الطُّرُق الرومانية تعتبر أعظم ما شيد من طرق في العصور القديمة. فقد وضع الرومان نظامًا للطرق أتاح شبكة مواصلات تمتد في كل أنحاء الإمبراطورية الرومانية. وقد امتدت هذه الشبكة من بريطانيا غربًا، حتى ضفتي دجلة والفرات. ووصلت الطرق شمالاً حتى أسبانيا. وبالإضافة إلى ذلك، شيَّد الرومان الطرق في شمالي إفريقيا.

شُيدت أغلب الطرق لأغراض عسكرية، لتيسير الحركة السريعة للجنود. وساعد ذلك على فتح الأقاليم الرومانية وحكمها. غير أن نظام الطرق الرومانية مكَّن المسافرين العاديين ـ خاصة التجار ـ من حرية التجوال، ونقل بضائعهم بسهولة.

تميزت الطرق الرومانية، باستقامتها، وكانت تمر فوق الجبال وليس حولها. كما تميزت بصلابة الأساسات. وكان المهندسون الرومان يستخدمون نوعًا من الرماد البركاني والجير. وللحصول على معلومات عامة عن تشييد الطرق الرومانية
أمر أحد ساسة الرومان ـ ويدعى أبيوس كلودياس سيكس ـ ببناء أول طريق روماني في إيطاليا عام 312ق.م، وهو طريق فيا أبيا؛ أي طريق أبيان. وكان يمتد في جنوب شرقي البلاد بدءًا من مدينة روما. وكان هذا الطريق في الأصل يربط روما بمدينة تارنتم (حاليًا تارانتو)، وهي مسافة نحو 250كم. وبعد ذلك امتد الطريق إلى ساحل البحر الأدرياتيكي. وخلال المائة عام التالية، شيَّد الرومان طريق أريليا، وطريق فلامينيا، وطريق فاليريا، وطريق لاتينا، وهي جميعًا تتشعب من روما. كما تفرعت من هذه الطرق الرئيسية، طرق أخرى فرعية. وفى الزمن المحدد اكتملت شبكة الطرق التي تربطها بالأقاليم. وهذا ما أوجد المثل الذي مايزال يتردد إلى الآن: كل الطرق تؤدي إلى روما.

استُحدثت نظم أخرى للطرق في أنحاء أخرى من الإمبراطورية. ففي منطقة جال بفرنسا، كانت مدينة ليون ـ وهي عاصمة الإقليم ـ محور شبكة الطرق التي امتدت في الشمال الشرقي حتى نهر الراين، وفي الشمال الغربي حتى القناة الإنجليزية، وغربًا حتى بوردو. كما أصبحت لندن محورًا لسلسلة من الطرق المتشعبة.

في بريطانيا جعل الرومان من لندن مركز القيادة، وذلك بعد الغزو الذي حدث في عام 43م. ومن لندن انتشر الرومان شمالاً وجنوبَّا وشيدوا الطرق أينما ذهبوا.

وربما كان شارع واتلِنْج أقدم طريق روماني في بريطانيا، ويمتد من مدينتي دوفر، وريتشبورو في مقاطعة كِنْتْ، عبر إنجلترا إلى مدينة تشستر، في مقاطعة تشيشاير. ويتتبع طريق a2(إيه-2) وطريق a5(إيه-5) جزءًا من نفس خط سير شارع واتلنج. وقد كان شارع واتلنج، يمر عبر لندن، والمدن الرئيسية المُسَوَّرة مثل سانت ألبانز، وروكْستر.

أما شارع إرمين، فيربط بين المراكز الإدارية الكبرى لمدينتي لندن ـ ويورك. وقد صُمم بحيث يمتد في خطوط طويلة مستقيمة خلال مدينتي قودمانشستر، ووُوتر نيوتُن، المسوَّرتين في مقاطعة كمبردجشاير، ومدينة لنْكُولن ـ التي مايزال أحد الأقواس الرومانية قائمًا بها إلى الآن ـ ليصل إلى مدينة ونترينجهام على نهر همبر. وكانت هناك معديِّة تربط مدينة ونترينجهام على نهر همبر. وهنالك معدية تربط ونترينجهام بمدينة برو، التي يواصل شارع إرمين امتداده منها إلى يورك. ويحذو طريق الشمال الكبير a1(إيه 1) نفس خط سير شارع إرمين في جزء كبير من الطريق.

وفي شمالي يورك، يُطلق على شارع إرمين اسم شارع دير وكان يعتبر خط الإمداد الرئيسي للجيوش الأمامية. وكان يمر خلال المدينتين المسورتين ألدبورو وكاتريك في مقاطعة يوركشاير الشمالية، ثم يصل إلى المنطقة العسكرية. وكانت هناك حصون على مسافات منتظمة بطول شارع دير، وحتى كوربريدج، فى مقاطعة نورثمبرلاند، وهو أكبر مستودع ذخيرة لقوات الحدود.

شارع أكْمَان وشارع إرمين كانا طريقين بديلين نحو الغرب، من لندن إلى مدينة جلوستر، ومواقع الجيش في جنوبي ويلز. فكان شارع إرمين ـ وهو الطريق الجنوبي الأكثر أهمية- يمتد في خطوط طويلة مستقيمة عبر المدينة المسورة سلشستر بمقاطعة هامبشاير، ومدينتي سيرنسستر وجلوستر المسورتين. ومايزال الطريق قائمًا إلى الآن خاصة في منطقة سيرنسستر. ويبدأ شارع أكمان من غرب سانت ألبانز ثم يخترق قرى أصغر مثل، ألتشستر، ويلتقي بشارع أرمين عند سيرنسستر.

طريق فوس يمتد من مدينة لِنْكُولن ويخترق المدن المسورة ليستر، وسيرنسستر، وباث، حتى يصل إلى نقطة قريبة من أكسمنستر، وقد شُيِّد كطريق للتخوم العسكرية، ومع ذلك كان له دور بوصفه طريقًا عبر البلاد. ومايزال الطريق قائمًا إلى الآن في بعض الطرق الزراعية. ومايزال سليمًا بالقرب من بورتون ـ أون ـ ذا ـ ووتر.

شارع اسْتيْن. يمتد في خط مستقيم تقريبًا من لندن إلى تشيشستر. وقد تغير اتجاهه فقط عند المنحدرات المغمورة بالماء في المنخفضات الشمالية والجنوبية. ويسير الطريق الحالي a29(إيه-29) بمحاذاة جزء من الشارع. ومايزال سليمًا في شمال شرقي تشيشستر.

طريق لندن ـ كولشستر يتبعه الآن الطريق a12(إيه-12) في أغلب امتداده. وبالقرب من كولشستر، كان له ثلاثة ممرات على الطريق. أما في شمالي كولشستر، فكان طريق باي ـ وهو طريق أصغر ـ يمر خلال مدن غير مسورة إلى كيستور سانت إدموند، في نورفولك.

وكان الطريق العسكري يسير بمحاذاة سور، أنطونين أو تيرف، الذي كان يمتد من المصب الخليجي لنهر كلايد، إلى المصب الخليجي لنهر فورث. وكان طريقًا عسكريًا بحتًا، يربط بين العشرين حصنًا الواقعة على طول السور. وقد صُمِّم الطريق بمهارة بحيث يتجنب أصعب الانحدارت.

كان النظام المتقن للطرق الرومانية عاملاً رئيسيًا في ترابط الإمبراطورية الرومانية، ومع ذلك فقد ساعد أيضًا على انهيارها. فعندما دخلت القبائل المهاجرة إلى الإمبراطورية الرومانية في القرون : الثالث والرابع والخامس الميلادية، استُخدمت الطرق الصغيرة في السفر بسهولة.