الدولة العباسية 132-656هـ، 750- 1258م). الدولة العباسية دولة إسلامية قامت بعد سقوط الدولة الأموية على يد العباسيين، وهم أسرة من الخلفاء تنتسب إلى العباس عم الرسول ³. توحدت صفوف الشيعة بعد مقتل الحسين بكربلاء تحت قيادة محمد بن علي بن أبي طالب ـ ابن الحنفية ـ وخلفه ابنه أبو هاشم. وعندما علم الخليفة هشام بن عبد الملك بدعوته السرية استدعاه وتظاهر بإكرامه، ويقال إنه دس له السم وهو في طريقه إلى الحميمة، وهي قرية صغيرة جنوبي فلسطين، كان يقيم بها ـ منفيًا ـ محمد بن علي بن أبي طالب. وعهد بالدعوة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قبل موته، وأفضى له بأسرار الدعوة. وبهذا انتقلت الدعوة الشيعية من الفرع العلويّ إلى الفرع العباسي.


البداية التاريخية. تركزت الدعوة العباسية في خراسان لعدة أسباب، من أبرزها: بُعدها عن العاصمة الأموية دمشق، وغلبة الروح العدائية فيها ضد الأمويين، وذلك لغلبة العنصر غير العربي فيها، وقد عانوا من مساوئ سياسة بعض الأمويين. وكانت موطن المقاتلة العرب الذين عبروا مرارًا عن تذمرهم من السياسة الأموية.
مرت الدعوة العباسية في طريقها لإسقاط الدولة الأموية بدورين،عرف الأول بدور الدعوة السرية، وعرف الثاني بدور الدعوة العلنية.

استمر الدور الأول من سنة 97 أو 98 أو 10IMGهـ حتى سنة 127هـ، 715، 716، 718م حتى سنة 744م. وكان مقر الدعوة قرية الحميمة، ونشاطها في الكوفة، ثم مرو عاصمة خراسان. وكان الدعاة في هذا الدور يجوبون خراسان للدعوة بحذر شديد في صورة تجار. ومن يكشف الولاة أمره ينكل به، ومن أشد الولاة عليهم أسد بن عبد الله القسري، الذي ولي خراسان مرتين: من سنة 106 - 109هـ، 724 - 727م، ثم من سنة 117 - 120هـ، 735 - 737م. ونكل بحركة خداش (عماربن يزيد) سنة 180هـ، 796م. وكان الدعاة يثيرون العصبية بين القبائل العربية ليقوى أمرهم.

توفي خلال هذا الدور إمام الدعوة محمد بن علي العباسي بالحميمة سنة 125هـ ، 743م. وعهد بأمر الدعوة إلى ابنه إبراهيم، الذي انتقلت في عهده الدعوة من السرية إلى العلنية. كما أوصى بكير بن ماهان قبل وفاته سنة 125 أو 126هـ، 743 أو 744م برئاسة الدعوة في الكوفة إلى أبي سلمة الخلال.

بدأ الدور الثاني بإرسال الإمام إبراهيم أبا مسلم الخراساني إلى مرو سنة 128هـ، 745 - 746م، حيث أعلن الثورة ضد الأمويين سنة 129هـ. وينتهي هذا الدور بإعلان أبي العباس عبدالله السفاح نفسه خليفة في مسجد الكوفة عام 132هـ، 749م، وعندئذ أعلنت الحركة السرية عن صبغتها العباسية، لأن الدعوة قبل ذلك كانت تحت شعار ¸ الرضا من آل البيت، أو الرضا من آل محمد· لكسب الشيعة العلويين.

ترأس الدعوة في الكوفة بين 98هـ - 10IMGهـ، 716 - 718م أربعة رجال مشهورون: بحير بن سلمة ثم أبو رباح ميسرة النبال ثم سالم بن بحير ثم بكير بن ماهان (أبوهاشم).

وقد نظم بكير الدعوة تنظيمًا محكمًا سنة 118هـ، 736م، فقسم الأتباع إلى اثني عشر نقيبًا يرأسهم شيخ النقباء والقائم بأمر خراسان سليمان بن كثير الخزاعي.

وكان أتباع الدعوة يدفعون الخُمس إلى الإمام ليقوم بواجبه، وينتهز بعض النقباء فرصة الحج ليلتقوا بالإمام للتشاور معه في أمور الدعوة وتسليم الخُمس والهدايا.

أدرك نصر بن سيار والي خراسان خطورة الدعوة العباسية في ولايته، فأرسل إلى الخليفة، مروان بن محمد كتابًا يكشف فيه عن قوة أبي مسلم وضعف الجند الأموي بخراسان.

واستفحل أمر الشيعة العلويين والعباسيين في الواحة وفارس وخراسان لبعدها عن دمشق، ولشعور أهلها بظلم الولاة، كما استفحل أمر الخوارج في الجزيرة وفلسطين وحضرموت واليمن. وقد أبدى مروان ضروبًا من الشجاعة والصبر والدهاء في تعامله مع أحداث عصره، ولكن العباسيين تمكنوا من الاستيلاء على الواحة والتقى جيشهم بقيادة عبدالله بن علي العباسي وجيش الأمويين بقيادة مروان عند نهر الفرات الأكبر، قرب الموصل، فاندحر مروان، وهرب إلى دمشق ولحق به العباسيون واستولوا على دمشق فهرب إلى مصر، فطاردوه إلى أن قتلوه في أبو صير بصعيد مصر.

انتقم العباسيون من الأمويين، ولم ينج من القتل سوى عبدالرحمن بن معاوية بن هشام الذي لجأ إلى الأندلس، وأقام بها دولة. وقامت بذلك الدولة العباسية التي توالى على السلطة بها خلفاء بلغ عددهم 37 خليفة كان من أبرزهم إسهامًا في بناء الدولة والحفاظ عليها السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والمأمون والمعتصم.

امتدت الخلافة العباسية إلى 524 سنة؛ قسمها المؤرخون إلى ثلاثة عصور ذات ملامح متباينة كما يلي:

أ- العصر العباسي الأول (132-232هـ)، كانت السلطة في أيدي الخلفاء.

ب- العصر العباسي الثاني (232-590هـ)، انتقلت السلطة السياسية إلى قوى أخرى مثل الأتراك (232- 334هـ)، والبويهيين (334 - 447هـ)، والسلاجقة (447 - 590هـ).

جـ- العصر العباسي الثالث (590 - 656هـ)، عادت السلطة إلى الخلفاء، ولكن في بغداد وما حولها دون سائر العالم الإسلامي.


مكانة الدولة العباسية في تاريخ الإسلام الحضاري. أسهمت الدولة العباسية إسهامًا كبيرًا في تاريخ الحضارة الإنسانية بعامة وتاريخ الحضارة الإسلامية بصفة خاصة. وكان أبرز مجالات هذا الإسهام مايلي:

1- استطاع العباسيون الحيلولة دون الخطر الصيني الطامع في المناطق الغربية للصين. وسادت علاقات وثيقة بعد ذلك بين الصين والعباسيين، وسلكت التجارة ذلك الطريق البري القديم المنحدر من الصين صوب الغرب، وتدفقت واردات الصين على العالم الإسلامي.

2- أتم العباسيون الفتح العربي الإسلامي في إقليم السند، ووطدوا النفوذ العربي الإسلامي هناك. وأتاحوا لتجارة الهند الدخول إلى أسواق العراق في طمأنينة، ومكنوا لثقافة الهند من أن تواكب التجارة وتمضي في إثرها. ونمت البحرية العربية الإسلامية في المحيط الهندي لتؤدي الدور نفسه الذي أدته البحرية الأموية في البحر الأبيض. وبدأت السفن العربية الإسلامية والبحارة العرب المسلمون يدخلون مياه جزر الهند الشرقية وجنوبي الصين. وأصبحت البصرة من أهم الموانئ العالمية؛ تتجمع فيها المراكب القادمة من الشرق الأقصى، وأفاد كثير من المسلمين من هذا التطور الجديد، إذ كونوا ثروات طائلة.

3- نجحت الدعوة إلى الإسلام وسط الإيرانيين والتركستانيين وسكان أقاليم السند ومصر والمغرب والأندلس، فأسهم مسلمو هذه المناطق في الحياة الاقتصادية، والفكرية، وبرع كثير من هؤلاء في مختلف العلوم الإسلامية العربية. وسيطروا على الجيش والإدارة، وقادوا معظم الحركات الاستقلالية في العصر العباسي الثاني.

4- شهد العصر العباسي الأول تطورًا اقتصاديًا هائلاً، وصل إلى القمة في القرن الثالث الهجري. فقد عملت الدولة العباسية على تحرير طبقة العمال والفلاحين من أغلال السياسة المالية الأموية. فتم الإعفاء من الجزية لمن أسلم، وأبيحت ملكية الأرض، وتخفف الناس من أعباء الضرائب وقلت الهجرة إلي المدينة فرارًا من كساد الريف. وفتح المجال أمام جميع أفراد الشعب للكسب الحلال، فنمت أرستقراطية جديدة من غير العرب، تمتعت بنفوذ اقتصادي كبير.

وشهد هذا العصر نشاطًا اقتصاديًا ملحوظًا في مجال الصناعة، فقد توفرت المادة الخام، واستطاع العباسيون استغلال مناجم الذهب والفضة والنحاس وفتحت الأسواق العالمية أبوابها للمصنوعات العباسية. ونمت الحياة المصرفية لخدمة التجارة وعرفت المصارف والصكوك (الشيكات) وعمليات التحويل المصرفية.

5- انفرد هذا العصر بتطور جديد في النظم الإسلامية. فقد اعتمدت الخلافة العباسية على نظرية الإمامة التي كانت محور الدعوة العباسية.

6- نمت في ظل الدولة العباسية المدارس الإقليمية. فتطورت حركة التدوين ـ تدوين التراث الإسلامي العربي كله ـ واكتسبت العلوم الإسلامية صفة الوضوح والأصالة والعمق، والإفادة من التراث البشري الإنساني القديم. واكتملت حركة الترجمة والتمثُّل والشرح لعلوم الأمم الأخرى كالإغريق والهنود والفرس والصينيين. وقام المسلمون غير العرب بدور بارز وفعال في هذه المجالات. فكان منهم أعلام مدارس العراق وإيران وغيرهما.