بداية علم الأحياء الجزيئية

علم الأحياء الجزيئية اليوم




علم الأحياء الجزيئية يُعنى بدراسة الجزيئات التي توجه العمليات الجزيئية في الخلايا. وعلى سبيل المثال، تُخزن المعلومات الوراثية في جزيئات كبيرة في خلايا الكائنات الحية. كما أن الطريقة التي تحوِّل بها هذه الجزيئات معلوماتها إلى تفاعلات كيميائية، تعطي الكائن الحي مميزاته الخاصة، وتُعد ضرورية لحياته. وقد أتاح علم الأحياء الجزيئية، وهو مجال جديد نسبيًا في الأحياء، فهمًا أكبر لماهية الحياة وكيفية عملها.


بداية علم الأحياء الجزيئية. عُرِّف مصطلح علم الأحياء الجزيئية أول مرة عام 1938م، بوساطة عالم الرياضيات الأمريكي وارين ويفر، بأنه تلك المناطق الحدودية التي تندمج فيها الفيزياء والكيمياء مع الأحياء. وفي ذلك الوقت كان كثير من علماء الفيزياء والكيمياء يستقصون العمليات الكيميائية الحيوية التي تحدث في الخلايا الحية. وقد درس بعض هؤلاء العلماء "قوالب البناء" الكيميائية الأساسية للخلايا. وتشمل هذه المواد الكيميائية الحموض الأمينية، والدهون، والكربوهيدرات البسيطة. بينما قام علماء آخرون بدراسة الجزيئات الأكبر آلاف، بل بلايين المرات من قوالب البناء الأساسية. وتُعرف هذه الجزيئات بالجزيئات الكبرية، ويوجد منها نوعان رئيسيان هما الحموض النووية والبروتينات.

والحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (د ن أ، dna) هو الجزيء الكِبري الرئيسي في الصبغيات وهي بِنَى الخلية التي تتحكم في الوراثة. وفي عام 1953، تقدم عالما الأحياء جيمس واطسون، الأمريكي الجنسية وفرانسيس كريك البريطاني باقتراح نموذج لبنية الحمض النووي د ن أ. وقد أصابا حين افترضا أن جزيء د ن أ يبدو مثل سُلَّم مجدول، أو حلزون ثنائي. وتتكون درجات السلم من أزواج مركبات تُسَمى قواعد. وقبل انقسام الخلية، يتكسر سلم د ن أ طوليًا فاصلاً أزواج القواعد، وبعد ذلك تقوم القواعد في كل شطر سلم بالارتباط بقواعد طليقة، مشكلةً بذلك أزواج قواعد مطابقة للأزواج الأصلية. انظر: الخلية. وقد دلل هذا الاكتشاف على كيفية إرسال المعلومات المخزنة في جزيئات د ن أ إلى الخلايا الجديدة المُشكَّلة نتيجة لانقسام الخلية، وإلى أجزاء الخلية الأخرى معًا، وذلك لصنع البروتينات.

قام علماء الأحياء في الخمسينيات من القرن العشرين، بصياغة مفهومين مهمَّين في علم الأحياء هما. 1- المبدأ المركزي 2- الرمز الوراثي (الشفرة الوراثية). يبين المبدأ المركزي أن تعليمات الجزيء د ن أ الخاصة بصنع البروتينات تُرسل من الجزيء د ن أ إلى الجزيء ر ن أ (الحمض النووي الريبي). أما الرمز الوراثي، فيشير إلى تسلسلات القواعد في جزيئات د ن أ، و ر ن أ التي تحدد الوظيفة البيولوجية لهذه الجزيئات الكِبرية. وعلى سبيل المثال، يزود تسلسل القواعد ـ في الجزيء د ن أ ـ بتعليمات صنع بروتين معين، يسمى المورث. ويحوي جزيء د ن أ الواحد آلاف المورثات. انظر: الخلية.


علم الأحياء الجزيئية اليوم. يركز في المقام الأول على تحديد سبب وضوح بعض المورثات في خلايا معينة. وقد قام العلماء الفرنسيون في الستينيات من القرن العشرين بالاستقصاءات العلمية لهذا النوع. وباستخدامهم لبكتيريا القولون المعروفة باسم إسشيريشيا كولاي، أثبتوا أن بروتينات معينة يمكنها تنشيط أو إيقاف عمل المورثات.

وقد مكَّن التقدم في الهندسة الوراثية، خلال الثمانينيات من القرن العشرين، من دراسة نظام المورثات في خلايا النباتات والحيوانات الأعلى رتبة. وقد أضاف هذا الكثير في مجال فهم كثير من العمليات البيولوجية. وعلى سبيل المثال، قام علماء الأحياء الجزيئية بتعريف مورثات عديدة يمكنها أن تُسَبِّب السرطان للبشر. وعادة ما تكون هذه المورثات المسماة المورثات الهامدة خامدة في البالغين، إلا أنها يمكن أن تنشط بفعل الفيروسات، أو المواد الكيميائية، أو العوامل الأخرى. وإذا تمكن العلماء من تحديد العوامل التي تنشط المورثات الهامدة، فسوف يكون من الممكن تطوير طرائق جديدة لعلاج السرطان.

يقوم علماء الأحياء الجزيئية باستقصاء طريقة العلاج بالمورثات، وهو شكل من العلاج يتضمن إدخال مورثات سليمة في خلايا الأشخاص الذين يعانون من اختلالات في المورثات. وتتسبب الأمراض الوراثية في فقدان أو اختلال مورثة واحدة أو أكثر. وباستخدام طرائق الهندسة الوراثية، أصبح من الممكن، عزل وإزالة تلك المورثات من خلايا المرضى. ويعكف العلماء حاليًا على استقصاء طرائق عديدة لإدخال هذه المورثات في الخلايا. وتستخدم أفضل طريقة، فيروسات مُهندَسة بطريقة خاصة، تسمى الناقلات، لاتستطيع التكاثر بمفردها ولكنها تستطيع أن تدخل الخلايا وتضع المادة الوراثية داخلها. بدأت أول تجربة سريرية للعلاج بالمورثات، في الولايات المتحدة سنة 1990م، لعلاج اختلال يسمى العوز المناعي المتضام الحاد scid أس سي آي دي.