كَليلَة ودِمْـنة أثر أدبي خالد أسهم في الأدب العالمي عمومًا. وهو كتاب اختُلف في أصله كما اختُلف في ترجماته: أيها كانت عن الأصل وأيها كانت عما نقل عن الأصل.

وقد كانت النسخة العربية التي ترجمها ابن المُقَفَّع (ت 142هـ، 759م)، مثار درس وجدل كبيرين، أثارته واستقصته الدراسات الكثيرة التي كُتبت عن كتاب كليلة ودمنة، وعن الكاتب ابن المقفع.
وأما الترجمات التي نُقلت عن النص العربي مباشرة أو عن نصوص مترجمة عن النص العربي فهي: السريانية الحديثة، والإنجليزية، والفارسية الأولى ثم الثانية، والفارسية الهندية، والتركية واليونانية، والإيطالية، والعبرية، واللاتينية الوسطى، ثم اللاتينية القديمة، والأسبانية القديمة. أما الترجمات الأوروبية الأخرى، فأكثرها تُرْجم عن لغات وسيطة أخذت عن النص العربي مباشرة.



أصل الكتاب. كان العالِم الفارسي بَرْزَويْه مولعًا بالحكمة والعلم، وكان مقربًا من كسرى أنوشروان، فقرأ في كتاب الهنود زعمًا يقول إن لديهم نباتًا يُنثر على الميت فيتكلم في الحال. فارتحل برزويه إلى الهند بتشجيع من كسرى أنوشروان وواجهته مصاعب كثيرة حتى عرف أن النبات المقصود هو رمز لكتاب كليلة ودمنة الموجود لدى الراجا حاكم الهند. وقيل: إن هذا الكتاب كان متوارَثًا عند الحاكم لا يُسمح لأحد باستنساخه، إلا أن بَرْزَويْه بعلمه وحكمته وحسن خلقه استطاع الاطلاع على النسخة الهندية، وكان يرسل إلى كسرى أنوشروان ما يحفظه منها تباعًا. وتولى بُزُرْجُمُهْر كتابة ما يصل من بَرْزَويْه وصدر الكتاب بنبذة عن العالم بَرْزَويْه.

والكتاب كله حول قصص يرويها الفيلسوف بَيْدبا للملك دَبْشَليم. واطلع ابن المقفع على النسخة الفارسية لكليلة ودمنة، وكان لها أثر بالغ في نفسه وتفكيره وثقافته. وكان الظرف الاجتماعي والسياسي للفيلسوف الهندي بيْدبا مع الملك دَبْشَليم يشابه ما كان فيه ابن المقفع مع الخليفة المنصور، الذي كان بحاجة إلى النصح غير المباشر لما عُرف عنه من قوة البأس والبطش بكل من يمالئه أو يخرج عن طاعته. لذا اتسمت ترجمة ابن المقفع للكتاب بخصوصية ظرفها الزماني والمكاني، فأضاف ابن المقفع بعض القصص من نسج تأليفه، وعدَّل في بعضها، وأكسب المترجم منها روحًا جديدة أضافها أسلوبه المشوق وعرضه الرائع.