بيت المال عند المسلمين، الدار التي يُحتفظ فيها بأموال الأمة التي للإمام التصرف فيها أو حيازتها لأهلها. وقد نشأ بيت المال منذ أيام النبي ³، فقد وضع على الأموال أمينًا. ووضع صاحب جزية وصاحب عُشْر وصاحب خراج وعامل زكاة وخارصًا (مخمِّنا) وعيّن خَزَنة وضرب المكاييل.

وفي عهد عمر رضي الله عنه دُوّنت الدواوين لاتساع رقعة الإسلام وكثرة الأمة وتشعب الاحتياجات. فوضع ديوان الأنساب، وديوان الجند، وديوان الجزية، وديوان الخراج، وديوان الصدقات.

وبعد انتشار الإسلام في الشام والعراق نشأ ديوان الاستيفاء وجباية الأموال. وكان ديوان الشام بالرومية وديوان العراق بالفارسية. نقل صالح بن عبد الرحمن أيام الحجاج ديوان العراق إلى العربية ليستغني عن خبرة ولغة غير المسلمين ولغاتهم. ونقل سليمان بن سعد ديوان الشام إلى العربية بتكلفة خراج الأردن سنةً (18,000 دينار). وبيت المال يكون حائزًا للمال الذي يُنفق على اجتهاد الإمام. ويكون حافظًا للأموال الأخرى حتى يظهر مستحقوها؛ كالصدقات والضالة وسهم ذوي القربى.


موارد بيت المال. أهم موارد بيت المال: الفيء، وخمس الغنيمة، والعُشور، والجزية والصدقات والخراج والمال الذي لا وارث له والمصادر العامة (المعادن ونحوها).

الفيء. ما حازه المسلمون من أموال الكفار دون قتال بأن تركه العدو فرارًا وخوفًا من لقاء المسلمين وقبل أن يوجف عليهم بخيل أو ركاب. وهو لعامة المسلمين يصرف باجتهاد الإمام ورأيه. ومثله ما حازه المسلمون بعد انجلاء الحرب قال تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم وماآتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ¦للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ¦والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ﴾ الحشر : 7- 9. قال عمر: ليس أحد إلا له في هذا المال حق.

خُمْس الغنيمة. الغنيمة هي ما حازه المسلمون من الكفار بعد قتال، ويكون أربعة أخماسه للغانمين وخمسه لله ورسوله. قال تعالى: ﴿واعلموا أَنَّما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول...﴾ الأنفال : 41 . يُصْرف خُمْس الرسول ³ أسهمًا لليتامى والمساكين ـ يحفظ لهم في بيت المال. وسهمان مفوض للإمام إنفاقهما وفق المصلحة.

العُشور ما يُؤخذ من تجار دار الحرب إذا مروا في بلاد الإسلام.

الجزية ما يؤخذ من النصارى واليهود والمجوس وأشباههم من مال مقابل أمنهم والدفاع عنهم، في بلاد الإسلام. ويُؤخذ عليهم ألا يمسّوا المسلمين في دينهم أو عرضهم أو أمنهم وتؤخذ على الرؤوس حسب الحال من غني أو فقير ويُعفى الصغير والمجنون والمرأة والقسيس. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ التوبة: 29 .

وتُصرف الجزية في مصارف الفيء على اجتهاد الإمام في مصالح الأمة وتسقط بإسلام صاحبها.

الصدقات. الصدقات جمع صدقة بالمعنى الأعم. وهي ما يخرجه المسلم من مال أو ما يصير إلى مال قصد الطاعة والثواب. وهي نوعان واجبة ومندوبة. الواجب منها يعبر عنه بلفظ صدقة وكذا بلفظ زكاة. والمندوب منها يعبر عنه بلفظ صدقة فقط ولا يعبر عنه بلفظ زكاة. والزكوات الواجبة على قسمين: صدقة المال الباطن ـ النقود ـ ينفرد أصحابها بإخراجها وصدقة المال الظاهر ـ كالماشية والزروع ـ من حقوق بيت المال ـ عند الحنفيّة ـ تصرف على اجتهاد الإمام ورأيه. وقد حُددت مصارف الزكاة في الآية الكريمة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ التوبة: 60 .

الخَراج اسم للكراء والغلّة. ومنه الحديث (الخراج بالضمان). أخرجه أبو داود. والخراج هو المال الذي يؤخذ من الكفار ـ ولا يسقط بإسلامهم ـ مرتبًا على رقاب الأرض أجرًا ومنفعة أو مقاسمة للخارج منها. والأرض أربعة أقسام: ما أحياه المسلمون فهو أرض زكاة. وما أسلم عليه أهله فهو أرض زكاة. وما استولى عليه المسلمون عنوة فهو غنيمة ويكون عُشْريًا ـ زكويًا ـ وقال مالك: يكون فيئًا وفيه الخراج، وما صولح عليه المشركون فإن خرجوا منها فهي وقف للمسلمين، وإن أُقِرُّوا فيها تكون خراجية. ويُراعى في وضع الخراج ما تحمله الأرض من حيث جودتها وخصوبتها، ومن حيث نوع الزرع غلاءً ورخصًا، ومن حيث السقي عناءً وتكاليف أو بغير عناء وكلفة. والأراضي الواسعة التي غنمت بعد قتال جعلها عمر من الفيء وضرب عليها الخراج ووافقه الصحابة، مثل سواد العراق.

ما لا وارث له. إذا مات إنسان ولا وارث معروفًا له، وكذلك كل مال لم يعرف مالكه فبيت المال أولى به، لأن بيت المال ينفق على مَنْ لا يجد مَنْ ينفق عليه، فكذا يملك هذه الأموال. ومثل ذلك مال المرتد فهو فيء للمسلمين.

مصارف بيت المال. يُصْرف من بيت المال على جميع مصالح الأمة العامة والخاصة. العامة مثل حفر الترع والأقنية وإيصال الماء إلى الأرض الميتة، وبناء الجسور والقناطر وإنشاء الطرق وإصلاحها، وتسليح الجند وحماية الثغور وتحصينها وتعيين الأمراء والولاة والعمال والقضاة والمدرسين. والخاصة مثل الإنفاق على مَنْ انقطعت به السبل أو عجز عن العمل أو أصابته جائحة ذهبت بما يملك. وهناك العطاء المرتب للأفراد ولكنه يعم كل المسلمين. رتّب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكل مولود أعطية، وقدر الأعطيات وفق السبق في الإسلام ووفق البلاء في سبيل الله والقرب من رسول الله