يوجد اليوم في كل دولة ثلاث سلطات: تنفيذية وتشريعية وقضائية. وقد ظلت كلها مجتمعة في يد الحاكم حتى القرن (الثالث عشر الميلادي). ونظرًا لما لاقته أمم الغرب من تعسف حكامها، فقد تبنت الفصل بين هذه السلطات، وأول من أخذ بذلك الفرنسيون عام 1791م ثم تبعتهم الشعوب الأخرى. لكن، مازال هناك جدل حول السلطة القضائية هل هي سلطة مستقلة؟ أم جزء من السلطة التنفيذية؟ أما أهداف الفصل، فتتمثل في عدم جمع السلطات كلها في جهة واحدة، لذا جرى الاتجاه نحو فصلها، لتراقب كل سلطة الأخرى، فتمنعها من التجاوز والانحراف. كان رسول الله ³ يجمع في شخصه كافة السلطات؛ فهو الحاكم والقاضي ومتلقي الوحي عن الله ومبلغه وشارحه، كما كان قائد الجيوش وموقع المعاهدات والمنفذ للأحكام، وهذا حكم النبوة القائم على وحي الله وعلى عصمة سيد الأنبياء من الاستبداد والانحراف أو نحو ذلك، لأنه ³ ما كان ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إليه من الله تعالى.

وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام صار التشريع رهين القرآن والسنة والإجماع، أما التنفيذ فصار إلى الخلفاء، وإلى جانبهم القضاة. وكان القاضي يعينه الخليفة ويتبع له، وليس للولاة المحليين، وهكذا استقل القضاء. يقول ابن خلدون: ¸... وأما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة، لأنه منصب الفصل بين الناس في الخصومات، حسمًا للتداعي وقطعًا للتنازع، إلا أنه بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، فكان لذلك من وظائف الخلافة، ومندرجًا في عمومها·.

وقد حضر أكثر من خليفة مجلس القضاء وأولهم الإمام علي، لكن لم تعرف الدولة الإسلامية سلطة تشريعية بالمعنى المعروف، لأن التشريع قام به فقهاء مستندين إلى أصول الشريعة.