العشرينيات الصاخبة اسم أطلق على الفترة من 1920م حتى 1930م في الولايات المتحدة وكثير من أقطار أوروبا حيث ارتبطت هذه الفترة أساسًا بحدوث تغيرات اقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية وتغيرات اجتماعية شاملة في معظم الأقطار الأوروبية. وقد سُميت كذلك عصر الجاز وعقد الدولار.

أدى التوسع الاقتصادي في الولايات المتحدة في العشرينيات من القرن العشرين إلى تحقيق أرباح هائلة في قطاعات الأعمال، خاصة في القطاع الصناعي، مما أدى إلى رفع مستوى المعيشة للعديد من الناس في العديد من الدول. وازداد الدخل الوطني الإجمالي مثلاً في الولايات المتحدة 40% خلال الفترة بين 1922م و1929م فارتفع من حوالي 61 بليون دولار سنويًا إلى 87 بليون دولار. ولقد أدى استخدام الآلات في الزراعة والصناعة إلى إنتاج بضائع بأسعار منخفضة. كما نزح كثير من سكان المناطق الزراعية إلى المدن. توسعت كثير من الصناعات الجديدة الرئيسية خلال العشرينيات من القرن العشرين فقامت حملة إعلامية موسعة لترويج السيارات والهواتف والأدوات المنزلية ممّا جعل مبيعاتها تزداد بشكل كبير. وشجعت التسهيلات الائتمانية وبرامج الشراء بالتقسيط مشترين جددًا. فقد قفز رقم مبيعات السيارات مثلاً من أقل من سبعة ملايين سيارة عام 1919م إلى حوالي 23 مليون سيارة بحلول عام 1929م. وزاد حجم مبيعات أجهزة الراديو من 60 مليون دولار عام 1922م إلى حوالي 850 مليون دولار بحلول عام 1929م.

واشترى كثير من الناس أسهمًا وسندات. وكانوا يشترونها في الغالب على أساس هامش ضمان (بأموال تقترض أساسًا من السماسرة). وكذلك تدرجت أسعار الأسهم منذ بداية العشرينيات صعودًا إلا أنها قفزت قفزة كبيرة في عامي 1927م و 1928م؛ فقد تضاعف متوسط سعر السهم في بورصة نيويورك ثلاث مرات تقريبًا خلال الفترة من 1925حتى 1929م.

وقد أدت تغيرات نظرة المجتمع الأمريكي إلى العلاقات الخارجية، والعلاقات الاجتماعية، والترفيه إلى ثورة في الحياة الأمريكية خلال تلك العشرينيات. فبعد الحرب العالمية الأولى طالب كثير من الأمريكيين بأن تبقى الولايات المتحده بعيدًا عن الشؤون السياسية الأوروبية في المستقبل. ولقد رفض مجلس الشيوخ إجازة معاهدة فرساي التي أنهت الحرب مع ألمانيا. وبموجب تلك المعاهدة أقيمت عصبة الأمم، وقد احتج بعض الشيوخ بأن عضوية أمريكا في عصبة الأمم قد تجرها إلى مشاكل الحروب الأوروبية في المستقبل.

وعلى عكس ما هو قائم في الولايات المتحدة فإن التجارة الدولية والاقتصاد الأوروبي عانيا تراجعًا كثيرًا بعد الحرب العالمية الأولى. فبعد أن كانت الدول الأوروبية دولاً تقرض الأموال من أجل تطور رأس المال (المنتج للدخل) أصبحت دولاً مقترضة من الولايات المتحدة. وفي نفس الوقت فإن الرسوم العالية التي فرضتها الولايات المتحدة ودول أخرى لحماية منتجاتها أضرّت بالتجارة الدولية. تعرضت بريطانيا وألمانيا إلى بطالة حادّة. كما أدّت نسبة التضخم العالية في ألمانيا إلى عدم الاستقرار. وفي بريطانيا عبر الإضراب العام الذي حدث عام 1926م عن درجة استياء العمال في بريطانيا من ظروف عملهم السيئة.

وفي دول أخرى كفرنسا وإيطاليا، اتجه العمال إلى بعض الحركات السياسية رغبة في تحسين أوضاعهم الاجتماعية، وقد اعتنق بعضهم حركات اشتراكية في حين تبنى آخرون الأفكار الشيوعية. إلا أن الاتحاد السوفييتي آنذاك المنشغل بمشاكله الاقتصادية العميقة، قد تراجع عن فكرة الشيوعية الداعية إلى فرض التأميم الكامل لوسائل الإنتاج (أي الصناعة والأرض) وقدم للعالم سياسة اقتصادية جديدة في عهد لينين في بداية عشرينيات القرن العشرين. ووفقًا للسياسة الاقتصادية الجديدة أصبح بوسع الفلاحين بيع منتجاتهم في الأسواق الحرة، كما أصبح بإمكان صغار المحلات أن تتاجر بحرية. وقد أدت هذه السياسة الاقتصادية إلى شيء من التحسن الاقتصادي في البلاد، إلا أن ستالين جاء فأعاد الاتحاد السوفييتي إلى السيطرة الحكومية الشديدة.

أما اليابان التي كانت حليفة المملكة المتحدة في الحرب العالمية الأولى فقد دخلت أسواقًا جديدة بمنتجاتها، وبدأ نجمها في الصعود باعتبارها قوة صناعية عالمية. مع أنها تأثرت بعض الشيء بزلزال طوكيو عام 1923م وبالهلع الاقتصادي عام 1927م.

أدى تحفظ الولايات المتحدة من الغوص في الشؤون الدولية والبعد عن التأثير الخارجي، إلى شيء من التخوف عرف في أمريكا بالخوف الأحمر. وصار كثير من الأمريكيين يفسرون ما تقوم به اتحادات العمال من احتجاجات وما يظهر في البلاد من رفض لبعض الأوضاع الاجتماعية بأن وراءه مؤامرة شيوعية.

في سنة 1920م طبّق التعديل الثامن عشر للدستور الأمريكي. وجاء في ذلك التعديل حَظْر صناعة المشروبات الكحولية وبيعها. إلا أن معارضة ذلك القانون أصبحت في وقت وجيز شعارًا سائدًا في ذلك الوقت. وقد أصبح الآلاف من الأمريكيين يصنعون خمورهم في منازلهم. كما تكونت عصابات تهرِّب المشروبات الكحولية من كندا وتبيعها بطريقة غير مشروعة للحانات المحظورة والمعروفة باسم بيوت الخمر، وترشو غالبًا رجال الأمن حتى لا يتدخلوا. وقد قتل أكثر من 50IMG فرد ينتمون إلى تلك العصابات في حروب نشبت بينها في سبيل السيطرة على تجارة المشروبات الكحولية.

وفي أوروبا خشي كثير من الناس الانهيار الخُلُقي التام في المجتمعات الأوروبية. فقد كانت النساء قبل الحرب العالمية الأولى يطلن شعر الرأس ويلبسن ملابس طويلة تصل إلى الكعبين وجوارب قطن طويلة. ولكن تغير الحال بعد الحرب فأصبحن يلبسن ملابس ضيقة قصيرة وجوارب حرير إلى حد الكاحل. وتخلت النساء الأوروبيات عن لبس مشدات الخصر، ووصل الأمر ببعضهن إلى لبس البنطلون (السروال). وانتشرت بين النساء في القارتين موضة الشعر القصير، كما هو الحال عند الرجال وقد عُرفت بقصّة البوب.كما صارت النساء يضعن أحمر الشفاه اللامع ويكثرن من المساحيق. وصار الرجل والمرأة يرقصان على أنغام موسيقى الجاز. وباختصار فقد عاشت النساء في الولايات المتحدة وبريطانيا ما يمكن أن يوصف بعصر الفتاة المراهقة.

وقد عزت إحدى المجلات المشهورة في فرنسا المشاكل الاقتصادية هناك إلى ما عرف بجنون الرقص في فرنسا، وقالت: إن سبب تعطيل إعادة بناء ما أفسدته الحرب في فرنسا يعود إلى انشغال الفرنسيين بالرقص لا بالعمل. وبدأت الشابات في فرنسا وإيطاليا يخرجن بمفردهن ويخالطن الشباب وتتم خطوبتهن بدون مشاورة الوالدين. وأصبح الجنس موضوعًا شائعًا في المؤلفات الأدبية الشعبية. وقد انتشرت نظريات فرويد في التحليل النفسي من النمسا إلى الدول الأخرى.

هاجم الروائي الشهير سنكلير لويس الذي وُلد في مدينة صغيرة في ولاية مينيسوتا، في روايته الشارع العام ما اعتبره حياة الملل، وما يتصف به سكان المدن الصغيرة من ضيق أفق. وقد عاش هذه الحقبة العديد من الكُتَّاب الأمريكيين مثل سكوت فيتزجيرالد، وإرنست همنجواي في باريس. وعكسوا في بعض أعمالهم آراء وتجارب ما عرف بعصر الجيل الضائع.

وبحلول عام 1929م أصبح الاقتصاد الأمريكي في وضع سيء بالرغم من الارتفاع الكبير في أسعار الأسهم. فقد انهارت أسعار المزارع وانخفضت أرباحها انخفاضًا شديدًا. وارتفعت كميات المنتجات الصناعية أربعة أضعاف الأجور تقريبآً. وصار العديد من العمال والمزارعين فقراء.

وفي أكتوبر عام 1929م توقفت المقولة الخادعة بأن أمريكا تعيش رخاء لاينتهي، وبدأ الذعر يعم سوق الأوراق المالية، فانخفضت الأسعار بحلول منتصف نوفمبر أكثر من 40% ثم تلا ذلك الكساد العظيم، كساد الثلاثينيات من القرن العشرين. قد كان ذلك كله ثمن سوء التقدير والاعتقاد بأن أمريكا تعيش رخاءً لا نهاية له أوحت به فترة العشرينيات الصاخبة.

كانت أوروبا تعتمد على الاستثمارات الأمريكية وتأثرت بما يدور في أمريكا خلال فترة العشرينيات الصاخبة تأثرًا جعل أوروبا لا تستطيع تجنب الآثار السلبية للمشاكل الاقتصادية التي حدثت في أمريكا.