علم الكلام والفلسفة. تهدف الفلسفة ـ كما يقول دارسوها ـ إلى الكشف عن الحقيقة، وتحدد مجال بحثها بمبادئ الوجود وعلله والكون والإنسان من غير تقيُّد بمسلَّمات معينة، بينما يهدف علم الكلام إلى تأييد العقائد الدينية بالحجج العقلية والدفاع عنها والرد على مخالفيها. وخلافا للفلسفة، ينبني علم الكلام على أسس يضعها الدين ويقرها الشرع. ومن هنا نجد اختلافاً بين منهج الفيلسوف ومنهج المتكلم. فالفيلسوف يبدأ من مبادئ المنطق الأساسية والمقدمات البدهية وفقاً لمنهجه، ويتدرج منها إلى النتائج مستخدمًا منهجًا عقليًا صرفاً. في حين أن المتكلم ينطلق من مسلَّمات معينة جاء بها الدين عن الله تعالى وصفاته وصلة الله عز وجل بهذا الكون والإنسان وفقاً لما جاء به الشرع الموحى به.

وفي إطار الفكر الإسلامي نجد في البداية تمايزًا بين الفلسفة والكلام، وعلاقة عداء وخصام بين الفلاسفة والمتكلمين؛ بلغت أوجها لدى أبي حامد الغزالي (505هـ) الذي هاجم الفلسفة من منطلق كلامي في كتابه تهافت الفلاسفة، وكفَّر الفلاسفة لقولهم بقِدم العالم ، وعدم علم الله بالجزئيات، وإنكارهم البعث الجسماني.

ورغم هذا العداء فقد كان هناك نوع من التقارب بين الفلسفة والكلام، إذ حاول المتكلمون الاستفادة من أسلحة خصومهم والاطلاع على مناهج الفلسفة ومصطلحاتها، وقد كان ذلك بطريقة غير مباشرة لدى المعتزلة، ثم ظهر بوضوح لدى الجويني والغزالي، وبلغ مداه على يد فخر الدين الرازي، ثم توغل المتكلمون في الفلسفة وعلومها حتى اختلط عليهم كثير من الموضوعات والتبست مسائل الكلام بحيث لم يعد في الإمكان التمييز بين علم الكلام والفلسفة، بل يمكن القول بأن الفلسفة اختلطت بالكلام إلى الحد الذي ابتلع فيه علمُ الكلام الفلسفة ابتلاعاً، واحتواها في كتبه، كما يظهر في كتب المتأخرين مثل كتاب المواقف لعضد الدين الإيجي الذي يبدأ بمقدمات في المنطق الأرسطي على طريقة الفلاسفة ويبسط آراء الفلاسفة في الطبيعيات والرياضيات، وأخيرا يتناول قضايا العقيدة واضعاً في الاعتبار آراء الفلاسفة ومصطلحاتهم.