الفتوح الإسلامية حركة نشر الإسلام عن طريق الدعوة والقدوة أو عن طريق القتال لمن صدَّ وأبى وأظهر العداوة. ويقصد بها أيضًا افتتاح دار الحرب، والانتصار على محاربيها. فطبيعة الإسلام تقتضي دخوله تلك الديار سلمًا عن طريق الدعوة والقدوة الحسنة. فإذا رفض أصحاب تلك البلاد الإسلام والتعايش مع النظام الإسلامي؛ أمر الخليفة المسلمين بفتحها. ولقد تكثفت هذه الفتوح في عصر صدر الإسلام. فقد جهّز أبو بكر الصديق الجيوش لفتح بلاد فارس والروم وأنفذ الحملة التي أعدّ لها الرسول ³ قبيل وفاته وعقد لواءها لأسامة بن زيد. وقد بدأت هذه الفتوحات بداية حقيقية على أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

كان من أهداف هذه الفتوحات حماية الدعوة من عدوان خصومها، سواء أكانوا من عرب الجزيرة نفسها، أم من خارجها، كالفرس والروم. كانت الفتوح الإسلامية في بدايتها حربًا دفاعية، حارب الرسول ³ فيها كفار قريش لأنهم رفضوا أن يتركوا له ولأصحابه حرية العبادة والدعوة، واعتدوا عليه وعلى أصحابه بشتى أنواع الاعتداء والتعذيب حتى استشهد عدد منهم تحت التعذيب، وتآمروا على قتل الرسول ³ ليلة الهجرة إلى المدينة. ثم كانت بعد ذلك حروب الردة في عهد الخليفة الأول، أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والتي لم تكن إلا دفاعًا عن كيان الدولة الإسلامية الذي هدده المرتدون. ثم جاءت بعد ذلك حروب فارس والروم، التي ترجع أسبابها إلى مبادرة هؤلاء القوم بإيذاء المسلمين، وتمثل ذلك في عدة وقائع وأحداث تاريخية، ومثال ذلك تهديد كسرى للرسول ³ عندما مزَّق الرسالة التي بعث بها إليه الرسول ³ يدعوه فيها إلى الإسلام، وأعان المرتدين في شرقي الدولة الإسلامية الناشئة، وحمى الفارين منهم من وجه الجيوش الإسلامية إلى سواد العراق، وألَّب الفرس والروم القبائل العربية المتاخمة لحدودهم على إخوانهم من المسلمين. ولذا نرى هذه القبائل (المناذرة والغساسنة) تحارب جنبًا إلى جنب مع الفرس والروم ضد المسلمين العرب. وأمر هرقل ـ ملك الروم ـ بقتل كل من أسلم من أهل الشام، وافتتح هجومه على الإسلام بقتل فروة بن عمرو الجذامي، عامل الروم على مَعَان (في الأردن حاليًا) لاعتناقه الإسلام ومراسلته لرسول الله ³. ومضى يُعد عدته لمجابهة دولة الإسلام بالمدينة. وكانت موقعة ذات السلاسل نتيجة لاعتداء جماعة من الفرس على بعثة نبوية يرأسها عمرو بن العاص، رضي الله عنه. ولم تكن سرية مؤتة إلا بسبب ما علمه الرسولص من تجمعات العدو الرومي وعَزْمه على غزو المدينة عاصمة الدولة الإسلامية. وكذلك كان من أسباب غزوة تبوك أن هرقل جمع جموعًا من الروم وقبائل العرب الموالية له، فعزم على قتالهم. وجهَّز جيش أسامة قُبيل وفاة النبي ³ لرد عدوان الروم وتأمين الحدود الشمالية للجزيرة العربية. وأصر أبو بكر على إنفاذ هذا الجيش بعد وفاة الرسول ³. وشارك العرب الذين يقعون تحت نفوذ الروم في الاعتداء على المسلمين. فقد قتل الحارث بن عمرو الأزدي الغسَّاني ـ صاحب دمشق ـ رسولَ رسولِ الله ³ إليه ـ شجاع بن وهب الأسدي، علمًا بأن الرسل لا تُقتل. وعندما أرسل النبي ³ خمسة عشر داعية إلى ذات الطلح، على حدود الشام، قُتلوا جميعًا، ولم ينج منهم إلا رئيسهم.

توخَّت تلك الفتوحات أيضًا تخليص الشعوب من طغاتها الظالمين ومن أوضاعها الدينية والاجتماعية السيئة. وقضت على الحق الذي كان يزعمه الملوك والرؤساء لأنفسهم من أن مشيئتهم هي مشيئة الله وأن الخضوع لهم خضوع لله. فعندما سأل رستم ـ قائد الفرس في معركة القادسية ـ ربعي بن عامر مبعوث سعد بن أبي وقاص إليه عن سبب مجيء المسلمين إلى العراق، قال ربعي: ¸الله جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نُفضي إلى الجنة، أو الظفر·. انظر: القادسية، معركة. وعندما سأله رستم إن كان هو زعيم المسلمين، فردّ بقوله: ¸لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد، بعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم·، وتعجب رستم من كلامه. وكرَّر حُذَيْفَةُ بن مُحْصِن مبعوث سعد إلى رستم في اليوم التالي ما قاله ربعي، وعندما سأله عن سبب تخلف ربعي هذه المرة قال له: ¸أميرنا يعدل بيننا في الشدة والرخاء، وهذه نوبتي·. وأرسل سعد المغيرة إلى رستم في اليوم الثالث، وجاءه فجلس معه على سريره، فاستنكر ذلك أعوان رستم، وأقبلوا عليه يجذبونه، فقال لهم: ¸قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قومًا أسفه منكم، إنا معشر العرب لا يستعْبد بعضنا بعضًا، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، وأني لم آتكم، ولكنكم دعوتموني، اليوم علمت أنكم مغلوبون، وأن مُلْكًا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول زائل·. فقالت السوقة: ¸صدق والله العربي·، وقال الزعماء: ¸لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه، قاتل الله سابقينا حيث كانوا يصغرون أمر هذه الأمة·.

أرادت الأمة الإسلامية أن تنقل مُثُلَها التحررية إلى الشعوب المضطهدة، تلك المثل التي نلمحها في قول واحد من عامة الناس لعمر بن الخطاب وعلى ملأ من الناس، ¸والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقَّومناه بسيوفنا·، وقيل مثل هذا لأبي بكر من قبل. وقال آخر لعمر: ¸لا نسمع ولا نطيع·، وذلك حين رأى عليه ثوبًا لم يعلم مصدره، بل ظن أنه من مال الدولة، ولم يترفع عمر عن بيان مصدر ثوبه الثاني. ولو كان حكام المسلمين مثل حكام الروم لما أمر عمر بأن يقتصّ ابن قبطي مصري من ولد واليه على مصر ـ عَمْرو بن العاص ـ وفي ملأ من الناس، وطلب من الغلام القبطي المظلوم أن يضرب عَمْرًا على صلعته، لأن ابنه تجرأ على الظلم لمكانة والده، وخاطب عمْرًا بكلمات خالدة: ¸متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟·. وكان الروم يسومون أهل مصر سوء العذاب، ولا يتجرأ أحد على رفع شكايته إلى رئيس الدولة.

ويعترف أحد المستشرقين وهو توماس آرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام بأن القبائل النصرانية اعتنقت الإسلام عن اختيار وإرادة حرة، ويذكر أن النصارى كتبوا إلى المسلمين العرب يقولون لهم: ¸يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أرأف بنا وآنف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا·.

لقد كانت الفتوحات الإسلامية حروبًا أخلاقية تقيدت بمبادئ الحق والعدالة والرحمة مع المغلوبين والمحاربين. وتمثل شيء من ذلك في عمر بن عبد العزيز فإنه حين وُلِّيَ الخلافة، وفد عليه قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة ابن مسلم دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين بغير حق، فكتب عمر إلى عامله بأن ينصِّب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين، أخرجوا، فنصَّب لهم جميع بن حاضر الباجي قاضيًا، فحكم بإخراج المسلمين، على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك، وينابذهم وفقًا لمبادئ الحرب في الإسلام. ولكن أهل سمرقند كرهوا الحرب، وأقروا المسلمين للإقامة بين أظهرهم.

ولم يستغل الفاتحون سلطانهم لقهر الأمم التي غلبوها. وعندما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين بعهودهم معهم وحسن سيرتهم فيهم، أصبحوا عيونًا للمسلمين على أعدائهم. واعترفوا بالفارق بين الحضارتين الإسلامية والرومية، عندما أمر أبو عبيدة برد الجزية التي أخذها من أهل حمص حين أيقن بعجزه عن حمايتهم من الروم. ويقول المستشرق روبنسون: ¸إن أتباع محمد وحدهم هم الذين جمعوا بين معاملة الأجانب بالحسنى، وبين محبتهم لنشر دينهم، وكان من أثر هذه المعاملة الحسنة أن انتشر الإسلام بسرعة، وعلا قدر رجاله الفاتحين بين الأمم المغلوبة، وأدت هذه المعاملة إلى انحسار ظل النصرانية عن شمالي إفريقيا·. ويقول دوابر: ¸إن العرب عاملوا اليهود في الأندلس أحسن معاملة. وعندما طرد النصارى العرب من الأندلس لم يطيقوا إبقاء اليهود، فدبروا لهم تهمًا، وأحرقوا عشرة آلاف يهودي في مدى عشر سنوات، واعترف البطريرك النسطوري إبشوياف الثالث إلى سيمون أسقف آردشير، بأن العرب لم يهاجموا العقيدة النصرانية، وأنهم يعطفون على دينهم، ويكرمون قِدِّيسيهم، ويساعدون الكنائس والأديرة·.

كما كانت الفتوحات الإسلامية أيضًا حروبًا تهدف إلى نشر الدين الإسلامي بالحسنى، ومن منطلق سامٍ، بعيدًا عن الماديات، وذلك بدلالة ما وقع في أحداث الفتح الإسلامي من قضايا التّعفّف عند الغنيمة وأداء الأمانات والإخلاص لله ما يعجز التاريخ البشري عن إبراز نظائره. جاء في تاريخ الطبري أنه لما هبط المسلمون المدائن عاصمة الفرس وجمعوا الغنائم، أقبل رجل بحُقٍ معه، فدفعه إلى المسؤول عن حصر الغنائم. فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولايقاربه، فسألوه إن كان قد أخذ منه شيئًا، فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به، ورفض أن يفصح عن اسمه، حتى لا يُعرف فيُحمد، لأنه يريد حمد الله وثوابه، وليس حَمْد الناس. وأرسلوا وراءه رجلاً خِلْسةً ليعرفه، فعرفه من أصحابه، فإذا هو عامر بن عبد قيس رضي الله عنه.

ورفض ربعيّ بن عامر أن يجلس على بساط رستم قائد الفرس في معركة القادسية، بل جلس على الأرض، وقال: إناَّ لا نقعد على زينتكم. وقال المثنى بن حارثة الشيباني لخالد بن الوليد، عندما أراد الانفصال بنصف جيش العراق ليلحق بأبي عبيدة بالشام: ¸يا خالد، إنك لم تقسم بالسَّويَّة، هؤلاء أصحاب رسول الله ³ وكيف تعرِّيني منهم، والله ما أرجو النصر إلا بهم·.

ودخل عمر ذات يوم على أبي عبيدة ـ أبرز قواد فتح الشام ـ فلم ير في منزله إلا لبَدًا (حشايا من شعر أو صوف) وإناء وقربة ماء بالية، وسأله طعامًا، فأخرج له من سلة منشأة بالجلْد صغيرة كُسَيْرات، فبكى عمر وقال: ¸غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة·. والذي يقف على سيرة عمر في الزهد يعرف دلالة عبارته لأبي عبيدة. وأرسل إليه عمر أربعمائة دينار، وسأل من أرسله أن يقف على ما يفعل بها، فجاءه الخبر بأنه وزعها كلها على المحتاجين، وأرسل مثلها إلى معاذ بن جبل، رضي الله عنه، فوزَّعها إلا القليل منها، أعطاه زوجته لحاجتها. فقال عمر لما أخبر بهذا: ¸الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا·.

وعندما أرسل المقوقس ـ حاكم مصر ـ بعض رجاله ليتعرفوا له على أحوال الجيش الإسلامي الذي يحاصر حصن بابليون، عادوا ليقولوا له: ¸رأينا قومًا الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرِّفْعة... ليس لأحد منهم في الدنيا رغبة ولا نهمة. جلوسهم على التراب، وأميرهم كواحد منهم، ما يُعرف كبيرهم من صغيرهم، ولا السيد فيهم من العبد·. بهرت مثل هذه المواقف والأحوال بعض المنصفين من المستشرقين، بل يقول بعض متعصّبيهم لغير الإسلام، وهو ستانلي في كتابه العرب في أسبانيا: ¸إنَّ تحمس العرب للفتوح كان يؤجِّجه عنصر قوي من الرغبة في نشر الدين·. وقد ذكرنا من قبل شهادة روبنسون من أن العرب كانوا يحبون نَشْر دينهم.