الاشتراكيـة نظام اقتصادي غربي الأصل وحركة سياسية ونظرية اجتماعية. ويعتقد أغلب الاشتراكيين أن الحكومات الوطنية أو المحلية، هي التي ينبغي لها امتلاك موارد الأمة واستغلالها وليس الأفراد. وتقوم النظرية الاشتراكية على امتلاك الدولة للأراضي والمصانع وغيرها من وسائل الإنتاج؛ لأنهم يعتقدون أن الشر يدخل من باب الملكية الخاصة.

ظهرت فكرة الملكية العامة منذ عهد الإغريق، حيث طرح الفيلسوف اليوناني أفلاطون في القرن الرابع مسألة الملكية الجماعية للطبقة الحاكمة. ومنذ ذلك الحين ظهرت جماعات عدة تطالب ببناء نظام اجتماعي يقوم على الملكية الجماعية.

استخدمت كلمة الاشتراكية لأول مرة في القرن التاسع عشر الميلادي، وقصد بها آنذاك الدعوة إلى محاربة الأنانية التي كان بعض الناس يعتقد أنها أصل الشرور في نظام رأسمالي أو عمل حر، وعزز هذا الاعتقاد أن الثورة الصناعية في العالم الغربي سببت في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر في أوروبا الغربية مشكلات اجتماعية خطيرة، تمثلت في إلزام أصحاب المصانع لموظفيهم بالعمل ساعات طويلة، بأجور منخفضة وفي ظل ظروف غير صحية. وقد ادعى الاشتراكيون أن الأخذ بمبدأ الملكية العامة أو السيطرة على موارد الإنتاج يضمن معاملة أفضل لجميع أفراد المجتمع.

وفي أغلب الدول توجد اليوم أحزاب سياسية اشتراكية، كما توجد حكومات اشتراكية في بعضها، ومن الجدير بالذكر أن معظم الدول غير الاشتراكية تبنت بعض الأفكار والأساليب التي هي جزء من البرامج الاشتراكية.


الاشتراكية والشيوعية. دَلّ مصطلحا الاشتراكية والشيوعية ـ في فترة ما ـ على معنى واحد وهو مجتمع يعتمد على الملكية العامة لوسائل الإنتاج. أما اليوم فهناك من يرى وجود اختلافات واضحة بل وكبيرة بين المصطلحين؛ فأعضاء الأحزاب الشيوعية يعتبرون الاشتراكية مرحلة من مراحل تحقيق المجتمع الشيوعي، وفي خلال هذه المرحلة تتم إزالة أغلب الملكيات الخاصة وإدارة الاقتصاد على أساس خطة إنتاج وطنية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تلجأ الحكومة إلى إجبار المواطنين على العمل الجاد مقابل عوائد قليلة لا تكفل لهم الوفاء بكل احتياجاتهم. وفي مرحلة تالية ونتيجة لهذه السياسة تصبح الدولة قادرة اقتصاديًا بشكل كاف يتيح لها تحقيق رغبات المواطنين الاقتصادية، وتسمى هذه المرحلة من التطور بالشيوعية. ويدعي الشيوعيون أن القمع أو الإجبار سوف يختفي في ظل الشيوعية. ولا يقبل الاشتراكيون الديمقراطيون ـ في غير البلدان الشيوعية ـ ذلك القول من الشيوعيين، فبرغم اعتقادهم أن بعض القسر الذي تفرضه الحكومة، قد يكون ضروريًا، لأن بعض الناس ينبغي إجبارهم حتى يكونوا مواطنين صالحين، إلا أنهم يرفضون معظم الأساليب التي تستخدمها الأحزاب الشيوعية، مثل اللجوء إلى الثورة والأشكال الأخرى للعنف وسائل للوصول إلى السلطة، وكذلك الأساليب الاستبدادية لإدارة الدولة بعد توليهم الحكم. وعلى خلاف الشيوعيين، ينادي الاشتراكيون الديمقراطيون بجدوى الممارسات الديمقراطية، ويقبلون وجود الأحزاب المعارضة، ويهتمون بالتوزيع العادل للسلع والخدمات أكثر من اهتمامهم بالنمو الاقتصادي السريع، ويأخذون بالأساليب الديمقراطية عند تحديد السلع التي يراد إنتاجها.


أهداف وأساليب الاشتراكية. يعتقد الاشتراكيون أن نظم المؤسسات الحرة غير فعالة، وتؤدي في النهاية إلى هدر كثير من الموارد، وأن الرأسمالية تصاحبها مشكلات، منها: البطالة والفقر والنزاع بين العمال وأرباب العمل. وينبغي لمواجهة هذه المشكلات توزيع ثروات الدولة بالتساوي وبعدالة. كما أنهم يعارضون بقوة عدم المساواة الاجتماعية والتفرقة بين المواطنين، ويهدفون إلى قيام مجتمع يرتكز على التعاون والأخوة، لا على المنافسة والمصلحة الفردية.

ويرى دعاة الاشتراكية أن أهدافها تتحقق بوضع وسائل الإنتاج الرئيسية بأيدي المواطنين، وذلك إما مباشرة وإما من خلال الحكومة. وفي هذا المجال يفضل العديد من مُنَظِّري الاشتراكية الاقتصاد المختلط، أي ملكية الحكومة للمصانع الأساسية وملكية الأفراد للعديد من النشاطات الأخرى، على أن تتم الرقابة عليها من خلال القوانين والتنظيمات التي تفرضها الحكومة. ويرى الاشتراكيون أن موارد الدولة ينبغي استخدامها ضمن خطة اقتصادية شاملة، يتم وضعها من قِبَل رجال الصناعة والمزارعين والعمال والمسؤولين في الحكومة، تراعي تكييف الإنتاج حسب احتياجات المواطنين. وبرغم أن قوى العرض والطلب قد تؤثر على الإنتاج والأسعار في ظل هذه الخطة الاقتصادية، فإن العديد من القرارات بخصوص الإنتاج والأسعار تتخذه السلطات السياسية.

وبخصوص حجم الثروة التي تبقى بأيدي الأفراد وتجريد الأغنياء من بعض ممتلكاتهم، يختلف الاشتراكيون فيما بينهم، فالعديد منهم ينادي بإعادة توزيع الثروة من خلال الضرائب وسن القوانين لمساعدة المسنين والعاطلين عن العمل والمعوقين وذوي العاهات والأرامل والأطفال القصَّر وغيرهم من المحتاجين. كما يرى آخرون أنه ينبغي علاوة على ما تقدم توفير التعليم المجاني والخدمات الطبية لكل المواطنين بجانب مساعدتهم في الحصول على مسكن صحي سليم، وبإيجار يمكنهم تحمُّل نفقاته.


تطور الاشتراكية


الاشتراكيون الأوائل. في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، انتقد عدد من الكتاب والمصلحين الغربيين حركة التصنيع، لما صاحبها من جور ومعاناة بين صفوف العمال. وقد قدم رجال مثل روبرت أوين من المملكة المتحدة وتشارلز فورير وكونت دي سان سيمون من فرنسا مقترحات لتنظيم المجتمعات القائمة وفق ظروف مثالية اجتماعيًا واقتصاديًا. وقد أنشأ أوين وأتباع فورير مستوطنات تعاونية نماذج لهذه المجتمعات، ولكنها لم تعمر طويلاً. وقد لُقب هؤلاء الاشتراكيون بالمثاليين. والمثالية هي وصف لمجتمع مثالي تسود بين أفراده المساواة والعدالة.


كارل ماركس. عالم اقتصادي وفيلسوف اجتماعي ألماني، أصبح أكثر المؤثرين الاشتراكيين في القرن التاسع عشر الميلادي. وقد عبّر عن أفكاره الاشتراكية الرئيسية ـ بداية ـ في البيان الشيوعي (1848م) الذي كتبه مع صديقه فريدريك أنجلز. وقد سمى ماركس اشتراكيته بالاشتراكية العلمية، ليفرق بينها وبين الاشتراكية المثالية. ويعتقد ماركس أن التاريخ صراع بين المالكين والعاملين، وأن الاشتراكية ستنهي هذا الصراع الطبقي وتحل محل الرأسمالية.


الحركة الاشتراكية العالمية. في أواخر القرن التاسع عشر تكونت أحزاب سياسية اشتراكية في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية وبمرور الوقت اتحدت هذه الأحزاب في تنظيم عالمي مبادئه مستوحاة من كتابات ماركس. وقد أطلق عليه حركة الاشتراكية العالمية. وقد شهدت هذه الحركة انقسامات، بل وخلافات بين أعضائها، فكان هناك المعتدلون والمتطرفون، بل والثوريون الذين رفض بعضهم المذهب الماركسي. كما ضمت هذه الحركة جماعات وأحزابًا غير ماركسية مثل الجماعة الاشتراكية المسماة بالجمعية الفابية، وهي جمعية إنجليزية استمدت آراءها من الأفكار النصرانية لتحقيق الإصلاحات. وانهارت الحركة الاشتراكية بعد بداية الحرب العالمية الأولى في عام 1914م.


الاشتراكية اليوم. يلتزم أغلب الاشتراكيين اليوم التزامًا قويًا بالعمل ضمن الإطار الدستوري للدولة، ويسعون إلى التعاون مع جميع الأحزاب انطلاقًا من أن الاشتراكية تمثل الاهتمامات الشعبية الواسعة، وليست محصورة فقط في العمال، ويتساهلون في تطبيق مبدأ أن تكون جميع وسائل الإنتاج الرئيسية ضمن الملكية العامة، مع اقتناع بأن تكون الأعمال الخاصة تحت رقابة الحكومة. وأغلب الاشتراكيين يقفون من الشيوعية موقف المعارض أو الرافض.

ويتولى الحزب الاشتراكي الحكم في بعض الدول، بينما يكون في بعضها الآخر ضمن حكومة ائتلافية. ولا توجد الآن بلدان اشتراكية بالكامل، فحتى البلدان التي تحكمها الأحزاب الشيوعية ما زال لديها بعض أشكال المؤسسات الفردية برغم أن معظم الموارد فيها بأيدي الحكومة.


نقد المذهب. تقوم الاشتراكية على إلغاء الملكية الخاصة وهيمنة الدولة على الملكية العامة، بما في ذلك ملكية وسائل الإنتاج.

والواقع أن في إلغاء الملكية الخاصة إلغاء لحرية الإنسان ولحقه في التملك، أما التذُّرع بأن الملكية الخاصة توقع الظلم من بعض الناس أو من بعض الملكيات الفردية على آحاد الناس أو على ملكيات فردية أو جماعية فليس مبررًا لهضم الناس حقهم. فالظالم يُرد إلى الحق، والمظلوم تعاد إليه حقوقه.

أما ملكية وسائل الإنتاج فهي ملكية خاصة، لأن المالك الفرد قد يبدع في إنتاجه ويأتي باختراع أو ابتكار يسهل به الحياة على الناس، وفي هذا خير للفرد وللمجتمع، فلماذا تحرم الدولة الفرد من خدمة المجتمع؟ ولماذا يحرم المجتمع من عطاء آحاده المبدعين. وإلغاء الملكية الخاصة يجعل الدولة صاحبة الشأن، تعطي وتمنع كما تشاء. وهذا يفتح باب القهر والتشكك؛ إذ إن الدولة قد تمنع من تشاء وتعطي من تشاء، فتصبح بذلك قوة غاشمة ظالمة. وهو عكس ما قامت الدولة لأجله وهو العدل.