أهْلُ الصَّـفَّة هم فقراء المسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين لم تكن لهم منازل يسكنونها، فكانوا يأوون إلى موضع مظلّل في المسجد النبوي بالمدينة المنورة، فعرفوا بأهل الصفة وقد يسمون أصحاب الظلة وضيوف الإسلام. وصُفَّة البنيان هي ظلّته وهي شبه بَهْو واسع مرتفع. قال ابن تيمية: "أما الصُّفة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي ³فكانت في مؤخّر مسجد النبي ³في شمالي المسجد بالمدينة النبوية". كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل أو مكان يأوي إليه.

كان معظم أهل الصفة من المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله ورسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يحصلون به على ما يغنيهم. ولم يحملوا من ديارهم ما يقيم أوَدَهم. ولم يكن ما يجود به أهل المدينة يكفي حاجة المهاجرين كلهم؛ فلذلك عانوا من الجوع وفقد الملبس والمأوى. وكانوا ـ مع ذلك ـ أعِفة لا يسألون الناس. نقل صاحب الطبقات الكبرى عن محمد بن كعب القرظي في قوله جلّ ثناؤه : ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ... ﴾ البقرة : 273. . قال : هم أصحاب الصفة، وكانوا لا مساكن لهم بالمدينة ولا عشائر فحثَّ الله عليهم النّاس بالصدقة.

وكان أهل الصفة ربّما جاعوا حتى يغشى عليهم من الجوع. قال أبو هريرة رضي الله عنه: كنت من أهل الصفة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ليُغشى عليّ فيما بين بيت عائشة وأم سلمة من الجوع. وقال أيضًا : رأيت ثلاثين رجلاً من أهل الصفة يصلّون خلف رسول الله ³ليس عليهم أردية. وقال واثلة بن الأسقع اللَّيثي ـ وكان من أهل الصفة : رأيت ثلاثين رجلاً من أصحاب رسول الله ³يصلّون خلف رسول الله في الأزر (جمع إزار) أنا منهم.

وكان رسول الله ³كثير الشفقة عليهم، دائم التّفقُّد لهم، قال ابن سعد : "كان رسول الله ³يدعوهم إليه بالليل إذا تعشّى ـ يعني إذا أراد أن يتعشّى ـ فيفرقهم على أصحابه وتتعشى طائفة منهم مع رسول الله ³حتى جاء الله تعالى بالغِنى". وروي أيضًا عن أبي هريرة قوله: "خرج رسول الله ³ليلة فقال : (ادعُ لي أصحابي) يعني أهل الصفة، فجعلت أنبِّههم رجلاً رجلاً فأوقظهم حتى جمعتهم فجئنا باب رسول الله ³فاستأذنَّـا فأذن لنا فوضع لنا صحفة فيها صنيع من شعير ووضع عليها يده وقال : (خذوا باسم الله) فأكلنا منها ما شئنا، قال : ثم رفعنا أيدينا، وقد قال رسول الله ³حين وُضعت الصحفة (والذي نفس محمد بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس ترونه). فقلنا لأبي هريرة: قَدْرَ كم هي حين فرغتم؟ قال : مثلها حين وضعت إلاّ أن فيها أثر الأصابع." وكان ³إذا أتى بشيء قال " أصدقة أم هديّة؟ فإن قالوا صدقة صرفها إلى أهل الصفة وإن قالوا هدية أمر بها فوضعت ثم دعا أهل الصفة إليها. ومن رأفته ³بهم أنه جاءه سَبْيٌ (أسرى الحرب) فدخلت عليه فاطمة بنته وعليُّ زوجها رضي الله عنهما، يشكوان تعبهما من الخدمة ويسألانه خادمًا، فقال: (والله لا أعطيكما وأدعُ أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم).

اختلف الرواة في عدد أهل الصفة؛ فقيل كانوا عشرين، أو ثلاثين، أو تسعين، وقيل غير ذلك؛ لأنهم كانوا يختلفون من حين لآخر، ولأن عددهم كان أول الأمر كبيرًا. يقول ابن تيمية: "لم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد، بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسّر له، ويجيء ناس بعد ناس، فكانوا تارة يقلّون وتارة يكثرون." وكان منهم أبوذر الغفاري، وأبوهريرة، وعمّار بن ياسر، وبلال بن رباح، وسلمان الفارسي، وصُهيب الرومي، وواثلة بن الأسقع الليثي، وقيس بن طهفة الغفاري، وجرهد الأسلمي، وطلحة بن عبدالله النضري وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.