ثورة 23 يوليو و النهارده

٥٦ عاماً مرت علي ثورة يوليو ١٩٥٢، تغير خلالها وجه مصر من الملكية إلي الجمهورية، ومن الاشتراكية إلي اقتصاد السوق الحرة وسيطرة رأس المال.. والمبادئ الستة التي قامت عليها تآكلت، ولم يبق منها إلا القليل. وبالرغم من مئات الكتب التي تناولت الثورة -أو الانقلاب العسكري أو الحركة كما يحلو للبعض تسميتها- فإنه لايزال الكثير ومزيد من الأسرار مازال ينتظر من يميط عنه اللثام.
فكانت تلك بعض التفاصيل من ( أحمد حمروش)عضو تنظيم قيادة الضباط الأحرار، أما إبراهيم بغدادي فإنه يتحدث عن التوريث والفساد، ويقدم طرحاً جديداً في مقتل الملك وسم فاروق، ورجال الأعمال.
وانعكاساتها علي واقعنا الحالي، عن الإخوان والديمقراطية وأحكام الإعدام والاعتقالات والمعارضة

أحمد حمروش: لم يبق من الثورة سوي يوم «الإجازة» وإنجازاتها تغيرت في عهدي السادات ومبارك

تلمح في حديثه رومانسية الثائرين الذين يرون فيما قاموا به، إنجازاً فرضته معطيات الواقع وكان الوطن في حاجة له، رافضاً ذكر من تسبب في خطأ ما فإذا كانت ثورة ٢٣ يوليو عملاً جماعيا ناجحًا، فما نتج عنه من أخطاء أيضاً كان بالإجماع أو الأغلبية.
اللقاء مع أحمد حمروش خريج دفعة عام ١٩٤٢ في الكلية الحربية وضابط المدفعية وعضو تنظيم قيادة الضباط الأحرار ورئيسهم بالإسكندرية وقت قيام الثورة، ورئيس اللجنة المصرية للتضامن الأفرو أسيوي حالياً، لم يكن فقط بهدف الإجابة عن بعض التساؤلات التي طالما تركت بلا إجابة أو ظلت غامضة لدي من تابع وقائع الثورة في كتب من شاركوا بها أو عاصروها، بل أيضاً للتعرف علي تقييمه للثورة وما تبقي منها اليوم بعد مرور ٥٦ عاماً علي قيامها


وذلك نص الحديث :

* هل أفادت ثورة يوليو مصر كوطن، أم كما يقول البعض أن ما نحيا فيه الآن ما هو إلا نتاج الثورة؟

- بعد مرور كل تلك السنوات علي ثورة يوليو أؤكد أن مصر حققت استفادة كبيرة منها، يكفي رحيل الإنجليز وقوانين العدالة الاجتماعية في التعليم والإصلاح الزراعي، والسد العالي، ودعم المرأة وغيرها من الأمور التي أفادت المجتمع المصري.


* هل تعتقد أن ثورة يوليو لا تزال قائمة في وجدان المصريين بنفس معانيها التي نادت بها؟

- كثير من قرارات الثورة وإنجازاتها تغيرت في عصر الرئيس السادات والرئيس مبارك، فسياسة الانفتاح الاقتصادي والخصخصة قرارات لا علاقة لها بالثورة، بل أضرت بالاقتصاد القومي. ولذا لا تشعر الأجيال الحالية بالثورة إلا من خلال الإجازة التي يحصلون عليها مصر في ذلك اليوم.


* هل يعني ذلك أن نظم الحكم بعد الرئيس عبد الناصر لم تعد تستمد شرعيتها من ثورة يوليو؟

- هم يحكمون باسمها وما تبقي منها، وأعتقد أن ثورة يوليو هي الشرعية التي يستند عليها الحكم في مصر.


* البعض يري أن ثورة يوليو كانت السبب فيما آل إليه حال مصر من غياب الديمقراطية حتي الآن. ما تعليقك؟

- الثورة قامت من أجل الديمقراطية ولكن القوي الغربية عملت علي عرقلة نجاح الثورة بأي وسيلة كما بدا واضحاً علي سبيل المثال في العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ .


* لماذا وجهت اتهامات للثورة بأنها كرست لفكرة قمع المعارضين لها، إلي حد إصدار قرارات إعدام ضد العاملين مصطفي خميس ومحمد البقري في الشهور الأولي لها؟

- أعترف أن قرار إعدام مصطفي خميس ومحمد البقري كان خاطئاً، رغم أن السبب فيه كان حرص جمال عبد الناصر علي وحدة قرار مجلس القيادة وعدم تفرق الرفقاء، وما حدث أن العمال في كفر الدوار وبعد أسابيع قليلة من ثورة يوليو قاموا بمظاهرات طالبوا فيها بمطالب لهم، وهو ما اعتبره بعض الضباط في قيادة التنظيم بمثابة تحد لهم فتشكلت محكمة قضت بإعدام خميس والبقري، وبالأشغال الشاقة لعدد آخر من العمال.
ورغم رفض جمال عبد الناصر فكرة الإعدام فإنه وافق عليها حفاظاً علي روح الجماعة. وغير صحيح ما يقال أن محمد نجيب كان وراء قرار الإعدام، فهو لم يكن مقتنعًا بهذا الحكم، وقد التقي مصطفي خميس وشعر ببراءته من التهم الموجهة إليه وأنه ليس ضد الثورة.


* ما أسباب الخلاف بين جمال عبد الناصر ومحمد نجيب؟

- البداية كانت في عام ١٩٥٤ حينما لم يرض نجيب بتطاول البعض عليه، فقدم استقالته وأعادته الرغبة الجماهيرية، في هذه الفترة بدأ ظهور الإخوان المسلمين كقوة تسعي للسيطرة علي الحكم في مصر من خلال توثيق علاقتهم بمحمد نجيب، وهو ما أثار حفيظة عبد الناصر الذي كان يعلم بنية الإخوان في الحكم، ورغبتهم في الوصول إليه، ومع تواتر الأحداث التي اختتمت بمحاولة اغتيال عبد الناصر في المنشية عام ١٩٥٤ بتخطيط الإخوان وتنفيذ محمود عبد اللطيف، فكان قرار عبدالناصر بعزل نجيب وتحديد إقامته رغم علمه بأنه ليس وراء تلك المحاولة.


* في ١٨ يونيو من عام ١٩٥٣ نشر في صحيفة الأهرام حوار لجمال عبد الناصر أكد فيه أنه لا نية لإعلان الجمهورية وستظل مصر ملكية. وفي نفس اليوم كان إعلان الجمهورية. لماذا حدث ذلك؟

- عبد الناصر لم يكن يبوح بما ينوي القيام به كما أنه كان من الممكن أن يعلن شيئًا وينفذ عكسه حتي يأمن جانب المعارضين له، وهو بهذا التصريح كان يريد تهدئة الموالين للملكية وكانوا كثيرين في تلك الفترة، ونفس الشيء حدث في اتفاقية الجلاء التي وقعتها مصر في العام ١٩٥٤ مع الإنجليز وكانت تنص في أحد بنودها علي إمكانية عودة القوات الإنجليزية لمنطقة القناة في حال تعرض أي دولة من دول حلف بغداد للاعتداء، وافق عبد الناصر علي البند لكنه أعلن تأميم القناة بعد أيام من جلاء آخر جندي إنجليزي عن مصر في ١٨ يونيو ١٩٥٦.


* هل تعتقد اليوم أنه كان من مصلحة مصر إلغاء الملكية والأحزاب؟

- كان لابد من إلغاء الملكية التي فرضت علي شعب مصر، فالنظام الملكي كان خاضعاً للاستعمار ومخربا للأحزاب ومعتمداً علي أحزاب الأقلية رغم شعبية الوفد. وبالتالي كان إلغاء الملكية أمر حتمي.
أما الأحزاب فقد كان هناك نية للتعاون مع الوفد لولا وقيعة تسبب فيها مصطفي أمين بين فؤاد سراج الدين وجمال عبد الناصر نتج عنها قرار عبد الناصر قطع صلته بالوفد، وفيما بعد قرار إلغاء الأحزاب، وما حدث أن جمال عبد الناصر طلب مني بعد قيام الثورة بشهور قليلة إحضار أحمد أبو الفتح، وإبراهيم طلعت وكانا يمثلان الطليعة الوفدية للقائه في منزل أحمد فؤاد رئيس مجلس إدارة بنك مصر،
وكان صديقاً لعبد الناصر، الذي استمع لآرائنا ثم كشف لنا عن تفكيره في أن تأتي وزارة وفدية من شباب الوفد، ثم أخبرنا أنه ذاهب للقاء سكرتير عام الوفد وقتها فؤاد سراج الدين، وبالفعل تم اللقاء، وانتهي بتحديد موعد آخر في الأسبوع التالي، وهو لقاء لم يتم بسبب قيام مجلة آخر ساعة التي كان يرأسها مصطفي أمين بنشر خبر مفاده أن فؤاد باشا سراج الدين التقي بعض ضباط الثورة وصرح بعد لقائه بهم أنه وضعهم في جيبه. وهو تصريح لم يدل به سراج الدين كما أكد لي متهماً مصطفي أمين بالوقيعة بينه وبين ناصر لأنه كان من مؤيدي الملك فاروق.


* في تلك الفترة تزايدت الأصوات المطالبة بعودة الجيش لثكناته، لماذا لم يحدث هذا؟

- كان عبد الناصر يخشي من تزايد نفوذ الإخوان علي الحكم في حال عودة الجيش لثكناته، بالإضافة إلي سوء العلاقة بين مجلس قيادة الثورة وحزب الوفد.
إبراهيم بغدادي عضو تنظـيم الضباط الأحرار: «التوريث» قادم رغم نفي «النظام».. والفساد الآن أشد قسوة مما كان عليه قبل الثورة
رغم سنوات عمره التي جاوزت الثمانين، وشيخوخته التي يسعي لقضائها في هدوء، فإنه وبحكم العادة مازال رجل مخابرات من الطراز الأول يحلل الأحداث ويتابع الحاضر بصحفه وأحداثه اليومية، ويقارن بين الماضي والآني في محاولة لاستقراء ما ستؤول إليه الأحوال، ويراوغ في الحديث كلما شعر بالتضييق عليه للحصول علي إجابة لا يريد البوح بها. اللقاء به لم يكن للحديث عن الثورة والتاريخ فقط، ولكنه كان محاولة لاستقراء الحاضر بعيون الماضي، علنا نستفيد من خبرته.
إنه إبراهيم بغدادي ضابط الجيش، الذي تتلمذ علي يد جمال عبدالناصر في الكلية الحربية عام ١٩٤٣ وشاركه حصار الفالوجا في حرب فلسطين ١٩٤٨، وكان أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، وكان دوره تأمين الثورة في الإسكندرية، وهو العمل الذي استمر فيه حتي العام ١٩٥٥، حينما أنشئ جهاز المخابرات العامة فالتحق بالعمل به وظل فيه حتي عام ١٩٦٥ حين صدر قرار بتعيينه محافظاً لمحافظة كفر الشيخ.
يفتح الحوار مع إبراهيم بغدادي الباب لتساؤلات أكثر مما يمنحك إجابات. ففي الوقت الذي يري فيه أن أحوال المصريين الآن باتت تفوق في شدتها ما كانت عليه قبل اندلاع ثورة يوليو التي شارك فيها، يعتقد في استحالة ثورة جديدة تغير وضع المصريين، كما يري أن الثورة انتهت بوفاة عبدالناصر وكل ما يقوله من جاءوا بعده من أنهم امتداد لثورة يوليو ما هو إلا محاولة لإكساب الشرعية التاريخية لنظم الحكم التي عرفتها مصر.



* ما رأيك فيما أثير من جدل حول فترة الحكم الملكي في مصر وما تلاها من فترة الحكم الجمهوري عقب عرض مسلسل الملك فاروق؟ وكيف كانت أحوال المصريين قبل الثورة؟

ـ علي الرغم من الأحداث التي تعرض لها المسلسل وإظهاره مصر بصورة مثالية، فإن معاناة المصريين كانت كبيرة علي جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وهو أمر يؤكده التاريخ بلا جدال. كان هناك فقراء وإقطاع وفساد، واحتلال حتي إن الوزارات كانت تأتي لتستقيل لا لتضع حلولاً. لكن المجتمع المصري، رغم كل ذلك كان مجتمعاً متماسكاً منظماً وقوياً.


* الناس تقارن بين ما تقرأه الآن عن الفساد وسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وما كان قبل الثورة. كيف تجد تلك المقارنة؟

ـ الحقيقة أن الأحوال الآن أكثر قتامة، مما كانت عليه قبل ثورة يوليو، فلا توجد ديمقراطية حقيقية والفساد بات يزكم الأنوف إلي جانب أنه في الماضي كان هناك هيكل اجتماعي يحمي المصريين من الانهيار، وكان هناك هدف يجمعهم ويوحد صفوفهم، وهو ما تغير الآن، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين الطبقات إلي الحد الذي كادت أن تختفي فيه الطبقة المتوسطة، ورغم ذلك فإنه لا أمل في قيام المصريين بإحداث تغيير أو ثورة، والسبب أنه في الماضي كنا ٢٠ مليوناً، والآن نحن قاربنا علي ٨٠ مليوناً، أضف إلي ذلك أن الرأي العام في مصر كان محايداً، لكن اليوم هناك مزيج من الاتجاهات.


* كيف تري اقتراب رجال الأعمال من السلطة الآن وهل كان هذا الآمر يحدث في العهد الملكي؟

ـ كان هناك عدد من رجال الأعمال الذين ربطتهم ببعض الشخصيات في القصر الملكي علاقات صداقة كان من أشهرهم إلياس أندراوس، وعبود باشا وهو أمر طبيعي أن تجد في المجتمع الرأسمالي علاقات بين المال والسلطة، لكننا لم نشهد ما يحدث الآن، حيث نري رجال أعمال يحتكرون صناعات إلي جانب احتكارهم المناصب السياسية التي تمكنهم من معرفة القرارات والمشاركة في وضع القوانين. إلي جانب أن رجال الأعمال في العصر الحالي، كونوا ثرواتهم من خلال سيطرتهم علي أراضي الدولة التي يشترونها بأبخس الأسعار بلا ضوابط . أما رجال أعمال ما قبل الثورة فكانوا من العصاميين.


* البعض يري أن الثورة فشلت في تحقيق الديمقراطية التي نادت بها.. وأنها كرست للحكم الديكتاتوري. ما تعليقك؟

ـ عندما قمنا بالثورة كنا نهدف لإصلاح حال الجيش والقضاء علي الفساد، وكان علينا بعد نجاح تحركنا العودة إلي قواعدنا دون التدخل في السياسة التي كنا نفتقد الخبرة فيها وترك الأمور لمن يصلحون لقيادة البلد، وكان خطأ عبدالناصر إصراره علي الاحتفاظ بالحكم والتمسك به ولعلنا كنا تجنبنا الكثير لو سمع لآراء من حوله بعودة الجيش لثكناته، كما نادي بذلك محمد نجيب وخالد محيي الدين وغيرهما.
إلي جانب كل هذا فالجيش الآن ومنذ نكسة ٥ يونيو عام ١٩٦٧ لا علاقة له بالسياسة بعد انتحار المشير عبدالحكيم عامر وهو ما انتهزه جمال عبدالناصر لاستعادة سلطته التي كان قد فقدها علي الجيش منذ عام ١٩٥٦، فمنذ قيام الثورة كان ناصر يعتمد علي الجيش في مساندتها وحمايتها لذا كان قراره بترقية عبد الحكيم عامر ومنحه سلطات واسعة للإشراف علي الجيش لثقته في حكيم. وبعد هزيمتنا العسكرية في العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ طالب مجلس قيادة الثورة بعزل عبدالحكيم عامر، إلا أن ناصر رفض رغم علمه بأن الجيش ليس علي المستوي المطلوب وعلي الرغم من ذلك عمل عامر علي عزل ناصر عن الجيش فهيمن عليه بتعيين الموالين له لتتوالي الهزائم السياسية والعسكرية، والتي كانت أكثرها فداحة نكسة يونيو لتخسر مصر هيبتها وأرضها وقبل كل هذا إيمان المواطن بنظام حكمه.


* البعض يري أن ما ذكرته كان مبرراً للتخلص من المشير عبدالحكيم عامر بمعني أنه قتل ولم ينتحر؟ ما قولك؟

ـ عبدالحكيم عامر انتحر ولم يقتله أحد، وبالمناسبة لم تكن سياسة القتل من طبع الرئيس عبدالناصر، رغم كل ما قيل عن تخلصه من خصومه. وأذكر أنه عند قيام الثورة والحيرة التي أصابت الضباط الأحرار فيما يتعلق بمصير الملك فاروق، اقترح جمال سالم قتله، إلا أن عبدالناصر اعترض.


* لكن في تحقيقات قضية انحراف جهاز المخابرات المصرية قيل علي لسان صلاح نصر إن جزءاً من سم الأكونتين المختفي حصلت عليه أنت للقيام باغتيال الملك فاروق. ما تعليقك؟

ـ لا أعلم لماذا قال ذلك، لكنني لم أشاهد الملك فاروق في حياتي سوي مرة واحدة قبل وفاته علي أحد مقاهي روما الموجودة في شارع «فيافينتو»، وجاء ذلك أثناء تواجدي فيها لأداء إحدي المهام في العام ١٩٥٨ وكان يجلس مع بعض الأجانب. أما قصة موت فاروق فالطب الشرعي الإيطالي أدلي بدلوه فيها، مؤكداً موته بالذبحة الصدرية.


* هل مازال الحكم في مصر يستمد شرعيته من ثورة يوليو؟

ـ هذه المقولة غير صحيحة، فالثورة انتهت بوفاة ناصر والقوانين تغيرت والرؤي، واختلفت أيضا وكل يحكم بما يتراءي له.

* كيف تري الحالة السياسية الآن في مصر؟

ـ هناك حالة من الترقب. والتشوش أيضاً، فعلي الرغم من حالة الإنكار التي تسيطر علي الحديث السياسي فيما يتعلق بفكرة توريث الحكم، فإن الواقع والقرائن تؤكد حدوثه، رغم نفي النظام ذلك، في الوقت الذي ترفض فيه الناس تلك الفكرة وتريد رئيساً منتخباً بطريقة ديمقراطية.

المصدر... المصر اليوم