عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (1293-1373هـ، 1876-1953م). عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى ابن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي. وينتهي نسبه إلى بكر ابن وائل من بني أسد بن ربيعة.


نشأته ومعالم شخصيته. ولد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في مدينة الرياض ونشأ تحت رعاية والده، ولما اشتد عوده تعلم مبادئ القراءة والكتابة على يد الشيخ القاضي عبدالله الخرجي من علماء الرياض، حيث عهد إليه الإمام عبد الرحمن بن فيصل بتعليم ابنه؛ فحفظ عبد العزيز بعضًا من سور القرآن المجيد، ثم قرأه كله على يد الشيخ محمد بن مصيبيح، كما درس جانبًا من أصول الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبدالله بن عبد اللطيف آل الشيخ الذي أعد لعبد العزيز كراسًا دينيًا جمع فيه بعض مسائل الفقه والتوحيد بالإضافة إلى المعارف الثقافية الأخرى التي اكتسبها بالخبرة والاحتكاك بالآخرين، خصوصًا ببعض العلوم العصرية التي استقاها من خلال المتابعة والمذاكرة والمناقشات.

ولع الملك عبد العزيز بالفروسية وركوب الخيل منذ صباه وعُرف عنه حركته الكثيرة وتنقله السريع، وكان حازمًا، ذكيًا متفوقًا على أترابه، شجاعًا جريئًا مقدامًا، يجمع في طبيعته روح الحرب وروح السلم، يعالج الأمور بحكمة وحنكة ودراية، ويتحلّى ببراعة سياسية لا يرقى الشك إليها، وكان يتمتع بخلق قويم وإرادة نافذة، بعيد المطامح، طويل الروّية. وظل يعتقد أن الاستعداد للأمر ودراسته هما الوسيلتان المثليان للنجاح؛ فهو جندي ظافر، تقي ورع، جواد سخي، مهذب لطيف المعشر ورقيق المعاملة في المجالات الاجتماعية.

مما لا شك فيه أن حياة التنقل مع والده بين مضارب البادية ـ بعد رحيلهما عن الرياض ـ قد أثّرت إلى حد بعيد في شخصيته، خاصة في مجال الحروب فقد تعوّد حياة البادية بما فيها من قساوة وشجاعة وأخلاق وتحمّل للمسؤولية، كما استفاد من إقامته في الكويت التي استقرت فيها الأسرة السعودية بعض الوقت عقب الجلاء عن الرياض على أثر سيطرة آل الرشيد على كل البلاد النجدية. انظر: الدولة السعودية الثالثة (آل سعود في الكويت). فكانت حياة عبد العزيز خليطًا من لوعة النزوح والتنقل وصرامة الحياة وقسوتها في ظل الهجرة والبعد عن الوطن الأم من جهة، وتجربة فقدان المُلْك والسيادة من جهة أخرى. ومرّ الملك عبد العزيز خلال إقامته في الكويت بتجربة سياسية كبيرة من خلال مجالسة الشيوخ والأمراء والحكام ورجال الدولة، وقد ظهر أثر ذلك في فكره السياسي ومقدرته السياسية وأدائه السياسي فيما بعد، وكان يحب سماع قصص البطولات والمعارك، والتعرُّف على سير الأبطال، وتاريخ أسرته خاصة تاريخ جده فيصل ابن تركي الذي عُرف بتدينه وفكره السياسي الرصين وشجاعته وحنكته السياسية وتجربته الكبيرة في مجال السياسة والحكم والإدارة. وهو يُعد من أقوى أئمة الدولة السعودية الثانية وأشهرهم، وهكذا نلاحظ أنه أخذ يهيئ نفسه لعمل كبير جدًا ألا وهو استعادة ملك أجداده المسلوب.



استرداد ملك الآباء والأجداد. يأتي مشروع توحيد البلاد العربية السعودية في مقدمة أعمال الملك عبد العزيز ومنجزاته؛ فقد حاول دخول الرياض عام 1318هـ، 1901م في الوقت الذي كان فيه الشيخ مبارك الصباح شيخ الكويت ومعه الإمام عبد الرحمن بن فيصل يحاربان ابن الرشيد في وقعة الصريف في 26 من ذي القعدة عام 1318هـ، 17 مارس 1901م. وقد انهزمت القوات الكويتية في تلك الوقعة وترتب على ذلك عدم تحقيق هدف الملك عبد العزيز آل سعود في استرداد الرياض من آل الرشيد عاصمة آبائه وأجداده.

حاول عبد العزيز استرداد الرياض مرة أخرى وذلك في عام 1319هـ، 1902م، وكانت هذه المحاولة أكثر رسوخًا وأدق تخطيطًا. وقد نجح الملك عبد العزيز هذه المرة واسترد الرياض من عجلان أمير آل الرشيد بعد قتله واستسلام الحامية الرشيدية في 5 شوال 1319هـ، 15 يناير 1902م، ونودي بأن الملك لله ثم لعبد العزيز آل سعود. وبهذا الحدث التاريخي بدأ ظهور الدولة السعودية الحديثة وقيامها وريثة شرعية للدولتين السعوديتين الأولى والثانية ومن ثم بدأ تاريخ الملك عبدالعزيز آل سعود كمؤسس أول وحقيقي لتلك الدولة.



المبايعة وتوحيد البلاد. تسلم الملك عبد العزيز مقاليد الحكم والإمامة بعد تنازل والده الإمام عبد الرحمن بن فيصل له عن الحكم والإمامة في اجتماع كبير عقد بالمسجد الكبير بالرياض بعد صلاة الجمعة عام 1320هـ، 1902م. وظل الأب يشرف على أعمال ابنه طوال حياته، وظل الابن يجل والده ويقدر آراءه ويحترمها.

شرع عبد العزيز يوحد مناطق نجد تدريجيًا فبدأ بتوحيد المناطق الواقعة جنوب الرياض بعد انتصاره على ابن الرشيد في بلدة الدلم القريبة من الخرج، فدانت له كل بلدان الجنوب؛ الخرج والحريق والحوطة والأفلاج وبلدان وادي الدواسر.

ثم توجه إلى منطقة الوشم وحارب ابن الرشيد وانتصر عليه، ودخل بلدة شقراء، ثم واصل زحفه صوب بلدة ثادق فدخلها أيضًا ثم توجه إلى منطقة سدير ودخل بلدة المجمعة. وبهذا الجهد العسكري تمكن الملك عبد العزيز من توحيد مناطق الوشم والمحمل وسدير وضمها إلى بوتقة الدولة السعودية الحديثة.

تابع الملك عبد العزيز مشروعه لتوحيد البلاد، فتمكن من توحيد منطقة القصيم وضمها إلى الدولة السعودية الناشئة بعد أن خاض مجموعة من الوقعات الحربية ضد ابن الرشيد وأنصاره العثمانيين؛ منها واقعة الفيضة في 18 ذي الحجة 1321هـ، 10مارس 1904م، والبكيرية في 1 ربيع الثاني 1322هـ، 1904م، والشنانة في 18 رجب 1322هـ، 1904م؛ وهي من المواقع الفاصلة في تاريخ البلاد، ووقعة روضة مهنا التي قتل فيها الأمير عبد العزيز آل الرشيد في 18 صفر من عام 1324هـ، 14 أبريل 1906م. ومثلت القصيم منطقة حيوية واستراتيجية للملك عبد العزيز آل سعود، خصوصًا في صراعه ضد ابن الرشيد بعد توقيع صلح بينه وبين متعب بن عبد العزيز آل الرشيد في أعقاب وقعة روضة مهنا، حيث اعترف الملك عبد العزيز لمتعب بن الرشيد بالإمارة على حائل ومنطقة جبل شمر. انظر: الدولة السعودية الثالثة.

استعاد الملك عبد العزيز آل سعود منطقة الأحساء بكاملها عام 1331هـ، 1913م قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، ورحّل الحاميات العثمانية التي كانت موجودة فيها إلى البصرة، وأقر العثمانيون بالأمر الواقع، وفاوضوا الملك عبد العزيز واعترفوا رسميًا به واليًا على نجد، ومتصرفًا على الأحساء، وأهدوه النيشان العثماني الأول ورتبة الوزارة في أواخر عام 1332هـ (أوائل عام 1914م)، ولقبوه بصاحب الدولة. إلا أن هذا الاتفاق وهذا التقارب العثماني تجاه الملك عبد العزيز لم يخرجا إلى حيّز التنفيذ بل ظلا مجرد حبر على ورق.

أفاد الملك عبد العزيز كثيرًا من عودة منطقة الأحساء إلى دولته؛ لأنه قد وسّع بذلك حدود دولته لتشمل جزءًا مهمًا من الجزيرة العربية يطل على ساحل الخليج العربي، وله أهميته السياسية والاقتصادية والتجارية. وغدا لدولته الناشئة منفذ بحري ممتاز أخرجها من عزلتها وانغلاقها داخل الأراضي النجدية، وأصبح الملك عبد العزيز وثيق الاتصال بالدول الكبرى، خصوصًا بريطانيا ذات السلطة والشأن في منطقة الخليج. ورغبت بريطانيا في دفع الملك عبد العزيز إلى الدخول في حرب ضد الدولة العثمانية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، لكنه حاول قدر استطاعته أن يظل على الحياد برغم موقفه المعادي للأتراك بسبب مساعدتهم وتشجيعهم لآل الرشيد، وبسبب الموقف العثماني العام المعادي للدولة السعودية في جميع أدوارها ومراحل حكمها.

جرت اتصالات رسمية بين الملك عبد العزيز وبعض المسؤولين البريطانيين في الخليج أمثال الكابتن شكسبير القنصل البريطاني في الخليج، والسير برسي كوكس؛ الذي وقع مع الملك عبد العزيز معاهدة في دارين بالقطيف عرفت بمعاهدة دارين عام 1334هـ، 1915م وذلك أثناء الحرب العالمية الأولى وقد ألغيت فيما بعد. وزار الملك عبد العزيز بعدها البصرة بدعوة من السير برسي كوكس فكانت أول زيارة يقوم بها الملك عبد العزيز خارج بلاده عام 1334هـ، 1915م، وقدم الملك عبد العزيز أثناءها تعازيه لشيخ الكويت جابر بن مبارك الصباح في وفاة أبيه الشيخ مبارك الصباح، وشارك في مؤتمر عقدته بريطانيا في الكويت في 23 محرم 1335هـ، 20 نوفمبر 1916م للتباحث في شأن الموقف العام للحرب العالمية الأولى. وفي أعقاب ذلك عقد مؤتمر في الرياض عام 1339هـ، 1920م حضره الأمراء والعلماء ورجال الدولة وشيوخ العشائر وغيرهم وقرروا فيه بالإجماع أن يكون لقب عبد العزيز الرسمي هو سلطان نجد وملحقاته.

وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى تمكّن سلطان نجد من استرجاع منطقة جبل شمّر بعد عدة مناوشات ووقعات خاضتها القوات السعودية ضد القوات الرشيدية، استسلمت بعدها مدينة حائل عاصمة الجبل في صفر من عام 1340هـ، 1921م، وعامل ابن سعود آل الرشيد معاملة كريمة تليق بمقامهم. كما تمكن السلطان عبد العزيز من ضم منطقة عسير إلى أجزاء دولته بعد حروب طويلة مع آل عائض حكام منطقة عسير، وكان ذلك عام 1338هـ، 1920م، وعامل عبد العزيز آل عائض ومن وقف معهم من الأهالي في عسير معاملة طيبة كعادته في معاملة خصومه بعد انكسارهم واستسلامهم، وتمكّن من توحيد إمارة الأدارسة وضمها إلى بوتقة دولته، وأصبحت جزءًا من الدولة السعودية الحديثة عام 1351هـ، 1932م. كما وحّد عبد العزيز منطقة الحجاز مع باقي مناطق الدولة السعودية الحديثة بعد معارك خاضتها القوات السعودية ضد قوات الأشراف ويأتي في مقدمة تلك المعارك معركة تُرُبة التي انكسرت فيها قوات الشريف حسين بن علي أمام القوات السعودية في ليلة 25 شعبان عام 1337هـ، 1919م. وتُعد بلدة تربة مفتاح الطريق إلى باقي المدن الحجازية. وقد تهلهل وضع قوات الشريف كثيرًا في أعقاب تلك الوقعة، ويسَّر ذلك عملية ضم مدينة الطائف ـ المدينة الحجازية الاستراتيجية ـ إلى الدولة السعودية عام 1343هـ، 1924م. بعد ذلك واصلت القوات السعودية زحفها نحو الهَدا واشتبكت هناك مع قوات الشريف في وقعة فاصلة، هي وقعة الهدا في 27 صفر عام 1343هـ، 1924م، وكانت نتائج تلك الوقعة وخيمة على قوات الشريف إذ أصبح الطريق إلى مكة المكرمة بعدها مفتوحًا أمام القوات السعودية، وتنازل بعدها الشريف حسين بن علي لابنه الشريف علي في 4 ربيع الأول 1343هـ، 1924م. واصل السعوديون زحفهم باتجاه مكة المكرمة فدخلوها سلمًا منكسي أسلحتهم وهم مُحْرِمون يتقدمهم عبد العزيز بملابس إحرامه وذلك في 17 ربيع الأول عام 1343هـ، 1924م، ثم توجهت القوات السعودية صوب ما تبقى من مدن الحجاز وموانئه، كميناء رابغ والقنفذة وينبع وغيرها، وقد استسلمت حامية المدينة المنورة في 19 جمادى الأولى عام 1344هـ، 1925م. وبضم هذه المدن في منطقة الحجاز، تمكّن السعوديون من تضييق الخناق على جدة مما اضطر معه الشريف علي بن الحسين إلى الاستسلام وطلب الصلح لمغادرة البلاد في الأول من جمادى الآخرة عام 1344هـ، 17 ديسمبر 1925م، وانتهى بذلك حكم الأشراف في الحجاز.