أسوكا (؟ - 232 ق.م.). أشهر إمبراطور في الهند القديمة، فقد حكم إمبراطورية ماوريا من عام 272 ق.م تقريبًا إلى أن مات ويسمّى أحيانا أشوكا. وكان أسوكا حفيد تشاندراجوبتا الذي أسَّس سلالة ماوريا الحاكمة. وقد حكم أبوه، بيندوسارا، شمالي الهند لمدة 29 عامًا، وكانت كلها سنوات سلام واستقرار في كل المنطقة. وبعد موت بيندوسارا اضطر أسوكا ليخوض حربًا حتى يحصل على العرش.

كان أسوكا قائدًا حربيًا شرسًا قام بتوسيع مملكته في وادي نهري الجانج ـ جُمنة، واستمر في حملاته المظَفَّرة في جنوبي وشرقي الهند لمدة ثماني سنوات. وانتصر عام 261ق.م على إقليم كالينجا بالساحل الشرقي للهند، وهو الإقليم الذي يُعرف حاليًا باسم أوريسَّا.

وأصبح انتصار أسوكا في كالينجا نقطة تحول في حياته وفي فترة حكمه، فقد قتلت جيوشه نحو 10IMG,000 شخص، وأسرت نحو 150,000 شخص آخر في معركة من المعارك. وقد شعر أسوكا بالأسف لمقتل أولئك الأبطال الشجعان ـ حُماة كالينجا ـ فقرر إيقاف الحرب، وكره القتال. وبدأ بإرسال بعثات سلام إلى جيرانه الآسيويين، ووصلت هذه البعثات حتى بورما وسومطرة. وعلى الرغم من أن أسوكا كان هندوسيًا بالميلاد، إلاَّ أنه اعتنق البوذية التي تتعارض مع كثير من المعتقدات الهندوسية القديمة. وأقسم أن يحافظ على حكمه بالقانون البوذي الذي يُدعى الدارما؛ وهو قانون يدعو للتقوى والسلام. ورغم أن أسوكا قد تخلى عن طموحاته في الفتوحات، فإنه قد احتفظ بجيش كبير ليحمي مملكته ضد المغيرين.

كان أسوكا يؤمن بأن واجبات الملك ينبغي أن تكون لها الأسبقية على الترفيه والترويح والاسترخاء والمتعة والنوم، ولهذا كان يسهر الليالي لاستشارات وزرائه، وقام بعدة إصلاحات. ومن الإصلاحات التي قام بها إنشاء نظام خدمة مدنية قوي، ونظام ضرائب للأراضي وُصِف بالعدالة، كما أنشأ نظامًا للاستخبارات السرية للتعرف على مشاعر قومه واحتياجاتهم أولاً بأول. وكانت شبكة هذه الاستخبارات توصل أوامره وتجمع المعلومات من أقصى أرجاء المملكة. وكان مقر حُكمه في العاصمة بَاتَاليبوترا وهي الآن باتنا في بيهار. وكان رسله يدخلون هذه العاصمة ويخرجون منها ليلاً بعد أن تُغلق الأبواب العظيمة، وذلك من خلال الأنفاق التي وفَّرت لهم سرعة الحركة والسلامة.

بنى أسوكا طرقًا آمنة بها استراحات للمسافرين، وبنى مستشفيات للناس وأخرى بيطرية للحيوانات، وشجّع التجارة الدولية ونظمها، وحدد سلطة النقابات التجارية التي نشأت نتيجة لتغييراته؛ ودعم الزراعة بأفكار ثورية شملت طرقًا محسنة للري والتصريف، كما قدم إعانات من الدولة للمزارعين الفقراء، وبعد خمس سنوات أصبح المزارعون مُلاَّكًا للأراضي التي كانوا يزرعونها.

انتشر نظام تسوير المدن في عصر أسوكا، ولم تكن الأسوار قاصرة على المدن الكبيرة بل شملت بعض القرى في شمالي الهند. ولهذه الأسوار مداخل تُستخدم للدخول. وقد بلغ طول الجدار الضخم الذي كان يحيط بباتا ليبوترا 40كم. وكان موظفو الدولة والجند والعلماء والنبلاء يمرون في طرق المدينة المغطاة بالحصى. وقد عاش الأثرياء في بيوت مستقلة لها حدائق واسعة. وقد بنيت حول القصر الملكي ـ في شكل تجمعي ـ المكاتب الحكومية، والصالات العامة للسفن، وغيرها من المؤسسات الثقافية. وللقصر منطقة عامة حيث كان أسوكا يحدِّث الناس، ومنطقة خاصة لسكن الإمبراطور وعائلته، ومساعديه. وكانت الأسلحة والخزانة أيضًا في هذا الجزء.

قادت التعاليم البوذية بتأكيدها على نبذ العنف، وتوقير كل أشكال الحياة أسوكا وحاشيته ليكونوا نباتيِّين. ورغم أن هذه التعاليم قديمة إلا أن أسوكا قد أظهرها وطبَّقها، وحقق السلام والعدالة والحكومة الجيدة في الإمبراطورية الشاسعة الموحدة التي قامت في الهند واستمرت حتى قدوم البريطانيين.

ولكي ينشر أسوكا قوانينه أمر بكتابتها على عدد كبير من الأعمدة الحجرية التي بلغ ارتفاع بعضها نحو 12 مترًا. ووزَّع هذه الأعمدة في سائر أرجاء مملكته، بل أرسل بعضها إلى خارج مملكته. ولا تزال عشرة أعمدة منها موجودة حتى اليوم، وأشهرها في سارناث بالقرب من بنارس. وهذه الأعمدة متوَّجة بأسود منحوتة من الصخور وتوصف بأنها أدق المنحوتات التي وصلت إلينا من العالم القديم. ويمكن قراءة بعض ماكتبه أسوكا على هذه الأعمدة رغم مُضي 2,000 سنة على نقشها.

كان لشهرة أسوكا دور كبير في انتشار البوذية في عصره في كل من جنوب شرقي آسيا وشرقيها أيضًا. وبعد موته، عادت الهند للهندوسية، ورغم هذا فلا تزال معابد البوذية المسماة ستوبا منتشرة في الهند حيث أصبحت مزارات يؤمها الناس. وقد بنى أسوكا عددًا من المعابد في عهده. ورغم أن مملكته قد انتهت بعد 50 سنة من وفاته، إلا أن فكرته في توحيد الهند قد بقيت، كما بقيت فكرته في نبذ العنف. وبعد مرور أكثر من 2000 سنة أصبحت فكرته في نبذ العنف أكثر أسلحة الاحتجاج تأثيرًا في كفاح الهنود لنيل الاستقلال. وفي ضوء مثل هذه التطورات، فإن اختيار الأسود المنحوتة على كتابات أسوكا لتصبح رمزًا للهند كان موفقًا للغاية