش، اشتهرت في كتب اليونان والرومان المعاصرة للفترة المروية لكوش باسم جزيرة مروي ذلك لأن إحاطتها بالأنهار المذكورة من ثلاث جهات جعلت منها شبه جزيرة، وقرنت بمروي لوقوع هذه المدينة التي كانت عاصمة كوش آنذاك على الضفة الشرقية لنهر النيل، في الطرف الغربي من شبه جزيرة مروي، نحو 140كم شمال الخرطوم.

وللتباين البيئي اختلفت أنماط الحياة من منطقة لأخرى في كوش. فهناك حياة مستقرة زراعية، ورعوية في الشمال في وادي النيل، ومستقرة زراعية في بعض المناطق ورعوية في غيرها، في الجنوب في أودية الأنهار والبطانة وأرض الجزيرة.

ساعد غنى البيئة الجغرافية في قيام مراكز استيطانية (مدن وقرى) مهمة في كوش في مختلف عصورها، ما زال بعضها معروفًا بأسمائها القديمة وبعضها الآخر بأسماء الأماكن الحديثة التي تجاورها الآن. ومن أشهرها: كرمة، ونبتة، ومروي (مروة/مديوي)، وفرص (بخرس/ باخوراس)، وصاي (شيي)، وسادنقا (أداي)، وقصر إبريم (بديم/ بريميس)، والنقعة (تولكت)، والمصورات (بريب)، وسنار وسوبا وغيرها.



حياة الناس


المجتمع. كان بالمجتمع الكوشي أربع طبقات؛ هي الطبقة السامية، المتمثلة في البيت المالك، المكون من الملك وزوجاته الملكات ونسله منهن. وتعتبر هذه الطبقة متميزة عن سائر المجتمع، بما فيه أقارب الأسرة المالكة الذين لا يحسبون فيها، ذلك لأن الملك في نظر الكوشيين في مقام المعبود من الناحية النظرية، لذا فإن طبقته، بما فيها زوجاته ونسله منهن، لا تصنّف من بين طبقات المجتمع، بمعناه المفهوم. أما سائر المجتمع، عدا هذه الطبقة، فإن فيه طبقات ثلاثًا أرقاها الطبقة العليا، وتشمل بقية العائلة المالكة من أقرباء الملك وأقرباء أزواجه وأصهاره، وكبار رجال الدولة المدنيين والعسكريين والدينيين والموسرين، فالطبقة الوسطى التي تمثل الموظفين المتميزين وميسوري الحال نسبيًا ممن لا يدخلون في الطبقة العليا، ثم الطبقة الدنيا، التي تشمل عامة الناس من فقراء الموظفين، والعمال والفلاحين والرعاة والجنود والفقراء.



الحياة الأسرية. الأب هو رأس الأسرة في المجتمع الكوشي؛ لكن للأم مكانة خاصة في المجتمع الكوشي أكثر مما لنظيرتها في المجتمع المصري القديم بصفة خاصة، والمجتمع الشرقي القديم بصفة عامة. وقد اتضحت هذه السمة منذ الفترة النبتية الأولى لكوش، وازدادت وضوحًا في الفترة المروية لكوش. وهي سمة معروفة في المجتمعات الإفريقية، لا تزال غالبة في كثير منها في العصر الحديث. وعرف المجتمع الكوشي تعدد الزوجات للملوك وعامة الناس، كما عرف تزوج المرأة أكثر من مرة لظروف لا تعرف تفاصيلها، لكنها قد تكون هي الظروف المألوفة كموت الزوج أو طلاقه، كما عُرِفَ تزوج الملوك من أخواتهم كما كان الحال في مصر القديمة.



التعليم. كان التعليم محدودًا مقصورًا على الصفوة حين كانت كوش تستخدم اللغة المصرية القديمة، بخطها المعقد، في أمورها السياسية والدينية والحياة اليومية. من المعتقد أيضًا أن تعلم القراءة والكتابة انتشر بصورة أوسع عما قبل، عندما بدأ الكوشيون يكتبون لغتهم كتابة أبجدية أيسر من كتابة اللغة المصرية القديمة ابتداءً من مطلع القرن الثاني قبل الميلاد.



الغذاء والملبس والمأوى. اختلف الغذاء الرئيسي في كوش نوعًا ما بين الشمال والجنوب، إذ هو خبز القمح والشعير والتمور، وحليب الأغنام والماعز في الشمال، وخبز الذرة في الغالب وخبز القمح والشعير في حالات أقل، وحليب الأغنام والماعز والأبقار في الجنوب. ذلك إلى جانب لحوم هذه الأنعام والظباء والطيور والأسماك في الشمال والجنوب معًا. ويبدو أن مشروبًا من الذرة يعرف بالمريسة اليوم، كان مألوفًَا لدى العامة. أما الصفوة فقد شربت النبيذ من العنب المزروع والمعصور في كوش، أو النبيذ المستورد من مصر أو عن طريقها من بلاد الشام وجنوب فلسطين وغيرهما.

أما الملبس، فقد كان من أصواف الأغنام والقطن الذي كان يزرع في أرض البطانة بصفة خاصة، ويغزل وينسج في البيوت. وبينما كان الرجال يأتزرون بأُزُر تبلغ الركبتين وتكشف الصدور، كانت النساء يلبسن أثوابًا طويلة تبلغ الكعبين عادة، وكانت الأمهات كاشفات الصدور عنوانًا للأمومة. أما الأطفال فقد كانوا عرايا عادة. وتظهر الرسومات ملوك الكوشيين في أزياء مصرية أحيانًا، وفي أزياء مزركشة في ذوق إفريقي واضح، مباين للمصري، مع ولع واضح بالعقود والقلائد والأقراط في حالات كثيرة، وذلك في الفترة المروية بخاصة. سكن الكوشيون في مساكن مختلفة تتفاوت بين القصور والمساكن الكبيرة متعددة الحجرات والطوابق، وبين المساكن المتوسطة والفقيرة والأكواخ المبنية من العيدان والقش والخيام. والمعتقد أن كثيرًا من المدن والقرى المروية في البطانة والجزيرة وغرب النيل غلبت فيها البيوت، مختلفة الأحجام والمستويات، المبنية من العيدان والقش، على غرار ما كان معروفًا إلى وقت قريب في بعض مدن السودان في شرق البطانة والجزيرة. أما البيوت المبنية فقد غلب فيها الطوب غير المحروق عادة، مع قلة من الطوب المحروق، ولم تستخدم الحجارة إلا للأساسات، وكان لابد لأي دار، مهما كانت مواد بنائها وحجمها، من فناء واحد على الأقل.



الترويح. كشفت الآثار عن وسائل متعددة للترويح لدى الكوشيين، كمجالس الأكل والشراب بما يصاحبها من غناء ورقص، كما كانت لهم وسائل للتسلية ويؤيد ذلك العثور على زهر للنرد وعلى لوحة كلوحة الشطرنج وبعض توابعها، وغير ذلك.



العمل. عرف الكوشيون مختلف أنواع العمل لكسب العيش، فكان هناك الموظفون المدنيون والدينيون والعسكريون من أعلى الرتب وأدناها، كما كان هناك الزراع والعمال والرعاة. ومن أهم المرافق التي عمل فيها العمال كانت مناجم الذهب ومصاهر الحديد والمنشآت العمرانية الحكومية كبناء القصور الملكية والمعابد والمقابر الهرمية، والخاصة.



الاقتصاد. من المتفق عليه أن اقتصاد البلاد كان بيد الدولة، التي كانت تهيمن على أكبر مصادره، كما يرى البعض أن التجارة العالمية لكوش كانت بيدها أيضًا، وذلك لما تحتاج إليه التجارة العالمية من تنظيم وحماية أمنية. وكانت كوش غنية الموارد الطبيعية، وأشهرها الذهب، فقد كانت هي أكبر مصدر للذهب الوارد إلى مصر، واشتهرت به إلى القدر الذي جعل وصفه بذهب كوش ورسومات جلبه إلى مصر شيئًا مألوفًا في الوثائق المصرية القديمة. إلى جانب الذهب عرفت كوش الحديد وصهره في مصاهر توقد بالأخشاب، وجد عدد كبير منها في مدينة مروي نفسها، كما وجد غيرها في غير مروي. وكانت أهم تجارة خارجية لكوش مع مصر شمالاً، ومملكة أكسوم شرقًا إلى جانب أواسط إفريقيا، ولذلك كانت كوش حية بتجارتها ووسيطًا تجاريًا مهمًا بين مصر وشرق إفريقيا من ناحية، وبين هذين وما كان وراء كوش من وسط إفريقيا من ناحية أخرى. لذلك تخللت كوش طرق تجارية عدة، أهمها طريق النيل شمالاً إلى مصر، ودرب الأربعين من غرب كوش ليلتقي بالنيل في منطقة دنقلا في الشمال، وثلاثة طرق أخرى شرقية أحدها للبحر الأحمر وآخر إلى أكسوم وثالث إلى الجنوب يمضي إلى أكسوم وربما القرن الإفريقي كله وذلك عدا شبكات التجارة الداخلية البرية والنهرية.



الديانة. كانت للكوشيين ديانتهم التعبدية والجنائزية. فمن حيث الديانة التعبدية كانت لهم معبودات بعضها مصري الأصل، مثل: رع وآمون رع وأوزير وإيزيس وحور وغيرها، بكل صفاتها وأدوارها كما في الديانة المصرية، وبعضها الآخر كوشي مثل: دِدْوَنْ وأبديماك وسبويمكر وغيرها. وبينما أظهرت الرسومات والنصوص الدينية آمون رع ودِدْوَن على أنهما أهم معبوداتهم وأقدمها فيما قبل الفترة المروية لكوش، أظهرت رسومات الفترة المروية ونصوصها أبديماك بأنه أعظم معبوداتهم بما في ذلك آمون رع، وأنه إله حرب خالق عندهم.

أما في الجانب الجنائزي، فإنهم آمنوا بحياة آخرة. وبضرورة التزود لها بالعمل الصالح والوسائل المادية أيضًا، وهي ما تعرف بالأثاث الجنائزي اصطلاحًا، الذي يودع مع الميت في قبره، ويشمل أدوات الحياة الدنيا، المنزلية والمهنية والتَّرويحية التي ألفها الميت في حياته الدنيا ويعتقد بأنه سيحتاج إليها في حياته الآخرة. وتميزت فترة كرمة بدفن الملوك وأرباب الأسر الكبيرة مصحوبين ببعض ذويهم وخدمهم ليرافقوهم ويخدموهم في الحياة الآخرة حسب اعتقادهم. وثبت أن هؤلاء كانوا يقتلون ليدفنوا مع سادتهم في آن واحد، وذلك إلى جانب بعض حيواناتهم التي كانت تدفن إما مع أصحابها أو في مدافن خاصة مجاورة لهم. وكان الميت الرئيسي يوضع على سرير، هو العنقريب السوداني، يحيط به مرافقوه الذين دفنوا معه في الوقت نفسه. واستمر الدفن على سرير إلى ما بعد فترة كرمة.

أما القبور فقد تفاوتت في أحجامها، فهي حفر عميقة واسعة، للحكام وأرباب الأسر. وابتداءً من فترة كرمة، صارت غرفًا لا تتجاوز ثلاثًا للملوك والملكات ابتداءً من الفترة النبتية الأولى وانتهاءً بالفترة المروية لكوش. وشيدت للملوك والملكات ونسلهم أهرامات تعلو قبورهم، أصغر حجمًا من الأهرامات المصرية. انظر : العمارة .

وقد أظهرت النقوش الدينية التعبدية والجنائزية التأثير المصري والطابع المحلي في آن واحد في الأفكار الدينية والاعتقادات.



العلوم والفنون


العمارة. أظهرت العمارة الكوشية، الدينية والمدنية، مهارة أصحابها في التخطيط والتنفيذ والزخرفة. وإن الأهرامات الكوشية، من الفترة المروية تستحق ذكرًا خاصًا لا لضخامتها وإنما لأسلوب بنائها. فهي أصغر حجمًا من الأهرامات المصرية.لكونها أصغر قاعدة وارتفاعًا، مبنية من الحجر الرملي النوبي، محشوة بالتراب وكسر الحجارة. وقد ثبت أن الهرم كان يبنى برفع الحجارة لبنائه والتراب، والحجارة المكسرة لحشوه، برافعة كالشادوف القديم والمعاصر أيضًا، أو كالرافعة الآلية الآن. تتكون هذه الرافعة من عمود متين من خشب الأرز يغرز كالسارية في وسط قاعدة الهرم، ويعلو السارية عمود آخر أفقي يتعامد معها، يكون بأحد طرفيه ثقل ترفع به ومن الطرف الآخر الحجارة وغيرها بحبل تعلق به بأسلوب كأسلوب الشادوف أو الرافعة الآلية. وكلما زاد الهرم مرحلة في ارتفاعه، خارجيًا وداخليًا، رفعت السارية مرحلة أيضًا، وهكذا. وقد أوحى بكل ذلك وجود سارية مكسورة داخل أحد الأهرامات.



النحت والتصوير التشكيلي. برع الكوشيون في فني النحت والتلوين، فصنعوا التماثيل للملوك والأمراء والمعبودات ورموزها الحيوانية، وزينوا مقابرهم ولوحاتهم التذكارية والجنائزية بالرسومات المنحوتة أو الملونة، وأبدعوا جدًا في زخرفة الخزف. ويعد الخزف الكوشي من أروع ما انتجته الحضارة الإنسانية في العصور القديمة. ويعد بعض الباحثين الأسلوب الفني التجريدي في زخرفة الخزف المروي من أقدم إرهاصات الفن التجريدي الانطباعي والتعبيري.



اللغة والكتابة. منذ بداية القرن الثاني قبل الميلاد بدأ الكوشيون يكتبون لغتهم برموز تصويرية هيروغليفية وغير تصويرية، مأخوذة في هيئتها من رموز الكتابة المصرية القديمة المقابلة لها. لكنهم لم يأخذوا كل النظام المعقد للكتابة المصرية القديمة وإنما اكتفوا بالجانب الأبجدي فيه، فاختاروا اثنين وعشرين رمزًا لتكون حروفًا أبجدية وكتبوا بها لغتهم. ولأن رموز الكتابة من أصل مصري معروف فقد أمكن قراءة النقوش الكوشية، كما أمكن فهم معاني نسبة طيبة من مفردات اللغة الكوشية وقواعدها النحوية. ولأن أول ما درس من هذه النقوش يرجع للفترة المروية، فقد أطلق الدارسون الأوائل على لغتها اسم اللغة المروية. والأصوب تسميتها باللغة الكوشية، لما ثبت من أن هذه اللغة نفسها هي لغة الكوشيين منذ الفترة النبتية الأولى، أي منذ القرن الثامن قبل الميلاد. وهي لغة إفريقية ليست سامية أو حامية.



الحكم. وضح أن الحكم في كوش كان حكمًا ملكيًا منذ فترة مبكرة من تاريخها، وأنه كان وراثيًا، بين الإخوة في الفترة النبتية الأولى، ثم انتقل إلى وراثة الابن لأبيه، أو البنت لأبيها أو زوجها بعد ذلك. ولم يكن الملك قاصرًا على الرجال فقط، وإنما كان يؤول للنساء أحيانًا. ولما عرفه حكم كوش من ملكات قويات مشهورات، اشتهرت كوش في كتب الكتاب اليونان والرومان بأنها بلاد تحكمها النساء. وكان يعاون الملك حكام للأقاليم التي قسمت إليها المملكة، يعاون كل حاكم منهم موظفون مدنيون وعسكريون. وإلى جانب ذلك كان هناك جهاز ديني على النمط المصري، مكون من رئيس كهنة عام، ورؤساء كهنة إقليميِّين للمعابد الإقليمية، يتبع كل رئيس للكهنة كهنة محليون وموظفون دينيون بمختلف المراتب.