(398 - 547هـ، 1007 - 1152م). دولة بني حماد إحدى دول البربر في المغرب الأوسط، أقامها حماد بن بلكين الزيري، وتنسب إليه. يبدأ تاريخها الحقيقي حين اختط حماد القلعة. بيد أن العصر الذي استقرت فيه الدولة، بوصفها دولة ذات كيان سياسي محدد معترف به في المغرب العربي وغيره، يمتد من سنة 408 - 547هـ، 1017 - 1152م، إذ إن الفترة من 395هـ إلى 408هـ كانت فترة صراع من أجل إرساء دعائم الدولة الجديدة.

تعاقب على حكم هذه الدولة تسعة أمراء، اختلفوا قوة وضعفًا وأسلوب حكم، وكان آخرهم يحيى بن العزيز الحمّادي. وتمثل الدولة الحمّادية أول دولة بربرية مستقلة تحكم الجزائر في العصر الإسلامي. وخاض آل حمّاد حربًا مستمرة على زناتة، الذين كانوا يهددونهم من الغرب، وعلى بني زيري، الذين كانوا من قبل سادة على المغرب الأوسط، وقد خاضوا أخيرًا حربًا موصولة على العرب الهلالية منذ منتصف القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي. وهزم القائد ابن حماد ـ خليفة حماد ـ حمامة ابن معز بن زيري بن عطية، وأكره ابن عمه المعز بن باديس الزيري على عقد صلـــح معـــه عام 443هـ، 1051م. وحدث بعد ذلك أن قضى العرب الهلالية على سلطان بني زيري بالقيروان عام 443هـ، 1051م، ومن ثم تحققت سيادة بني حماد على المغرب. وأخمد بلكين بن محمد الخليفة الثاني للقائد فتنة قام بها بنو رُمَّان أصحاب بَسْكَرَة، ثم تغلغل في المغرب الأقصى، واستولى على مدينة فاس، وأخذ أعيانها رهائن، وقتله ابن عمه الناصر عند عودته من حملته.

كان عهد الناصر بن علناس (454 - 481هـ، 1062 - 1088) وعهد خليفته المنصور (481 - 498هـ، 1088 - 104 1) العصر الذهبي لدولة بني حمّاد. ونقل المنصور خليفة الناصر قاعدته إلى بجاية عام 483هـ، 1090م؛ لتجنب غزوات البدو التي تهدده في القلعة. وأوقف تقدم المرابطين، وهزم قائدهم ابن تومرت في جبل تسالة، وأخمد ثورات البربر. ولكن سلطان بني حمّاد أخذ في الاضمحلال في عصر العزيز خليفة المنصور (498 - 515هـ، 1104 - 1121م)؛ فقد غزا أهل جنوة بجاية، وعاود البربر إثارة الفتن، واستمر الهلالية في غزواتهم له. وغزا الموحدون آخر الأمر المغرب الأوسط على عهد عبدالمؤمن بن علي، وأسقطوا دولة بني حمّاد، وأسر السلطان الحمّادي، وتوفي بمراكش عام 558هـ، 1163م.


دور بني حمّاد في الحضارة الإسلامية

في مجال التعليم. كانت القلعة عامرة بكتاتيب تعليم الصبيان، وكان من معلميها البارزين أبو حفص العديري، ووُجِد لونٌ من التعليم الجامعي في المدن الكبرى، لا سيما بجاية. وأنشأ الناصر في بجاية معهد سيدي التواتي، الذي كان يضم ثلاثة آلاف طالب، وتدرّس فيه كل المواد بما في ذلك العلوم الفلكية. وخلال مؤتمر علمي ألقت طالبة من هذه الجامعة محاضرة دامت ثلاثة أيام حول بروج الشمس أمام مجموعة من العلماء الأجانب، وعرف علماء الجزائر يومذاك منزلة الاختصاص. كما عرفت المكتبات العامة، وكان بجامع المنار بالقلعة مكتبة مليئة بالكتب المجلوبة من أقطار المغرب، والمتلقاة عن أساتذة الجامعة. وكان يحاضر في جامعة سيدي التواتي علماء من الأندلس ومن إفريقيا والشرق خلال عهد العزيز. وغصت بجاية بطلاب العلم والعلماء، وارتحل إليها رجال علماء أمثال ابن حمديس الصقلي وأبي الفضل بن النحوي، وبرز الفقهاء والشعراء والمؤرخون والأطباء والرياضيون وغيرهم ببجاية والقلعة وطبنة والزاب والمسيلة بروزًا لم تعهده الجزائر من قبل. وقد أورد الغبريني في كتابه عنوان الدراية في علماء المائة السابعة ببجاية، ما ينيف على مائة وثلاثين ترجمة، ثم اعتذر بقوله: ¸وقد بقي خلق كثير من أهل المائة السادسة ممن لهم جلال وكمال· ولكن شرط الكتاب منع ذكرهم، ونقل لنا قول الشيخ أبي علي المسيلي: ¸أدركت ببجاية ما ينيف على تسعين مفتيًا ما منهم من يعرفني·، فإذا كان المفتون تسعين، فكم يكون عدد المحدثين والنحاة والأدباء وغيرهم؟!. ولم يخل مسجد من الطلاب والمدرسين، واشتملت بجاية وحدها على 73 مسجدًا. وكان لبعض علماء هذه الدولة شهرة واسعة على امتداد العالم الإسلامي، أمثال مروان بن علي الأسدي وموسى بن حماد الصنهاجي.

عرف في هذا العصر كثير من المهتمين بالعلوم التجريبية إلى جانب اهتمامهم بالعلوم الإسلامية. وعرف متخصصون في العلوم التجريبية، كابن أبي المليح الطبيب المشهور، وابن النباش البجائي، الطبيب الذي ألم بالعلوم الطبيعية والفلسفية، وعمر بن البيدوخ القلعي، الذي كان خبيرًا في الأدوية المركبة والمفردة، وعارفًا بالأمراض وعلاجها، وقد صنف كثيرًا من الكتب مثل حواش على كتاب القانون لابن سينا، و شرح الفصول لأبقراط، ومحمد بن أبي بكر المنصور القلعي نسبة إلى القلعة عاصمة بني حمّاد الأولى، الذي نبغ في الطب والرياضيات والفرائض، واشتهر في علم الفلك علي بن أبي الرجال التاهرتي، وله كتاب البارع في أحكام النجوم، الذي نقل إلى الأسبانية واللاتينية. انظر: العلوم عند العرب والمسلمين.


في مجال العمران. عنوا بالخط والحفر والرسم والنقش والنحت والزخرفة. وخلفوا نماذج متعددة ومتنوعة من فنونهم الصناعية، كالرخام والخشب المنحوت والرسوم الزخرفية والبرونز والزجاج والخزف الصيني. وعرفوا هندسة تخطيط المدن التي تتوافر فيها الخدمات الأساسية مثل مياه الشرب عن طريق العيون الجارية إليها، وتخصيص أماكن للأسواق والبساتين والجداول والأنهار التي تخترق المدينة. ولم تخل مدنهم من الفنادق وأماكن الاحتفالات والمعارض، وكان قصر البحر الذي تعاون الناصر والمنصور في إنشائه بالقلعة، يمتاز بتخطيطه الذي أصبح فيما بعد مثالاً يحتذيه المعماريون في صقلية، وغرناطة وغيرهما. وكان برج المنار واحدًا من أبرز معالم الإبداع الهندسي الحمّادي في القلعة. ويعتبر قصر اللؤلؤة الذي أنشأه الناصر من أعجب قصور الدنيا في عصره، وكان الجامع الكبير بقسنطينة من أكبر الآثار المعمارية الإسلامية التي خلفها الحمّاديون، وكان لحضارة الحمّاديين الأثر البارز في المغرب والأندلس وأوروبا.