بين توماس (1737 - 1809م). كاتب نشرات حماسي شهير في السياسة والدين. إنجليزي المولد، أمريكي الجنسية. أثرت كتاباته تأثيرًا بالغًا في الفكر السياسي لقادة الثورة الأمريكية. أصبح شخصية معروفة في باريس أثناء الثورة الفرنسية. قال عنه الرئيس الأمريكي جون آدمز عام 1806م: "لا أعرف أي رجل في العالم كان له تأثير على سكان المعمورة أو شؤونها للثلاثين سنة الأخيرة أكثر من توماس بين".

ألهبت أفكار وشخصية بين مشاعر قوية في نفوس من كانوا حوله. فقد أحبه بعضهم كثيرًا، وأبغضه آخرون بنفس القدر. غير أن عددًا من المؤرخين يعتبرون بين بطلاً. فعل الكثير من أجل أمريكا دون أن يسأل مكافأة. وعبَّر بوضوح ودقة عن أفكار سياسية قبلها بعضهم وساندها عند الضرورة، لحد الموت. ومع ذلك مات منبوذًا في المجتمع.


حياته المبكرة. ولد بين في ثيتفورد بإنجلترا لأسرة فقيرة، مما جعل حظه في الدراسة محدودًا. بدأ عمله في الثالثة عشرة من عمره. وفي التاسعة عشرة من عمره، ارتاد البحر لفترة وجيزة. وفيما بعد اشتغل محصلاً جمركيًا في لندن، غير أنه فُصل من العمل. تزوج بعد وفاة زوجته الأولى، ولكنه فُصل قانونيًا من زوجته الثانية. وفي عام 1774م، كان بين وحيدًا وفقيرًا. غير أنه حظي بصداقة بنجامين فرانكلين الذي كان حينها في لندن، ونصحه بالذهاب إلى أمريكا.


الثائر الأمريكي. وصل بين إلى أمريكا ومعه رسائل توصية من فرانكلين. وسرعان ما أصبح بين محررًا مشاركًا في مجلة بنسلفانيا، ثم بدأ يعمل من أجل قضية الاستقلال. وفي عام 1776م، نشر مذكرته الفطرة السوية وهي طرح ذكي لقضية المستوطنين الأوائل. وقد طالبت هذه المذكرة بالاستقلال الكامل عن بريطانيا وبإنشاء اتحاد فيدرالي قوي. كما احتوت المذكرة أيضًا على هجوم بارع على فكرة الملكية والمكانة الموروثة. وأكد بين أن الثورة الأمريكية سوف تمثل بداية عهد جديد في تاريخ العالم. وقد قرأ تلك المذكرة جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وآخرون من القادة المستعمرين ونالت استحسانهم، كما قرأها مئات الآلاف من المواطنين الأمريكيين العاديين. وبذلك حققت مذكرة الفطرة السوية أوسع انتشار تحققه مذكرة في التاريخ الأمريكي حتى ذلك الحين. وفي عام 1776م، أتبع بين الفطرة السوية بسلسلة من المذكرات تحت عنوان الأزمة. وقد استهل أولى تلك المذكرات بما يلي "تلك هي الأَزمة التي تمتحن نفوس الرجال. إن جندي الصيف وبطل الشمس المشرقة سرعان ما يتواريان في تلك الأزمنة عن خدمة بلادهما... فالاستبداد كالجحيم تمامًا، ليس من اليسير التغلب عليه". وقد أمر واشنطن بأن تقرأ المذكرة بصوت عالٍ على جنوده. لقد ألهبت كلمات بين الجريئة الواضحة مشاعر الجيش الأمريكي في أحلك أيام الحرب.

عمل بين جنديًا في عام 1776م، كما انضم إلى مجموعة من البنسلفانيين لوضع دستور ديمقراطي للولاية. وفي أبريل من عام 1777م، أصبح سكرتيرًا للجنة الكونجرس للشؤون الخارجية. غير أن أمانة بين في فضح الممارسات المريبة لمندوب أمريكا في فرنسا، سلاس دين، قد جلبت له الأعداء، وبذلك أُجبر على الاستقالة من منصبه.


الثائر الفرنسي. سافر بين إلى فرنسا عام 1787م، ثم إلى إنجلترا، وخلال وجوده في إنجلترا عامي 1791 و1792م، نشر مذكرته الشهيرة حقوق الإنسان التي كان يرد فيها على هجوم أدموند بروك على الثورة الفرنسية. غير أن حكومة وليم بت حظرت هذا العمل، وأجرت لبين محاكمة بتهمة الخيانة، وأدين إثرها في ديسمبر 1792م، غير أن بين كان قد عاد إلى فرنسا.

وفي 26 أغسطس 1792م، منح مجلس النواب الوطني الفرنسي بين الجنسية الفرنسية، ليصبح بعد ذلك عضوًا في الجمعية الوطنية. غير أن أصدقاءه، وهم أعضاء يطلق عليهم الجيرونديون، فقدوا القوة في الجمعية، ففصل منها، وحرم من جنسيته الفرنسية، وسجن لأكثر من عشرة شهور. انظر: الجيرونديون. غير أن الوزير الأمريكي جيمس مونرو اعترف به مواطنًا أمريكيًا وأطلق سراحه.

وخلال وجوده في السجن، كتب بين عصر العقل معبرًا فيه عن أفكاره حول الدين، وقد سماه معظم الناس إنجيل الإلحاد. وبدأه قائلا: "إنني أومن بإله واحد، لا أكثر، وأتطلع إلى سعادة في حياة بعد هذه الحياة". اختلف بين مع عدد من التعاليم الكنسية الراسخة، ورأى في الكنائس الأوروبية القائمة عوائق كأداء في سبيل التغيير الاجتماعي.

في عام 1802م، رتَّب الرئيس توماس جيفرسون لبين عودة إلى الولايات المتحدة. فوجد بين الناس من يتذكرونه بسبب أفكاره عن الدين أكثر مما يتذكرونه بسبب الخدمات التي قدمها للثورة الأمريكية. وفي آخر سني حياته مرض ومات بنيويورك ودُفن فيها.