أزمة السويس. كانت ثورة 23 يوليو في مصر، عام 1952م، في أحد أسبابها رد فعل على نكبة العرب في حرب فلسطين عام 1948م. فقد رأى العديد من الضباط الصغار الذين قادوا تلك الثورة بأعينهم هزيمة الجيوش العربية في تلك الحرب. بل إن الرئيس المصري جمال عبدالناصر قائد تلك الثورة، كان واحدًا ممن حوصروا على يد القوات الصهيونية في الفالوجة. ولذلك أعلن قواد ثورة 23 يوليو منذ البدء تصميمهم على إعادة بناء الجيش المصري وتسليحه تسليحًا حديثًا ليتمكن من مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. كان قادة الثورة الجدد يدركون بحسهم أن بناء جيش قوي لايمكن أن يتحقق إلا في ظل اقتصاد راسخ وقاعدة تنموية متينة.

وعلى هذا الأساس، بدأ القادة الجدد مفاوضات جادة وحثيثة مع الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على ما يحتاجونه من السلاح لمواجهة الاعتداءات الصهيونية المتكررة على الأراضي المصرية، كما عرضوا على الولايات المتحدة أيضًا تمويل بناء السد العالي بأسوان. وبعد تلكؤ وتسويف ومماطلة الإدارة الأمريكية اتجهت القيادة المصرية بزعامة الرئيس جمال عبدالناصر إلى الاتحاد السوفييتي (سابقًا) طلبًا للمساعدة في الحصول على الأسلحة الدفاعية الضرورية لتسليح الجيش المصري. استجاب السوفييت للطلب المصري. وفي سبتمبر عام 1955م، وقع الرئيس عبدالناصر على صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا وذلك لتزويد مصر بالطائرات والمدفعية والدبابات السوفييتية الصنع.

وعارضت كل من بريطانيا وأمريكا عقد هذه الصفقة بعنف، نظرًا لما مثلته من كسر لاحتكار مبيعات السلاح في الوطن العربي، حيث كان هذا النشاط حتى ذلك الحين مقتصرًا على الدول الغربية. وكان من نتيجة ذلك الغضب أن قامت أمريكا وبريطانيا بإلغاء تنفيذ جميع المشاريع الاقتصادية التي تم الاتفاق مع الحكومة المصرية على إقامتها في مصر. كما أبلغت الولايات المتحدة الأمريكية مصر على لسان وزير خارجيتها جون فوستر دالاس عن رفضها تمويل بناء السد العالي بأسوان.

وارتفعت حدة الأزمة بين مصر والدول الغربية، وأعلنت حالة الطوارئ في منطقة القناة. ووجدت القيادة المصرية أن أفضل وسيلة لتأمين التمويل اللازم لبناء السد العالي هي تأميم قناة السويس البريطانية التي كانت تشكل في ذلك الوقت التجسيد العملي للوجود العسكري البريطاني على أرض مصر. وكان تقدير القادة المصريين أن رسوم عبور القناة بعد التأميم، ستكون كافية خلال خمس سنوات لتمويل بناء سد أسوان.

وكانت القيادة المصرية ـ في تلك الفترة ـ منهمكة أيضًا في تقديم الدعم والتأييد لثوار الجزائر الذين كانوا يخوضون حربًا دامية في سبيل الحصول على الاستقلال من الاستعمار الفرنسي، وقد أدى ذلك إلى غضب الفرنسيين واستيائهم.

وهكذا التقت المصلحة البريطانية والفرنسية في العمل على إنهاء النظام السياسي القائم في مصر. وبدأ التخطيط سرًا للقيام بعمل عسكري مشترك ضد مصر لإنهاء الحكم القائم فيها، واستعادة قناة السويس.

وفي أغسطس عام 1956م، قامت بريطانيا باستدعاء الاحتياطي، وبدأت مع فرنسا في حشد قواتها المسلحة شرقي البحر الأبيض المتوسط.

وكان سيناريو العدوان في مراحله الأولى يقتضي أن تقوم إسرائيل بالهجوم على الأراضي المصرية، وأن تتقدم لمنطقة القناة. وقد بدأت إسرائيل في التحضير لذلك بشن غارة واسعة النطاق على غزة، أسفرت عن مقتل ما يزيد على ثلاثين جنديًا مصريًا. وقد ردت الحكومة المصرية على ذلك الاعتداء بإغلاق مضائق تيران بمدخل خليج العقبة، ومنع السفن الإسرائيلية من المرور عبر القناة. وعلى أثر ذلك قامت إسرائيل، وبدون أي إنذار مسبق، بغزو مصر وتقدمت نحو القناة. وهنا بدأت المرحلة الثانية من سيناريو العدوان الثلاثي على مصر، حيث طالبت بريطانيا وفرنسا كلاً من إسرائيل ومصر سحب قواتهما من القناة، تحت حجة كونها معبرًا دوليًا يقتضي تأمين سلامة المرور فيه. ورفضت مصر الإنذار البريطاني الفرنسي لكونه يشكل تدخلاً سافرًا في شؤونها الداخلية. وفي 31 أكتوبر هاجمت قوات بريطانية وفرنسية مشتركة الأراضي المصرية واستولت على اثنين من الموانئ المهمة بمنطقة القناة هما بورسعيد وبورفؤاد، واستبسل الشعب العربي في مصر في الدفاع عن حريته واستقلاله، ووقفت معظم الحكومات العربية، والشعب العربي في مختلف أقطاره خلف مصر، تقدم لها الدعم والتأييد، كما ساندت الشعوب الإسلامية وشعوب العالم الثالث والشعوب الأخرى المحبة للسلام كفاح مصر من أجل الدفاع عن سيادتها واستقلالها. وقد واجه ذلك الهجوم أيضًا معارضة قوية من الاتحاد السوفييتي (سابقًا) والولايات المتحدة الأمريكية، حيث هددا بالتدخل المسلح لإيقاف العدوان، كما حذرت الولايات المتحدة الأمريكية من احتمالات المواجهة النووية بين الكتلة السوفييتية والدول الغربية.

وفي 22 من ديسمبر انسحبت قوات الاحتلال البريطاني الفرنسي من مصر. وبحلول شهر مارس 1957م انسحب الإسرائيليون أيضًا من الأراضي المصرية التي احتلوها ومن قطاع غزة الفلسطيني.

كان من نتائج تلك الحرب تقوية المركز السياسي للنظام المصري على مستوى الوطن العربي، وبروز الرئيس عبدالناصر بطلاً قوميًا، واستعادة إسرائيل حرية الملاحة في مضائق تيران. وكسب إنجلترا وفرنسا للتعويض لحاملي أسهم قناة السويس، وفقدانهما للكثير من نفوذهما في الشرق الأوسط، كما كان من نتائج ذلك العدوان استقالة رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن في 9 يناير 1957م.