تشرتشل - السير ونستون (1874-1965م). أصبح أحد الساسة المشهورين في تاريخ العالم. وقد وصل تشرتشل إلى ذروة شهرته عندما كان رئيسًا لوزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وقد طلب إلى بني وطنه بذل الدماء والدموع والكد والعرق في كفاحهم من أجل المحافظة على حريتهم، كما عرف تشرتشل بكونه خطيبًا مفوهًا ومؤلفًا ورسامًا وجنديًا ومراسلاً حربيًا.

ظلت بريطانيا تحارب بمفردها في أوائل الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية، ورفضت الاستسلام رغم ظروفها المروّعة، فكان لشجاعة هذا الرجل وإيمانه العميق بالنصر أكبر الأثر في تخطي العقبات ودفع الشعب البريطاني إلى التضحية والعمل في سبيل تحقيق النصر المنشود.

لم يَكتَفِ تشرتشل بالمساهمة في صنع التاريخ فحسب، وإنما دوّنه أيضًا كمؤرخ، وكمراسل حربي، وكاتب سيرة، وبرزت ملكته الأدبية من بين أفضل الأشخاص المتمكنين من اللغة الإنجليزية. وحصل على جائزة نوبل في الآداب رغم أنه كان يعتبر أسوأ طالب في صفه أثناء الدراسة.

كان تشرتشل قد التحق بالجيش برتبة ملازم سنة 1895م، في عهد الملكة فكتوريا، وتقاعد عن العمل كعضو في مجلس العموم سنة 1964م، في عهد الملكة إليزابيث الثانية ابنة الحفيد الثالث للملكة فكتوريا.


--------------------------------------------------------------------------------

تواريخ مهمة في حياة تشرتشل

--------------------------------------------------------------------------------

1874 ولد في 30 نوفمبر في أكسفورد شاير ـ إنجلترا.
1895 تخرج في الكلية العسكرية الملكية.
1896 عمل مراسلاً حربيًا لبعض الصحف في كوبا والهند ومصر والسودان وجنوب إفريقيا.
1901 دخل مجلس العموم.
1908 تزوج من كليمانتين هوزير.
1911 عُين قائدًا للبحرية.
1915 استقال من البحرية.
1939 عاد قائدًا للبحرية ورأس بعدها عدة وزارات.
1940 أصبح رئيسًا لوزراء بريطانيا.
1945 أصبح زعيمًا للمعارضة.
1951 أصبح رئيسًا للوزارة البريطانية للمرة الثانية.
1953 منح رتبة فارس وحصل على جائزة نوبل للآداب.
1955 تقاعد من رئاسة الوزارة.
1964 تقاعد من عضوية مجلس العموم.




حياته المبكرة

قصر بلنهايم كان مسقط رأس تشرتشل.

يظهر ونستون مع أمه وأخيه جون.
ولد تشرتشل في قصر بلنهايم في أكسفوردشاير، وهو الابن الأكبر للورد راندولف تشرتشل (1849- 1895م) من أم أمريكية (1854-1921م).

تخرَّج في كلية هارو عام 1895م برتبة ملازم ثان. وعمل ضابطًا في الجيش ومراسلاً حربيًا في كوبا والهند كما اشترك في المعارك الحربية خاصة في الهند وفي آخر حملة بريطانية على السودان وذلك في معركة أم درمان (كرري). وعندما عاد إلى إنجلترا ألَّف كتابًا حول الحملة السودانية تحت عنوان حرب النهر سنة 1899م، واستقال من الجيش في تلك السنة ليخوض غمار حملة انتخابية لعضوية مجلس العموم إلى جانب المحافظين في أولدهام. لكنه فشل لأن أهل تلك المنطقة كانوا من مؤيدي حزب العمال.

وفي نفس السنة اندلعت حرب البوير في جنوب إفريقيا بين البريطانيين والهولنديين فعمل مراسلاً حربيًا.




مزاولة السياسة

أولى الوظائف العامة. عاد تشرتشل إلى إنجلترا في عام 190IMGم لمزاولة السياسة، وقد رحبت به أولدهام ترحيب الأبطال، وتم انتخابه عضوًا في مجلس العموم. وسرعان ما بدأ بالانتقاد العلني وبشدة لكثير من السياسات التي كان يتبعها حزب المحافظين. وفي سنة 1904م انشق عن حزبه تمامًا، وترك مقعده مع الحزب.


الأسرة. تزوج تشرتشل من كليمانتين هوزير ابنة ضابط متقاعد سنة 1908م، وأنجب منها أربع بنات وولدًا واحدًا.



المراسل الحربي يظهر تشرتشل في أقصى اليمين وقد أسر أثناء حرب البوير في جنوب إفريقيا. ثم استطاع أن يهرب بعد أن قطع 480كم عبر أراض يحتلها الهولنديون أعداء بريطانيا في ذلك الوقت.
الحرب العالمية الأولى. عُين تشرتشل قائدًا للبحرية سنة 1911م. وكان نمو الجيش الألماني وقوة ألمانيا البحرية، قد أقنعت رئيس الوزراء هربرت أسكويث، بضرورة تقوية الأسطول البريطاني على يد قائد قوي مثل تشرتشل الذي كان من بين القلائل الذين كانوا يعتقدون بحتمية الحرب مع ألمانيا، فقام بتطوير الأسطول البريطاني وأعد وسائل الدفاع ضد الغواصات، وأنشأ للمرة الأولى قوة جوية تابعة للأسطول.

وفي سنة 1915م، شجع تشرتشل على الهجوم على الدردنيل وشبه جزيرة غاليبولي التركيين لفتح الطريق لإيصال الإمدادات إلى روسيا عن طريق البحر الأسود، غير أن تلك الحملة تحولت إلى كارثة تحمَّل تشرتشل مسؤوليتها، فاستقال من البحرية بعد أن اعترف بفشله، والتحق بعد ذلك بالجيش البريطاني الذي كان يحارب في فرنسا برتبة رائد. ثم اختاره رئيس الوزراء لويد جورج وزيرًا للذخائر والعتاد الحربي سنة 1917م، فعمل على تطوير وإنتاج الدبابة الحربية البريطانية، واهتم كثيرًا بزيارة جبهات الحرب في فرنسا بصورة متكررة، والاطلاع على وضع القوات المتحاربة من الجو في أغلب الأحوال.


بين حربين
انتهت الحرب العالمية الأولى سنة 1918م، وعُين تشرتشل وزيرًا للحربية والطيران. وبصفته وزيرًا للحربية أشرف على تسريح الرجال من الجيش البريطاني، ثم عينه لويدجورج وزيرًا للمستعمرات عام 1921م.

أمضى تشرتشل جل أوقات فراغه بين الحربين العالميتين الأولى والثانية في الرسم والكتابة.

غير أنه كان يعتبر الكتابة حرفته الأساسية بعد السياسة. ففي كتابه الأزمة العالمية سجل تاريخ الحرب العالمية الأولى بشكل دقيق في أربعة مجلدات، كما كتب عن تاريخ جده الأعلى كتابًا سمَّاه مارلبورو: حياته وعصره في ستة مجلدات.

حاول تشرتشل في خطبه وكتاباته أن ينبه الناس إلى الخطر النازي؛ إذ أقلقه نمو القوة العسكرية الألمانية، وحث على ضرورة الاهتمام بالقوة الجوية البريطانية فاتهموه بأنه داعية حرب.


تقلد رئاسة الوزارة أثناء الحرب


تشرتشل يخطب في مجلس النواب الأمريكي سنة 1943م، وهو يتحدث عن الانتصارات العسكرية التي حققها الجيش البريطاني في إفريقيا. وقد قام تشرتشل بعدة زيارات إلى واشنطن دي سي أثناء الحرب.
الحرب العالمية الثانية. اندلعت الحرب العالمية الثانية باجتياح الجيش الألماني لبولندا في 1 سبتمبر 1939م، لقد بدأت الحرب التي كان يتنبأ بها تشرتشل بوضوح، فأعلنت كل من بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا في 3 سبتمبر، وتم تعيين تشرتشل قائدًا للبحرية البريطانية للمرة الثانية.

وبسقوط وزارة تشمبرلين على أثر مناقشة برلمانية، عهد الملك جورج السادس برئاسة الوزارة إلى تشرتشل في 10 مايو 1940م.


معركة بريطانيا. ظلت بريطانيا تحارب وحدها بعد استسلام بلجيكا وفرنسا إلى ألمانيا. وبدا أن غزو ألمانيا لبريطانيا في حكم المؤكد، ولكن كان على الألمان أن يقضوا على القوة الجوية البريطانية قبل قيامهم بغزو الجزيرة البريطانية عبر القنال الإنجليزي. وبدأوا بإلقاء القنابل من الجو على السفن والموانئ البريطانية. وأعقبتها الغارات الجوية الليلية على لندن، ودافعت القوة الجوية البريطانية بشجاعة، وانتصرت أخيرًا على القوة الجوية الألمانية.

تميز تشرتشل بإدراك جيد للمسائل العسكرية، فقد رفض طلب الفرنسيين حول تزويدهم بعدد من الطائرات، مفضلاً بقاءها للدفاع عن بريطانيا نفسها، وطلب تدمير، الأسطول الفرنسي الموجود في الجزائر خشية وقوعه بأيدي الألمان وإلحاقه بأسطولهم الحربي.



حذر تشرتشل العالم من الستار الحديدي السوفييتي سنة 1946 في خطاب له بمدينة فولتون بالولايات المتحدة ومعه الرئيس الأمريكي هاري ترومان.
الالتقاء مع روزفلت. التقى تشرتشل مع روزفلت في أغسطس من عام 1941م، على ظهر سفينة على ساحل نيوفاوندلاند الكندية، وقد أدى هذا اللقاء إلى صدور ميثاق الأطلسي. ودامت الاتصالات بينهما والتقيا تسع مرات قبل أن يُتوفى روزفلت عام 1945م. وقد دخلت الولايات المتحدة الحرب على إثر ضرب اليابانيين لميناء بيرل هاربر، في 7 ديسمبر 1941م. وتباحث تشرتشل مع روزفلت بعد ذلك في واشنطن دي سي.

التقى تشرتشل مع الرئيس السوفييتي جوزيف ستالين. وكان الاتحاد السوفييتي قد أعلن الحرب على ألمانيا على إثر اجتياح ألمانيا لروسيا. وكان ستالين قد طلب من تشرتشل أن تفتح بريطانيا جبهة ثانية في أوروبا لأجل التخفيف من الضغط الألماني على الجبهة السوفييتية، غير أن تشرتشل أوضح له بأن فتح الجبهة في ذلك الوقت سيؤدي إلى كارثة لعدم توفر الاستعداد الكافي لدى الحلفاء لتلك المهمة.

وعندما التقى تشرتشل مع روزفلت في الدار البيضاء في يناير 1943م، أصدرا بيانًا جاء فيه أن الحلفاء لن يقبلوا بوقف الحرب إلا باستسلام دول المحور، ألمانيا وإيطاليا واليابان دون قيد أو شرط.



الثلاثة الكبار قادة الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، تشرتشل، ورئيس الولايات المتحدة فرانكلين د. روزفلت (إلى اليسار) ورئيس وزراء الاتحاد السوفييتي (سابقًا) جوزيف ستالين عندما التقوا في إيران عام 1943م.
الثلاثة الكبار. حدث أول لقاء بين تشرتشل وستالين وروزفلت في طهران في نوفمبر 1943م، واتفقوا خلاله على غزو فرنسا في الربيع التالي. كذلك التقى الثلاثة الكبار في يالطا بالاتحاد السوفييتي، واتفقوا على خطط احتلال ألمانيا بعد استسلامها. وقد توفي روزفلت بعد شهرين من هذا المؤتمر، وأصبح هاري ترومان رئيسًا للولايات المتحدة.

استسلمت ألمانيا في 7 مايو 1945م، والتقى تشرتشل مع ستالين، وترومان في بوتسدام لمناقشة كيفية إدارة ألمانيا بعد الحرب، غير أن تشرتشل اضطر إلى الانسحاب من المؤتمر على أثر فشل حزبه في الانتخابات التي جرت في ذلك الوقت.


زعامة ما بعد الحرب


تشرتشل يودع الملكة إليزابيث الثانية في حفل أقيم بمناسبة تقاعده .
زعامة المعارضة. احتل تشرتشل مقعده في مجلس العموم كزعيم للمعارضة. وظل منشغلاً بالسياسة وإلقاء المحاضرات والرسم. وفي سنة 1948م، أصدر المجلد الأول من مذكراته عن الحرب العالمية الثانية. وقد أكمل المجلد السادس من هذا الكتاب سنة 1953م.


العودة إلى السلطة. عاد تشرتشل إلى رئاسة الوزارة سنة 1951م، على إثر فوز حزب المحافظين وكان قد بلغ السابعة والسبعين من عمره، واهتم كعادته بالسياسة الخارجية. ومنح لقب فارس من قبل الملكة سنة 1953م، وفي أواخر تلك السنة حصل على جائزة نوبل في الآداب لبراعته في عرض الحوادث التاريخية والسيرية، وتألقه في فن الخطابة. وعندما بلغ الثمانين من عمره في نوفمبر 1954م، اجتمع أعضاء يمثلون جميع الأحزاب السياسية لتحيته وتهنئته وأمطره الناس من جميع أنحاء العالم بوابل من التحايا، والتهاني، والهدايا. وقد تقاعد تشرتشل عن العمل في إبريل من عام 1955م.



بعد تقاعده عاد تشرتشل ليواصل الكتابة من بيته بلندن، حيث توفي سنة 1965م.
نهاية العهد. عاد تشرتشل إلى الرسم، وإلى الكتابة مرة أخرى. ومع ذلك احتفظ بمقعده في مجلس العموم. ولكن السنين نالت منه وفقد ذلك الصوت الذي كان يرن صداه وجلس صامتًا.

وفي سنة 1963م، منحه مجلس النواب الأمريكي لقب المواطن الأمريكي الفخري كدليل على تقدير الأمريكيين للرجل الذي بذل جهودًا مضنية في سبيل الحرية. وقد بلغ نشاط تشرتشل نهايته سنة 1964م، فلم يشترك في انتخابات مجلس العموم التي جرت تلك السنة بعد أن ظل يحتفظ بعضويته في المجلس مدة تربو على ستين عامًا من سنة 1901م إلى 1922م ومن 1924م إلى 1964م.

أصيب تشرتشل بسكته دماغية في 15 يناير 1965م ومات بعد ذلك بتسعة أيام وقد بلغ سن التسعين.