الإصلاح المضاد اسم كان يطلق في الغالب على الحركة التجديدية في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. وقد كان كثير من علماء الكاثوليك يفضلون استعمال مصطلحات مثل، الإصلاح الكاثوليكي أو الصحوة الكاثوليكية على هذا الاسم، وذلك تفاديًا لما يتضمنه، من كونه ردَّة فعل للإصلاح البروتستانتي.

بدأت حركات الإصلاح في الكنيسة قبل أمد بعيد من ظهور البروتستانتية. فخلال القرن الخامس عشر بدأ عدد من رجال الدين النصارى مثل جيرولامو سافونارولا في إيطاليا، وفرانسيسكو خمينيس في أسبانيا بإثارة ضمير الكنيسة ضد المساوئ التي تطورت خلال عصر النهضة. لكن الشرارة التي أحدثت تجديدًا تامًّا في المعتقد الكاثوليكي وممارسات الكنيسة الكاثولكية، كانت هي رفض المصلحين البروتستانت للبابا. وقد أيقظ هذا الحدث الحماس عند الكاثوليك لتطهير الكنيسة في الرأس والأعضاء بدءًا بالبابا ثم نزولاً إلى غيره.

وصف البابا أدريان الخامس ـ الذي تولى المنصب عام 1522م، حتى وفاته في السنة التالية ـ الكنيسة كما كانت قبل الإصلاح البروتستانتي بقوله: ¸نحن نعترف بصراحة أن الله سمح باضطهاد الكنيسة بسبب آثام الناس، خاصة الأساقفة ورجال الدين، ونحن نعرف جيدًا أنه لسنوات طويلة كانت هناك أشياء تستدعي الاشمئزاز قد تجمعت حول الكرسي الأسقفي المقدس، وأن أشياء مقدسة قد أسيء استعمالها، وأن الأوامر الإلهية قد انتهكت وكل شيء قد تغير نحو الأسوأ·.

اتخذ الإصلاح المضاد طريقين: 1- إعادة الإيمان بين النصارى 2- إعادة تقييم المبادئ، ويقوم بهذا قادة الكنيسة. وقد أثير الحماس الديني عن طريق إقامة أنظمة دينية جديدة في أوائل القرن السادس عشر. ومع تأسيس جمعية المسيح (الجيزويت) عام 1534م، أصبح الإصلاح المضاد حقيقة واقعة.

أوضح مجمع ترنت، الذي عقد من عام 1545م إلى عام 1563م، الطريقة التي ينبغي أن يجدد بها الكاثوليك حياتهم وعبادتهم. وحدد المجلس طبيعة الرحمة، والإنقاذ من الخطيئة، والتضحية للجماهير (للقداس)، والكهنوت والأسرار المقدسة السبعة وسلطة الكنيسة. وهو أيضًا الذي خوّل للمعاهد الدينية أنْ تدرِّب القساوسة، وشرع لباسًا كهنوتيًا لرجال الدين. وأصدر كتابًا مشتملاً على خلاصة العقيدة، وطالب الكهّان أن يقيموا في أسقفياتهم. إضافة إلى ذلك شجع المجلس على إنشاء المدارس، وألحَّ على أن يعيش الكهَّان، والراهبات عيشة متقشفة؛ وشجع على بعث الإرساليات التنصيرية في كل أنحاء العالم.

وقد أثّر تجديد الإيمان بين الكاثوليك في كل أشكال الفنّ، فمثلاً حركة الباروك في الرسم، والنحت، والهندسة المعمارية،كثيرًا ما يجري تعريفها مع الإصلاح المضاد. وقد اتسمت هذه الحركة بأعمال فنية درامية وعاطفية. وفي مجال الأدب قام الشعراء الكاثوليك الإنجليز ريتشارد كراشو، وجون درايدن، وروبرت ساوثهويل بكتابات مُكَثَّفة لأعمال شعرية روحية مطابقة لتلك الروح في الإصلاح المضاد. انظر: الباروكي، الأسلوب.

وقد أسهم عاملان في نجاح حركة الإصلاح المضاد هما: 1- اكتشاف العالم الجديد 2- الثورة الصناعية. وقد ساعد استعمار الأمريكتين الشمالية والجنوبية الكنيسة في تحقيق رغبتها في أن تمد حدود النصرانية. وجاء التصنيع بأعداد كبيرة من الكاثوليك من المناطق الريفية إلى المناطق المدنية. وأدت هذه الهجرة إلى تكوين أبرشيات ومدارس كاثوليكية، وإلى تطوير ثقافة كاثوليكية متميزة.