أسرة تانغ سلسلة من الحكام الذين حكموا الصين من سنة 618 إلى سنة 907م. ويعد كثير من المؤرخين المرحلة التي حكمت فيها هذه الأسرة العصر الذهبي في الحضارة الصينية. إذ أصبحت عاصمتها تشانغأَن (زيان الآن) أحد المراكز الثقافية العظمى في العالم. فقد توافد إليها وإلى المراكز التجارية الصينية الساحلية فنانون وشعراء وعلماء وزعماء مدنيون ودينيون من مختلف الأقطار.

وحَّد حكام تانغ الصين، وأسسوا فيها حكومة عسكرية مركزية قوية وانتقوا بعناية موظفيهم الرئيسيين. كما أنشأ أباطرة تانغ مجلس وزراء ليكون أعضاؤه بمثابة مستشارين لهم. وإضافة إلى ذلك، فقد كان الأباطرة يوفدون مفتشين إلى ولايات الصين ليفحصوا أنشطة الحكام المحليين. وشجَّع حكام تانغ التجارة أيضًا، فأصبحت الأساس المتين، الذي قام عليه ازدهار الإمبراطورية. فكان العقيق والخزف والأرز والأقمشة الحريرية والتوابل والشاي والمنتجات الصينية الأخرى، تتدفق إلى الهند والشرق الأوسط وأوروبا على امتداد الطرق التجارية، التي افتتحها أباطرة تانغ.

وخلال فترة حكم تانغ، اخترع الصينيون أسلوب الطباعة بالقوالب الذي سرعان ماحل محل النسخ بأيدي النساخ البوذيين الصينيين. وفي عام 868 م، أنتج الصينيون كتاب مجموعة الحكم الماسية. وهو أول كتاب في العالم يطبع بأسلوب الطباعة بالقوالب.


صعود الأسرة. جاءت أسرة تانغ إلى الحكم في أعقاب أسرة سوي، التي حكمت الصين من 589 م إلى 618م، إذ أطاح لي يوان الأرستقراطي بإمبراطور سوي، وأصبح أول حاكم من أسرة تانغ. انظر: لي يوان. وجعل عاصمته تشانغأَن في شمال غربي الصين. وتعني تشانغأَن السلام الدائم، إلا أن الصين سرعان ما وقعت في حرب أهلية مزقتها، كما نشب صراع حول السلطة في صفوف طبقة النبلاء. وهكذا قام لي يوان عام 627م، بتسليم الحكم إلى ابنه لي شيمين، الذي اتخذ لنفسه اسم تانغ تاي تسونغ. وقد حكم تاي تسونغ 22 سنة، وأصبح أحد الأباطرة الكبار في التاريخ الصيني.

كان تاي تسونغ زعيمًا قويًا حيث قضى على جميع منافسيه على العرش وأقام تحالفًا مع دولة سيلا الكورية، وطرد البدو الأتراك من شمالي الصين.كذلك أخضعت جيوشه أجزاء من التيبت وتركستان، وافتتح بذلك طرقًا تجارية برية تربط بين الصين والهند وآسيا الوسطى. ولم تجلب هذه الطرق التجارية الثراء الكبير للإمبراطورية فحسب بل شجعت التبادل الثقافي والديني أيضًا. فقد وفّرت هذه الطرق للمنصّرين وغيرهم بوابة برية لدخول الصين، كما أتاحت للبوذيين الصينيين زيارة الهند.

أعاد تانغ تنظيم إدارة الإمبراطورية، فبنى الكليات لتكون مصدر عون له في اختيار موظفي الحكومة وتدريبهم. وعلى الرغم من أن البوذية كانت هي الديانة الرئيسية في البلاد، إلا أن تاي تسونغ أدرك أن العديد من الصينيين الذين كان يمكن أن يساعدوه في تنفيذ برنامجه كانوا من أتباع الكونفوشية. وعلى هذا فقد عَّين كثيرًا من الكونفوشيين في مناصب عليا في حكومته.

وفي عام 649م، أصبح تانغ غاو تسونغ إمبراطورًا. إلا أن زوجته الإمبراطورة وو سرعان ما استولت على الحكومة. وتوفي تسونغ سنة 683م، ليخلفه ابنه الذي لم يكن إلا إمبراطورًا بالاسم، إذ واصلت الإمبراطورة وو السيطرة على الحكومة وأصبحت ثانية الزعماء الكبار في أسرة تانغ.

حكمت الإمبراطورة وو الصين بمهارة كبيرة. فقد عينت وزراء قديرين في المناصب الحكومية الرفيعة وحازت الولاء التام من جانب مستشاريها وموظفيها، كما حافظت الإمبراطورة وو على السمعة العالية التي تمتعت بها أسرة تانغ في الخارج بسبب ألمعيتها السياسية.

كذلك أظهرت الإمبراطورة محاباة كبيرة للبوذية وشجعت الفنون والآداب. وخلال أواخر القرن السابع الميلادي، طرد التيبت الصينيين من تركستان. إلا أن الإمبراطورة أرسلت جيوشها إلى هذه المنطقة واستردت إقليم أسرة تانغ من أجل حماية طرق الصين التجارية هناك.


السنوات الوسطى. تولَّى تانغ زوان تسونغ، حفيد الإمبراطورة عرش الإمبراطورية في عام 712م. وكان زوان تسونغ الذي يعرف أيضًا باسم مينغ هوانغ آخر ثلاثة قادة كبار حكموا من أسرة تانغ، فخلال فترة حكمه، أفرزت الصين أشهر فنانيها وشعرائها مثل الشاعرين الكبيرين، لي بو، ودفو.

أما برامج زوان تسونغ الاقتصادية فقد شملت تطوير مناطق زراعية جديدة في وادي يانجتسي وهو مازاد في ثروة الصين زيادة عظيمة.

وصلت الصين في عام 747م، إلى ذروة نفوذها في آسيا الغربية، إذ غزت جيوش أسرة تانغ باكتريا وكشمير، وهزمت تحالفًا عربيًا مع التيبت كان قد شُكّل لمواجهة حلفاء الصين في آسيا الوسطى. إلا أن ثورة نشبت في تركستان سنة 751م تسببت في إغلاق طرق الصين التجارية المؤدية إلى الشرق الأوسط. كان زوان تسونغ قد تجاوز الستين من عمره. وسرعان ما تحكمت فيه زوجة ابنه وجعلته يعين الحاكم العسكري المنشوري الماكر آن لوشان في البلاط الملكي. وفي عام 755م، تمرد آن لوشان على تسونغ واستولى على العاصمة تشانغأن واحتلها لفترة وجيزة. وفي عام 756م، تنازل زوان تسونغ عن العرش لابنه سوتسونغ. وفي عام 766 م، تمكنت مجموعة مؤلفة من جنود صينيين وأجانب من إلحاق الهزيمة بجيوش آن لوشان المتمردة، إلا أن قادة الجيش والحكام العسكريين في الولايات كانوا قد زادوا من سلطاتهم خلال التمرد، فأضعفوا بذلك سلطة الحكومة المركزية. وبالإضافة إلى ذلك، كانت التيبت قد توحدت في إطار مملكة قوية في الوقت الذي كان فيه سوتسونغ مشغولاً بحربه مع آن لوشان. وفي عام 763م، قامت القوات التيبتية بغزو الصين جاعلة بذلك أسرة تانغ في حال قتال مع التيبتيين في شمال غربي الصين واستمر القتال نحو 80 سنة. وقد زاد هذا الصراع الطويل من ضعف أسرة تانغ.


سقوط الأسرة الحاكمة. سببت الحروب الحدودية والثورات في الولايات متاعب للصين في الفترة مابين 766 و 868 م. ومع هذا، استمرت أسرة تانغ في حالة ازدهار، وذلك بشكل كبير بسبب نظام الضرائب الجديد الذي أوجدته. فقد كان الصينيون في السابق مطالبين بدفع ضرائبهم، سخرة أو عينًا. أما النظام الجديد، فكان أكثر كفاءة من النظام القديم،كما كان يمد الحكومة بدخل متزايد.

وفي عام 868م، نشبت ثورة عسكرية قوية أخرى ضد أسرة تانغ، كما تمرد الفلاحون سنة 881م، بقيادة هوانغ تشاو، واستولوا على العاصمة تشانغأن. كذلك أخذ حكام الولايات واحدًا إثر الآخر يعلنون استقلالهم عن حكومة أسرة تانغ المركزية.

وأخيرًا، وفي سنة 907م، انتهى حكم أسرة تانغ. ومنذ تلك السنة، وإلى أن سيطرت أسرة سونج على الصين سنة 960م، حكمت البلاد أسر عسكرية لم تكن تعمر طويلاً