عُصبة الأمم رابطة دولية أنشئت للحفاظ على السلام بين أمم العالم. صاغت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وتضم فرنسا وإنجلترا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة، ميثاق (دستور) العصبة في عام 1919م. وتأسست العصبة في يناير عام 1920م، واتخذت من جنيف بسويسرا مقرًا لها. كان ودرو ولسون رئيس الولايات المتحدة المخطِّط الرئيسي للعصبة، ولكنه لم يتمكن من إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بالانضمام إليها. انحلت العصبة في أبريل عام 1946م، وحلّت محلها الأمم المتحدة.

كان ولسون يعتقد أن الحروب العالمية ستستمر مادامت كل أمة ستكون مسؤولة عن الدفاع عن نفسها. وفي ظل هذا الوضع تقوم الأمم بتشكيل مجموعات متنافسة، تتسلّح كل منها ضد الأخرى. كان ولسون يريد لأمم العالم أن تشترك في عصبة الأمم وأن تتعهد بالدفاع عن أرض واستقلال أي دولة عضو تهاجمها دولة أخرى. وكان يعتقد أنه حتى الأمم القوية لن تُقدم على الحرب إذا عرفت أنها ستواجه مقاومة موحدة مؤلفة من جميع الدول القوية الأخرى.

أفلح ولسون في جعل دول أخرى توافق على خططه الخاصة بالعصبة، ولكنه اختلف هو وأعضاء مجلس الشيوخ حول شروط انضمام الولايات المتحدة. وفي عام 1920م رفض مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة المعاهدة التي كانت ستجعلها عضوًا. وفي غضون بضع سنوات قرر الأمريكيون أنه لا حاجة لإشغال أنفسهم بالصراعات فيما وراء البحار. ولم تنضم الولايات المتحدة إلي عصبة الأمم مطلقًا.
ميثاق العصبة. ضم الميثاق مواد تلزم الدول الأعضاء بالمحافظة على استقلال وأرض جميع الأعضاء ضد الاعتداء. وقد اتفقت الدول الأعضاء على إحالة أية نزاعات يمكن أن تؤدي إلى الحرب إما إلى التحكيم (وهو قرار صادر عن طرف ثالث) أو إلى تحقيق يجريه مجلس العصبة. وقد تعاهدت على عدم شن حرب على أي من الدول الأعضاء التي توافق على توصيات مجلس التحكيم أو مجلس العصبة. وإذا شن أي من هذه الدول حربًا خلافًا لأي من هذه المواد، فقد اتفقت الدول الأعضاء على تطبيق العقوبات الاقتصادية، مثل وقف التعامل التجاري مع الدولة المعتدية. وإذا طلب منها مجلس العصبة، فسوف تقوم باستخدام القوة العسكرية ضد تلك الدولة.


المجلس. الجهة الرئيسية للحفاظ على السلام. وقد تراوح حجمه بين ثمانية أعضاء و 14 عضوًا خلال تاريخ العصبة. كان للدول الأعضاء الأكثر قوة في العصبة مقاعد دائمة في المجلس؛ حيث كانت فرنسا وألمانيا، وإنجلترا والاتحاد السوفييتي (السابق) تتمتع بمقاعد دائمة خلال سنوات عضويتهم في العصبة. أما بقية المقاعد فكانت بالتناوب بين الدول الصغيرة في العصبة.


الجمعية. تتألف من جميع الدول الأعضاء، لكل دولة عضو صوتٌ واحدٌ. وكانت الجمعية تراقب ميزانية العصبة، وتوافق على قبول أعضاء جدد، وتنتخب أعضاء المجلس المؤقتين، وتجري التعديلات على الميثاق. وبالنسبة لهذه الأمور فإن بإمكان الجمعية اتخاذ قرار بغالبية ثلثي الأصوات.


الأمانة. توفّر الجهاز الإداري، وهناك أمين يرشحه المجلس وتوافق عليه الجمعية، ويرأس جهازًا من الموظفين يبلغ عددهم 60IMG موظف. يساعد هؤلاء الموظفون في عمل العصبة في حفظ السلام، ويوفرون الموظفين لمهام الدراسات الخاصة بنزع السلاح وشؤون المستعمرات. كانت الأمانة توفّر الموظفين لمختلف المنظمات الدولية التي تؤسسها العصبة لتعزيز التعاون في مجال التجارة الدولية، والتمويل، والنقل، والاتصالات والصحة والعلوم.


عمل العصبة
كان ولسون وبقية السياسيين الذين أسسوا العصبة، يأملون أنها ستقود الأمم إلى الامتناع عن طلب الحماية عن طريق حلفاء خاصين. وكانوا يحبّذون بدلاً من ذلك إقامة نظام للأمن الجماعي، يتم فيه ضمان أمن كل دولة من الدول الأعضاء بحماية الجميع. ومن أجل أن ينجح الأمن الجماعي كان من الضروري أن تسارع جميع الدول الأعضاء، وخاصة الأقوى بينها، إلى نجدة أي دولة عضو تواجه اعتداء. لم يكن المجلس ولا الجمعية ليستطيعا إجبار الأعضاء على تقديم العون للدولة التي يقع الاعتداء عليها؛ إذ إن هذا العمل يجب أن يكون طوعيًا، وكان على كل دولة أن تعتقد أن تهديد أمن أي دولة، حتى ولوكانت دولة صغيرة نائية، هو تهديد لأمنها.


الخلاف بين الدول الأعضاء. لم تتفق الدول الأقوى على أن الأمن الجماعي هو الهدف الرئيسي للعصبة، فقد رأت فرنسا في العصبة أداة رئيسية للمحافظة على التسوية الإقليمية المفروضة على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. وقد استاء الألمان من العصبة؛ لأنهم شعروا أن هذا هو الهدف الحقيقي. أما القادة البريطانيون فقد اعتبروها ملتقى للأمم القوية، لكي تتشاور في حال حدوث تهديد للسلام. لكنهم لم يكونوا يريدون الالتزام مقدَّمًا بفعل أي شيء نتيجة لمثل هذه المحادثات. واعتقد الاتحاد السوفييتي أن العصبة كانت خدعة استعمارية؛ لأن الشيوعية كانت تعلم أن الحرب حتمية بين الدول الرأسمالية. أما اليابان وإيطاليا فقد أظهرتا ازدراءهما للأمن الجماعي، وذلك بمهاجمتهما الدول الأعضاء.

انسحبت اليابان من العصبة عام 1933م، لأنها رفضت الاعتراف باستيلائها على منشوريا. أما ألمانيا التي تم قبول عضويتها في العصبة عام 1926م، فقد انسحبت عام 1933م؛ لأن العصبة لم تغير قيود التسليح المفروضة على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وقد انسحبت إيطاليا من العصبة عام 1937م لتنضم إلى اليابان وألمانيا في التحالف ضد الاتحاد السوفييتي الذي انضم إلى العصبة عام 1934م، وطرد عام 1939م لمهاجمته فنلندا.


لماذا أخفقت العصبة. أخفقت العصبة بصورة واضحة، وقد اتضح ذلك، عندما هاجمت إيطاليا إثيوبيا في أكتوبر عام 1935م، وأعلن المجلس أن إيطاليا خرقت الميثاق. وقد ألزم هذا الإجراء الدول الأعضاء في العصبة بتطبيق العقوبات الاقتصادية وبدراسة استخدام القوة ضد إيطاليا. وافقت الدول الأعضاء في العصبة بتطبيق العقوبات الاقتصادية، بوقف جميع الواردات من إيطاليا ومنع إرسال الأموال والمعدات العسكرية إليها. لكن الولايات المتحدة واليابان وألمانيا لم تكن أعضاء في العصبة ولذلك فإن جماعة القوة الساحقة التي كان ولسون يفكّر في استخدامها ضد المعتدي انخفضت إلى ثلاث دول هي فرنسا وإنجلترا والاتحاد السوفييتي، أما بقية الدول الأعضاء في العصبة فلم تكن تملك القوة الكافية للتأثير في السياسة الإيطالية. وحتى في هذه الحالة كانت فرنسا وإنجلترا والاتحاد السوفييتي تملك القدرة على إيقاف الهجوم الإيطالي لو أنها كانت يدًا واحدة وتملك التصميم على فعل ذلك.

لكن إنجلترا وفرنسا لم تكونا راغبتين في استخدام القوة أو اتخاذ إجراءات قد تؤدّي إلى الحرب، حتى إنهما أخفقتا في استخدام الإجراءات الاقتصادية، مثل فرض حظر على النفط، الأمر الذي كان سيلحق ضررًا بالغًا بجهود الحرب الإيطالية. وبحلول مايو عام 1936م، كانت إيطاليا قد استولت على إثيوبيا. وقد ألغت العصبة عقوباتها في شهر يوليو.

كانت السياسة الفرنسية السبب الرئيسي وراء فشل عصبة الأمم. ولعل إنجلترا والاتحاد السوفييتي كانتا ستتخذان إجراءات أقوى ضد إيطاليا لو أن فرنسا أيدتهما. ولكن فرنسا كانت تخشى قيام حرب أخرى مع ألمانيا، وكانت تريد من إيطاليا أن تكون حليفتها، ولم يكن معقولاً بالنسبة للزعماء الفرنسيين أن يخسروا صداقة إيطاليا لمجرد حماية استقلال إثيوبيا. لقد أضعفت القضية الإثيوبية الثقة بالعصبة باعتبارها أداة لحفظ السلام.