قسم مؤرخو العرب الأوائل العرب إلى ثلاثة أقسام هي: العرب البائدة والعرب العاربة والعرب المستعربة.



العرب البائدة. يراد بالعرب البائدة تلك القبائل العربية التي كانت تعيش في الجزيرة العربية منذ أقدم العصور، ثم اندثرت لسبب من الأسباب. وقد اشتهرت من بينها أمتان جاء ذكرهما في القرآن الكريم عدة مرات، وقصّ علينا القرآن الكريم أن هاتين الأمتين ـ وهما عاد وثمود ـ قد أهلكهما الله سبحانه وتعالى، فاندثرت عاد بعد أن أرسل الله عز وجلّ عليها ريحًا صرصرًا عاتية، استمرت سبع ليال وثمانية أيام حسوما، وبذلك فني معظمهم بعد تلك الأعاصير التي أرسلها الله عليهم بسبب كفرهم. ولم يبق من هؤلاء سوى من نجىّ الله كما جاء في قوله تعالى: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودًا والذين آمنوا معه برحمة منّا، ونجيناهم من عذاب غليظ﴾ هود: 58. وبسبب ذلك العذاب اندثرت عادٌ إلا من آمن فإنه بقي وانتشر في أنحاء مختلفة من الجزيرة العربية.

أما ثمود فقد أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم رسوله صالحًا عليه السلام، ولكنهم كفروا بما بلغهم به من آيات الله، فأهلكهم الله بالطاغية واندثروا في الجزيرة العربية.

وبالإضافة إلى هاتين المجموعتين، هناك قبائل أخرى من العرب البائدة هي طَسَم وجَدِيس والعماليق وجُرْهم الأولى وغيرها، وكل هذه القبائل لم تبق منها بقية في الجزيرة العربية، ومن بقي منها انتشر في البلاد دون أن يبقى له أثر.


العرب العاربة. تنتمي العرب العاربة إلى يعرب بن قحطان، وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم مؤرخو العرب القحطانيين، كما سمّوهم أيضا اليمنيين أو عرب الجنوب. وكان موطنهم الأصلي في جنوبي الجزيرة العربية، ولكن لظروف مختلفة ـ منها الجفاف وانهيار سد مأرب والبحث عن مكان أفضل ـ هاجر كثير من قبائلهم إلى أنحاء مختلفة من شبه الجزيرة. ومن أهم فروعهم الرئيسية حِمْير وكهلان، وهما أبناء يعرب بن قحطان. ومن هذه الفروع الرئيسية تفرعت سائر القبائل اليمنية مثل حِمْير وطَيِّء وجُهينة وبلي وغيرها من القبائل اليمنية الأخرى.



العرب المستعربة. ظهرت العرب المستعربة عندما رحل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى مكة المكرمة مع زوجته هاجر، وهناك وهبهما الله سيدنا إسماعيل عليه السلام. ولما كبر إسماعيل تزوج من العرب العاربة وهي جُرْهم الثانية، وسُمي نسله العرب المستعربة أو المتعرِّبة.

ويطلق على العرب المستعربة أيضًا العدنانيون والنزاريون والمعْديون، وكلها أسماء للدلالة عليها. ومن قبائلهم قريش وعبس وفزارة وربيعة ومُضَر وغيرها.

يرى بعض المؤرخين أن هناك صلة بين العرب البائدة وقدماء المصريين؛ ويتقصون ذلك التقارب في لغة قدماء المصريين واللغة العربية، إذ تتميز كل منهما بخصائص اللغات السامية. ونظرًا لوجود هذا التقارب بين خصائص اللغتين قيل إن بعض القبائل العربية البائدة وغيرها قد هاجرت في الماضى البعيد إلى مصر.

لم تتوقف رحلات العرب إلى مصر قبل الإسلام؛ إذ كانوا يقومون بها في تجاراتهم وتجوالهم وهجراتهم. ومن بين المشاهير الذين زاروا مصر قبل الإسلام الصحابي الجليل والقائد العربي الشهير عمرو بن العاص، الذي فتح مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وأخذ في نشر الدين الإسلامي مع إخوانه من المجاهدين.


حياة العرب قبل الإسلام. كان العرب قبل الإسلام يعبدون الأوثان، وكان لكل قبيلة صنم أو أكثر يعبدونه من دون الله، كما كانت هناك أعداد من الأوثان في مكة المكرمة حول الكعبة. وكانت قريش ترعى هذه الأصنام وتُبقي عليها؛ إذ كانت تتزعم الوثنية، كما كانت تتزعم الحركة التجارية. وكانت لها قوافل تجارية تعبر الجزيرة العربية شمالاً إلى الشام وجنوبًا إلى اليمن، وكانت راعية السلع التجارية بين المحيط الهندي والشعوب الأوروبية القديمة، وكان العرب يحبون الشعر ويتغنون به، فأقاموا له الأسواق الأدبية، والمنابر الخطابية. ويقال إنهم علَّقوا المعلقات السبع على أستار الكعبة اعترافًا بجودتها، وسموها المذهَّبات لأنها كتبت بماء الذهب على ماقِيل. ومع هذه النهضة الأدبية من شعر وخطابة إلا أن التعليم لم يكن منتشرًا بين الناس، وقل عدد الذين كانوا يعرفون الكتابة والقراءة باللغة العربية.



مدن الجزيرة العربية قبل الإسلام. لم يكن كل العرب يسكنون البادية كبدو رُحّل، بل كانت هناك بعض المدن التي أنشئت، وربما كانت أهم تلك المدن مكة المكرمة التي كانت تسكنها قريش، وهي قبيلة كان العرب يعترفون لها بمكانتها السامية بينهم. وكانت مكة أعظم المراكز التجارية في الحجاز. كما كانت مركزًا للوثنية والأصنام التي يعبدها العرب قبل الإسلام، هذا إضافة إلى وجود الكعبة المشرفة بها.

وكانت هناك يثرب (المدينة المنورة في الإسلام) التي كانت تسكنها قبيلتا الأوس والخزرج، وهما من القبائل اليمنية التي كانت قد نزحت من اليمن، وأقامت في يثرب نحو 30IMGم. ثم لجأت إلى هاتين القبيلتين ثلاث قبائل يهودية بعد أن طوردت من الإمبراطورية الرومانية، واستمر الحال كذلك حتى جاء الإسلام، فآمن به كل من الأوس والخزرج وكفر به اليهود، وتمت الوحدة بين الأوس والخزرج في ظل الإسلام.