بتْرارْك (1304 - 1374م). شاعر وعالم إيطالي كبير. كان لشعره الذي نظمه في الحب تأثير كبير في الأدب العالمي. كما كان عالمًا يتمتع باحترام كبير؛ مما جعل الحكام والبابوات ينشدون خدماته. وكان من الرواد الذين اكتشفوا عظمة الأدباء الكلاسيكيين، وساعد في إرساء الحركة التي عرفت فيما بعد بالحركة أو النزعة الإنسانية التي قامت لإحياء الآداب الكلاسيكية الإغريقية والرومانية. ولعلنا لانعدو الحقيقة إذا ما قلنا بأن الأدباء العظماء من أمثال سيسرو وليفي ماكان ليعرفهم أحد اليوم مالم يعثر بترارك على أعمالهم المفقودة مدفونة تحت ركام مكتبات الأديرة العتيقة.

عُدَّت كتابات بترارك التي كتبها باليونانية في أيامه بعثًا للأسلوب الأدبي الإغريقي الروماني. وقد قادته معرفته العميقة بالآثار الأدبية الكلاسيكية الإغريقية والرومانية، بأن يعتقد اعتقادًا راسخًا أنه لايوجد تعارض جوهري بين الفكر الكلاسيكي والفكر النصراني؛ وقد عجل هذا الاعتقاد الراسخ في نفخ الروح في عصر النهضة.

نَظم بترارك قصائد كثيرة مختلفة الأطوال باللغة الإيطالية يطري فيها محبوبة تسمى لورا ويبثها غرامه وأشجانه. ولا يجزم العلماء أن تكون لورا هذه شخصية حقيقية. ففي البدء نجده يرى في لورا صورة رشيقة بديعة الجمال لا يمل من وصفها قط. وفي نهاية الأمر يضيف أبعادًا نصرانية على هذه الصورة؛ عاكسًا في شعره مضامين من الآمال والطموحات وكذا الواجبات الإنسانية.

نظم بترارك أكثر من 40IMG قصيدة باللغة الإيطالية، من بين هذه القصائد 336 قصيدة تشكّل مجموعته التي أطلق عليها كتاب الأغاني وهو الكتاب الذي ذاع به صيته. وقسم هذه المجموعة إلى جزءين؛ ومن المحتمل أن يكون قد كتب الجزء الأول خلال فترة حياة لورا والثاني بعد موتها. ويلمس القارئ للجزء الأول تماثلا بين محاولات الشاعر إظهار لورا ومحاولة أبولو ملاحقة الحورية دافني في الأسطورة الكلاسيكية المشهورة. أما الجزء الثاني فنجد أن لورا تتقمص دور الدليل؛ فتقود معشوقها باتجاه الإله نحو الخلاص الأبدي.

يتضمن كتاب الأغاني تاريخًا زمنيًا تقريبيًا لعاطفة الشاعر الجياشة لمحبوبته لورا، وينتهي بترنيمة لمريم العذراء. ويعبر عن الشعور المستمر الذي ينتاب الشاعر بانقضاء الزمن وبتفاهة المساعي الدنيوية. كما نجد فيه إدراكًا كبيرًا بمدى الصراع القائم بين القيم الروحية والقيم الدنيوية الأرضية؛ فلهجة هذه المجموعة تعقب مايُذْكَر عن الملذات الجسدية بالحب الروحي والشعور الديني وبذلك تعكس هذه القصائد الحالة الصعبة للفرد من حيث إنه في استطاعته أن يهوي إلى أسفل درك، كما في استطاعته أن يعلو إلى أعلى مقام. ومن الوجهة الفنية نجد أن بترارك قد حقق نوعًا جديدًا من الإبداع في كتابة السوناتة؛ أي القصيدة التي تتألف من أربعة عشر بيتًا، وكذلك القصائد الغنائية؛ وهما الأثران الأدبيان الرئيسيان الغالبان في مجموعة كتاب القصائد الغنائية.

وُلد بترارك في آريتسو بإيطاليا واسمه الأصلي فرانسسكو بيتراشو. وقد قضى الشطر الأكبر من سنوات نشاطه الإنتاجي في فرنسا حيث كان يقيم والده في المنفى.