قد تحدث في الغابات وغيرها من المساحات الطبيعية سلسلة من التغيرات المنتظمة على النباتات والحيوانات التي تعيش فيها. وتسمى سلسلة التغيرات هذه التتابع البيئي. والمناطق التي تجتاز عملية التعاقب تمر بمرحلة أو أكثر من المراحل الوسطية حتى تصل إلى المرحلة النهائية، مرحلة الذروة. وتوجد غابات في المراحل المتوسطة ومراحل الذروة من سلسلة التعاقب البيئي في مناطق عديدة.

لتوضيح كيفية تطور الغابة، وحدوث التعاقب، نتصور مساحة من الأراضى الزراعية المهجورة في جنوب شرقي الولايات المتحدة الأمريكية، تحمل هذه الأراضي المهجورة في البداية مجتمعات من الأعشاب القصيرة وحشرات وفئران. وتتحول الأرض تدريجيًا إلى مرج مع ظهور الحشائش والنباتات العشبية العالية والشجيرات، وفي الوقت نفسه تغزو المنطقة الأرانب والثعابين والطيور التي تعيش على الأرض.

وخلال سنوات قليلة تبرز أشجار الصنوبر الصغيرة عبر المرج. ومع اكتمال نضج الأشجار يتحول المرج إلى غابة متوسطة من الصنوبريات. ثم تموت النباتات العشبية وشجيرات المرج، وتُستبدل بها النباتات التي تنمو جيدًا تحت ظلال ظلة الصنوبر. وباختفاء نباتات المرج تختفي أيضًا السلاسل الغذائية المبنية عليها. وتدخل المنطقة حيوانات جديدة من آكلات العشب، والمفترسة مكونة على إثرها سلاسل غذائية مبنية على الأحياء النباتية لغابة الصنوبر.

وتمر الأعوام، وتكبر أشجار الصنوبر في عمرها وحجمها. لكن عددًا قليلاً جدًا من البادرات، ينمو تحتها نظرًا لحاجة بادرات الصنوبر لضوء الشمس المباشر. ولذلك تحتل مكانها في الطبقة السفلى بعض أنواع الأشجار ذات الأوراق العريضة، وخاصة أنواع البلوط. وعندما تموت أشجار الصنوبر المسنة تملأ أشجار البلوط الفراغات التي تحدث في الظلة نتيجة لموت أشجار الصنوبر. وتتكون تدريجيًا غابة مختلطة من أشجار متساقطة الأوراق ودائمة الخضرة.

لكن التعاقب لم يكتمل بعد. فبادرات البلوط تنمو جيدًا في ظل الظلة، بينما يتوقف نمو بادرات الصنوبريات. ولذلك فربما تكونت غابة ذروة من البلوط في النهاية مكان الغابة المختلطة. ونظرًا لأن خشب الصنوبر أكثر قيمة من خشب البلوط فإن علماء الغابات يستعملون في بعض الأحيان الحرائق الموجهة للحد من نمو البلوط.

تحدث سلاسل تعاقبية متنوعة في المناطق المختلفة. ففي الأجزاء الجنوبية من الغابات الشمالية، مثلا، تسود أشجار الصنوبر والتنوب والراتينجية في غابات الذروة. وإذا تم القضاء على أي من هذه الغابات المخروطية بسبب الحرائق أو الأمراض أو العواصف؛ فقد تنشأ في مكانها غابة متوسطة من الحور الرجراج والبتولا. وتنمو هذه الأشجار ذات الأوراق المتساقطة تحت ضوء الشمس المباشر على الأراضي العارية، بصورة أفضل من أشجار التنوب والراتينجية.

وتوفر غابة الحور والبتولا الحماية اللازمة للنموات الجديدة من مخروطيات المنطقة الشمالية. وفي وقت وجيز تسود بادرات الراتينجية والتنوب والصنوبر الطبقة السفلى من الغابة. وبمرور الزمن تنمو هذه الأشجار المخروطية إلى ارتفاعات تفوق ارتفاع أشجار الحور الرجراج والبتولا. ولا تتكاثر الأنواع متساقطة الأوراق في ظل الظلة الجديدة، وتتكون تدريجيًا مرة أخرى غابة الذروة ذات الأشجار المخروطية.