رديارد كبلنج (1865-1936م). روائي وشاعر وكاتب قصة قصيرة بريطاني بارز. نال جائزة نوبل للأدب عام 1907م، وأصبح بذلك أول كاتب بريطاني يحصل على الجائزة.

ونال كبلنج شهرة كبيرة لقصصه وقصائده عن الهند خلال أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما كانت تلك البلاد مستعمرة بريطانية. وأصبح المتحدث والمؤرخ غير الرسمي للإمبراطورية البريطانية. وكان كبلنج يؤمن أن بريطانيا تحمل رسالة نبيلة هي نشر الحضارة والثقافة البريطانية في كل أنحاء العالم. وهو الذي استحدث عبارة عبء الرجل الأبيض، التي استخدمها ليبرر توسع بريطانيا الاقتصادي والعسكري في مناطق غير البيض.




حياته. ولد جوزيف رديارد كبلنج في بومباي، بالهند. وكان والده فنانًا وعالمًا إنجليزيًا. وتعهد الخدمُ الهنود كبلنج بالرعاية. ودرس اللغة الهندستانية على أيديهم قبل أن يدرس الإنجليزية. وعندما بلغ الخامسة أرسله أبواه إلى المدرسة في ساوثسي في هامبشاير بإنجلترا. وعاش مع وصيٍّ عامله بقسوة. وقد عبر كبلنج عن تجارب طفولته المبكرة غير السعيدة في بعض قصصه.

وفي سن الثانية عشرة التحق كبلنج بكلية الخدمات المتحدة في ديفون بإنجلترا. وكانت هذه المدرسة قد أنشئت بصفة خاصة لتعليم أبناء الضباط العسكريين، الذين لم يكونوا قادرين على الالتحاق بالمؤسسات التعليمية المرتفعة التكاليف. وكتب كبلنج عن هذه المدرسة في مجموعة قصصية بعنوان ستولكي وشركاه (1899م) وقد تحمَّل التخويف والنظام الصارم في المدرسة وأقام صداقات ونمى قدراته الأدبية. وفيما بعد عَدَّ كبلنج هذه المدرسة نموذجًا لتدريب قادة المستقبل البريطانيين.

وعندما بلغ كبلنج سن السابعة عشرة، رفض عرض والديه لإلحاقه بالجامعة. وبدلاً من ذلك رجع إلى الهند والتحق بهيئة موظفي الجازيت المدنية والعسكرية الرسمية، وهي صحيفة كانت تصدر في لاهور (في باكستان الآن). وعلى الرغم من ضغوط الوظيفة بدأ كبلنج بعد وقت وجيز في كتابة القصائد والقصص القصيرة. وقد نشر العديد من هذه الأعمال المبكرة في هذه الجريدة وفي جريدة الله أباد بيونير. وسافر كبلنج إلى إنجلترا عام 1889م للعمل مراسلاً للغازيتة، وبعد وصوله بوقت قصير نشرت جريدة التايمز اللندنية ذات الشهرة العالمية في ذلك الوقت نقدًا امتدحت فيه كتاباته. وقد كان هذا النقد أول وأهم اعتراف به ككاتب.

وفي عام 1892م انتقل كبلنج إلى الولايات المتحدة. وكتب هناك رواية بالاشتراك مع صديق أمريكي هو ولْكُت بالستير. ولم يحالف كتابهما نولاكها النجاح أبدًا. وفي عام 1892م تزوج كبلنج من أخت بالستير. وعاش الزوجان في براتلبورو في فيرمونت إلى أن انتقلا إلى إنجلترا سنة 1896م.

فقد كبلنج، فيما بعد، الكثير من شعبيته بسبب آرائه حول العديد من القضايا. فمثلا، انتقده العديد من الناس لتأييده التوسُّع الاستعماري البريطاني. وقد عاداه آخرون لأنه عارض إعطاء النساء حق التصويت. وإضافة إلى ذلك، كان كبلنج يؤيد التجنيد العسكري حتى قبل بداية الحرب العالمية الأولى في عام 1914م. وقد هاجم الولايات المتحدة هجومًا مريرًا لبقائها على الحياد خلال الفترة الأولى للحرب.

كتب كبلنج بانتظام حتى وفاته، ولكنه لم يَسْتعد شعبيته أبدًا. وقد نشرت سيرته الذاتية شيء من نفسي عام (1937م) بعد موته.


أعماله. تتناول معظم أعمال كبلنج الأولى عظمة الإمبراطورية البريطانية. وخلال أواخر التسعينيات من القرن التاسع عشر الميلادي أنتج عددًا من مجموعات القصص القصيرة. وأشهرها حكايات بسيطة من التلال (1888م)؛ جنود ثلاثة (1888م)؛ الشبح ركشو (1889م)؛ وي ولي ونكي الصغير؛ وقصص أخرى (1889م). وقد جعل كبلنج من الجنود البريطانيين وعمال الحكومة أبطالاً ووصفهم بأنهم ناشرو العدل في بلاد بعيدة. وتضافرت مهارته الفنية ومعرفته بالهند لتجعل كتاباته مقنعة.

كتب كبلنج أول رواية له وهي الضوء الذي خبا (1890م) بعد عودته إلى إنجلترا من الهند بوقت قصير. ولم ينل هذا الكتاب شهرة كبيرة أبدًا، ولكنه أظهر أن كبلنج باستطاعته أن يكتب بتعاطف عن مواضيع غير متصلة بالإمبراطورية البريطانية. وتدور الرواية حول جندي فنان شاب يواجه العمى المتوقع وفقدان حب امرأة. ويقدم على الانتحار عن طريق تعريض نفسه لنيران العدو عن قصد.

وعندما نُشِرت قصائد شعبية من غرفة الثكنات عام (1892م)، وهي مجموعة من القصائد كتبت بلهجة الكوكني اللندنية، نال كبلنج مزيدًا من الشهرة. ويقدم النصف الثاني من هذا الكتاب وصفًا للجندي تومي أتكنس ومتاعبه من الأيام التي قضاها مجندًا في الجيش حتى تقاعده عن الخدمة العسكرية. وكان الكتاب الأول من نوعه في الأدب الإنجليزي الذي يصف بطولة الجندي البريطاني العادي وتفانيه الهادئ في القيام بواجبه. ويحوي قصائد شعبية قصائد مشهورة مثل، داني ديفر؛ فزي وزي؛ جنجا دن؛ الطريق إلى مندلاي.

وكسب كبلنج جمهورًا عالميًا كبيرًا من القراء بقصصه التي كتبها للأطفال. وأشهر مجموعاته القصصية كتاب الغابة (1894م)؛ كتاب الغابة الثاني (1895م) حكايات تمامًا هكذا (1902م). ويصف كتابا الغابة مغامرات موجلي، الطفل الهندي الذي يضل طريقه في غابة، ويجد الحماية مع عائلة من الذئاب. وقد جعل كبلنج الغابة تبدو عالمًا سياسيًا واجتماعيًا متكاملاً. كذلك جعل لكل حيوان طريقة مميزة في التفكير والتمثيل. وقد أقلق وجود موجلي وذكاؤه الإنساني جماعة الحيوان، وبعد مرور عدد من السنين عاد ليعيش بين بني البشر. وتجيب حكايات تمامًا هكذا بمنطق غريب الأطوار عن أسئلة مثل: من أين أتى النمر برقطاته؟ وكيف حصل الفيل على خرطومه؟

وكتب كبلنج أيضًا روايتين شعبيتين أبطالهما من الأولاد الصبيان. وتحكي القواد الشجعان (1897م) عن مغامرات مراهق في أمريكا على ظهر مركب صيد من طراز إنجلترا الجديدة. وكيم عام 1901م قصة مغامرات ولد يتيم توفي أبواه الأيرلنديان في الهند. وتقدِّم الرواية صورة حيَّة للمجتمع الهندي.

وقد بدأ كبلنج في بداية القرن العشرين، الكتابة جديًا عن الناس في إخلاصهم ونفعهم للبريطانيين. وسافر إلى جنوب إفريقيا، مراسلاً ليغطي حرب البوير والإنجليز (1899 - 1902م)، التي حقَّقت فيها بريطانيا السيطرة على جمهوريتين إفريقيتين. وتعكس قصته الطرق والاكتشافات (1904م) التي كتبها بعد عودته من جنوب إفريقيا قليلاً من إنسانيته السابقة.

وأصبح كبلنج غير محبوب بدرجة متزايدة لأن الكثير من الناس بدأوا في معارضة الاستعمار. وبدأت شهرته بين النقاد تخبو بعد سنة 1910م. ويتفق النقاد اليوم بصفة عامة على أن كبلنج كان كاتبًا مشهورا، ساهم بأعمال عديدة مُهِمَّة في الأدب.