النظام الإقطاعي. قسمت أوروبا ثانية، بعد سقوط إمبراطورية شارلمان، إلى عدد كبير من الممالك. وكانت سلطة معظم الملوك على ممالكهم واهية. وترتب على ذلك أن مئات من المقطعين التابعين ـ الذين كانوا يحملون ألقابًا مثل: الأمير أو البارون أو الدوق أو الكونت ـ أصبحوا حكامًا مستقلين في إقطاعاتهم الخاصة. وحكم هؤلاء النبلاء إقطاعاتهم من خلال شكل من الحكم عرف بالنظام الإقطاعي.

وتمتع النبلاء الذين سيطروا على الأرض، في ظل النظام الإقطاعي، بسلطة سياسية واقتصادية وقضائية وعسكرية. وكان كل نبيل من النبلاء يجمع الضرائب والغرامات، ويقوم بدور القاضي في المنازعات القانونية، ويحتفظ بجيش من الفرسان داخل منطقته. كما أنه أشرف على زراعة الضياع في إقطاعه. وكان أصحاب الإقطاعات هؤلاء هم الطبقة الحاكمة في أوروبا لمدة تزيد على 40IMGسنة.

كان العضو النموذجي للطبقة الحاكمة، في ظل النظام الإقطاعي هو النبيل والفارس والمقطع التابع والسيد، في آن واحد. وكان النبيل نبيلاً لأنه ولد في طبقة نبيلة. ويصبح فارسًا عندما يقرر أن يقضي حياته محاربًا محترفًا، ويضحي مقطعًا تابعًا عندما يتعهد بخدمة ملك أو شخصية مهمة أخرى مقابل الإقطاعة التي خصصت له، ويصبح في نهاية المطاف سيدًا، عندما يعطي جزءًا من الأراضي المقطعة له إلى أشخاصٍ يتعهدون بخدمته.

كان للسيد ومقطعه التابع حقوق وواجبات تجاه بعضهما بعضًا؛ فالسيد يتعهد له بالحماية والعدالة، وهو يقدم للسيد خدمات متنوعة، معظمها خدمات عسكرية. كانت الحرب الإقطاعية أمرًا شائعًا في أوروبا. إذا أدى كل من السيد والمقطع التابع واجباتهما، يعم السلام والحكم الصالح. ولكن إذا أخل أحدهما بواجباته تجاه الآخر كانت الحرب تندلع بينهما. كما حارب السادة بعضهم بعضًا؛ وذلك لأنهم كانوا يحاولون، في معظم الأحيان، الاستيلاء على أراضي بعضهم بعضًا، وكانت الكنيسة ـ التي كان لها أمراؤها وإقطاعاتها الخاصة ـ جزءًا من النظام الإقطاعي، وبالتالي فقد عانت هي أيضًا الحرب الإقطاعية.
الحكم الإقطاعي. انقسمت معظم أوروبا، خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، إلى دول إقطاعية. وكان يحكم كل دولة من هذه الدول سيد قوي وكأنه ملك عليها. ولم يحكم الملوك أنفسهم سوى أراضيهم الملكية الخاصة.

ففي فرنسا لم يحكم الملك سوى المنطقة التي دعيت باسم جزيرة فرنسا (إيل دو فرانس)، وهي قطاع ضيق من الأرض، كان آنذاك يقع بالقرب من باريس. أما بقية فرنسا فقد قسمت إلى دول إقطاعية، مثل أكيتين وأنجو وبريتاني وفلاندر ونورمنديا. ولم يكن في بعض الدول الإقطاعية سيدٌ يملك من القوة مايكفي ليقيم حكمًا قويًا. بينما استطاع السادة الأقوياء، في كل من آنجو والفلاندر ونورمنديا، أن يقيموا حكومات قوية. وقد احتفظ دوقات نورمنديا بسيطرة محكمة على النبلاء الذين يعيشون فيها؛ حيث لم يكن بإمكان أحد من هؤلاء النبلاء بناء قلعة أو جمع ضرائب أو القيام بتجارة منتظمة أو بإجراء محاكمات مهمة في بلاطه دون إذن من الدوق. وكان الدوق وحده الذي يستطيع أن يصدر الأمر للجيش بدخول معركة.

أصبحت إنجلترا في عهد وليم الفاتح، أقوى دولة إقطاعية في أوروبا. وكان وليم هذا دوقًا على نورمنديا، ثـم هاجم إنجلترا سنة 1066م. وبعد أن هزم جيش الأنجلو ـ سكسون أصبح ملكـًا على إنجلترا. ومن ثم أسس النظام الإقطاعي في إنجلترا بأن جعل ملاك الأراضي كافة مقطعين تابعين له. انظر: النورمندي، الغزو؛ نورمنديا.

لقد حققت الحكومات القوية، التي قامت في الدول الإقطاعية في كل من فرنسا وإنجلترا، بعض السلم والأمن للناس. أتاح الحكم الإقطاعي القوي للحكام، في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، إقامة حكومات مركزية قوية في كل من فرنسا وإنجلترا.

لم يوفر النظام الإقطاعي الذي قام في كل من ألمانيا أو إيطاليا حكمًا قويًا، وذلك لأن الدوقات الأقوياء قاتلوا الملوك لمئات السنين. وقد حقق أوتو الأول، وهو واحد من أقوى الملوك الجرمان، سيطرة على الدوقات الآخرين في أواسط القرن العاشر الميلادي. ومن ثم حاول إقامة إمبراطورية مشابهة لإمبراطورية شارلمان. وبعد أن فتح أوتو أراضي تقع في شرقي ألمانيا، هاجم إيطاليا. وفي سنة 962م صار البابا إمبراطورًا رومانيًا مقدسًا. ولكن ماعرف بالإمبراطورية الرومانية المقدسة كانت صغيرة وضعيفة واشتملت على ألمانيا وإيطاليا الشمالية فقط. وحاول دوقات ألمانيا، في وقت لاحق، السيطرة ثانية على ممالكهم، وبالتالي فقد كانت الإمبراطورية تنقسم بشكل متواصل بسبب الحروب الدائرة. ولم تحقق ألمانيا ولا إيطاليا وحدة لأراضيها حتى القرن التاسع عشر الميلادي.