ما الواجب علينا اتجاه علمائنا :

1- أن نحفظ للعلماء مكانتهم و فاعليتهم في قيادة الأمة وأن نتأدب معهم :
إن في معاملة السلف لعلمائهم لقدوةً لنا ، يجب الإقتداء بها ن وإن فيما سطّروه من بيان ٍ لآداب طالب لنوراً ، ينبغي لشُداةِ العلم أن يستنيروا به في طريق الطلب .
قال العراقي: (لا ينبغي للمحدث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك، وكان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء ).
وقال ابن الشافعي: ( ما سمعت أبي ناظر أحداً قط فرفع صوته ).
وقال يحيى بن معين: ( الذي يحدث في بالبلد وفيها من هو أولى منه بالتحديث فهو أحمق ).
وقال الصُّعلوكيّ: ( من قال لشيخه: لم - على سبيل الاستهزاء - لم يفلح أبدا ).
وتأدب ابن عباس – رضي الله عنه - مع عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه - حيث مكث سنة يريد أن يسأله عن مسألة من مسائل العلم ، فلم يفعل .
وقال طاووس بن كيسان : ( من السُّنة أن يُوقر العالمُ ).
وقال الزهري : ( كان سلمةَ يماري ابن عباس ؛ فحُرم بذلك علماً كثيراً ).
وقال البخاري : ( ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين ).
وقال المغيرة: ( كنا نهاب إبراهيم كما نهاب الأمير ).
وقال عطاء بن أبي رباح : ( إن الرجل ليحدثني بالحديث، فأنُصت له كأني لم أسمعه أبداً . وقد سمعته قبل أن يولد ).
وقال الشافعي: ( ما ناظرت أحداً قط إلا وتمنيت أن يجري الله الحق على لسانه).
ذُكر أحد العلماء عند الإمام أحمد بن حنبل - وكان متكئاً من علة - فاستوى جالساً وقال لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ .
وقال الجزري: ( ما خاصم ورع قط ) .
وبمثل هؤلاء يحسن الإقتداء { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } . [ سورة الأنعام ، الآية : 90 ]

2- أن نعلم أنه لا معصوم إلا من عصم الله ، وهم الأنبياء والملائكة.
وعلى ذلك فيجب أن ندرك أن العالم معرضٌ للخطأ ، فنعذره حين يجتهد فيخطئ ، ولا نذهب نتلمس أخطاء العلماء ونحصيها عليهم .
ولقد كان سلف الأمة – رحمهم الله – يستحضرون هذا الأمر ، ويفقهونه حقَّ الفقه .
قال الإمام سفيان الثوري: ( ليس يكاد يثْبُتُ من الغلط أحد ).
وقال الإمام أحمد: ( ومن يعرى من الخطأ والتصحيف !! ).
وقال الترمذي: ( لم يسلم من الخطأ والغلط كبيرُ أحدٍ من الأئمة مع حفظهم ).
وقال ابن حبان : ( وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت صحة عدالته بأوهام يهم في روايته، ولو سلكنا هذا المسلك تُرك حديث الزهري، وابن جُريج، والثوري ، وشعبة ، لأنهم أهل حفظ وإتقان، ولم يكونوا معصومين حتى لا يهموا في رواياتهم ).

3 - أن ندرك أن الخلاف موجود منذ عهد الصحابة وإلى أن تقوم الساعة :
لذلك يجب أن تتسع صدورنا للخلاف بين العلماء ، فلكل واحد منهم فهمه ، ولكل واحد إطلاعه على الأدلة ، ولكل واحد نظرته في ملابسات الأمور ؛ فمن الطبيعي أن يوجد الخلاف بينهم ، وانظر ما ذكره كثير من العلماء في هذا الموضوع ، ككتاب (( رفع الملام عن الأئمة الأعلام )) ، لشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - .

4- أن نفوت الفرصة على الأعداء، و ننتبه إلى مقاصدهم وأغراضهم، وأن ندافع عن علمائنا،لا أن نكون من وسائل تمرير مخططات الأعداء من حيث لا يشعرون

5 - أن نحمل أقوال علمائنا وآراءهم على المحمل الحسن، و ألا نسيء الظن فيهم ، وإن لم نأخذ بأقوالهم.
حقاً أننا لسنا ملزمين بالأخذ بكل أقوال العلماء،لكن ثمة فرقاً كبيراً بين عدم الأخذ بقول العالم- إذا كان هناك دليل يخالفه - الجرح فيه ، فلا يعني عدم اقتناعنا برأي العالم أن نستبيح عرضه ، ونأكل لحمه .
ولقد كان الإمام الشافعي – رحمه الله - يقول: ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) ونُقل ذلك عن غير واحد من الأئمة ؛ فقد كانوا يُدركون أنه ليس أحد متعبداً بقول عالم ، فقد يكون قوله مخالفاً للدليل ، لأنه لم يبلغه – مثلاً – لكن تبقى حرمةً العالم مصونة ً من الطعن والوقيعة .
قال عمر - رضي الله عنه- : ( لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً ).

6 - أن ننتبه إلى أخطائنا وعيوبنا نحن، وننشغل بها عن عيوب الناس عامة، وعن أخطاء العلماء خاصة.
يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ****** إن عـبت منهـم أمورا أنت تأتـيها
وأعظـم الإثـم بعـد الـشرك نـعـلمه ****** في كل نفس ؛عماها عن مساويها
عـرفـتها بعـيوب الناس تــبـصرهـا ****** منـهم ولا تبصر العيب الذي فيها
وما مثل من يقع في أعراض العلماء وينسى نفسه إلا كما قال الشاعر :
كناطح صخرة يوما ليوهنها ******** فلم يضرها ، وأوهى قرنه الوعــــــل
أو كما قال الآخر :
يا ناطح الجبل العالي ليثلمه ******** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

قد يقتصر العالم، ولكن هل يعني تقصيره أن نترك علمه وعمله ؟!
أعمل بعلمي وإن قصرت في عملي ******* ينفعك علمي ، ولا يضررك تقصيري


--------------------------------------------------------------------------------

السبيل السليم لبيان الحق ، بدون الوقوع في العلماء .
بعض الناس اليوم وقعوا بين إفراط وتفريط، ففريق يطعنون في العلماء ويتهمونهم كلما قالوا شيئاً.
وفريق آخر ، إذا سمعوا عالماً أو طالب علم يُبين الحق بدليله قالوا : إنه يقع في أعراض العلماء ، ويُحدث فتنة .
وكلا الفريقين مجانب للمنهج الصحيح في هذا الباب .
فما المنهج الصحيح الذي نجمع فيه بين بيان الحق وحماية أعراض علمائنا , غير ملتزمين بقولٍ إلا إذا كان مقروناً بالدليل ؟
يمكن توضيح ذلك المنهج كما يلي :

1 - التثبت من صحة ما ينسب إلى العلماء .
فقد ُتشاع عن العلماء أقوال ؛ لأغراض لا تخفي . فيجب التأكيد مما يُنقل عن العلماء ،فقد يكون غير صحيح ، ولا أساس له ، وكم سمعنا من أقوالٍ نُسبت إلى كبار علمائنا، ولما سألناهم عنها تبين أنمهم بُراءُ منها . هناك غير قليل من الناس يجلس أحدهم في المجلس ويقول: الشيخ فلان - هداه الله- وفيه كَيْتَ وكيت . فتسأله : لماذا ؛ فيقول : إنه يقول : كذا وكذا . حتى إذا ذهبت إلى ذلك الشيخ وسألته عن صحة ما نُقل عنه ؛ قال : والله ما قلت شيء من هذا !
إذن، فالتحقيق من صحة ما يُعْزي إلى العالم يُعد خطوة أولى في المنهج الصحيح، الذي نحن بصدده.

2 – أن نعرف أن عدم الأخذ بقول العالم ، وأن مناقشته والصدع ببيان الحق، يختلف تماماً عن الطعن في العلماء، فالفرق بين الأمرين عظيم جداً . يجوز لنا ألا نأخذ بالفتوى ، إن لم توافق الدليل، ولكن لا يجوز لنا الطعن في العلماء.

3 - أن يقصد المتحدث بكلامه وجه الله - جل وعلا -
فيستحضر الإخلاص،ويحذر من الأغراض الشخصية العارضة كالهوى، والتشفي،وحب الظهور،{ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً }.[ سورة الكهف ، الآية : 110 ]
ولينتبه فإنه قد يكون ردُّه في الأصل بإخلاص وتجرد لله ، ثم تدخل عليه أعراض يوسوس إليه بها الشيطان ، من حب البروز وغيرها من الآفات المفسدة للنية .


4 - الإنصاف والعدل :
ا المتأمل في واقع بعض طلاب العلم يجدهم إما أن يأخذوا كل ما يقوله العالم، أو يردُّوا كل ما يقوله، وهذا خلاف ما أمر الله – تعالى – به من العدل والإنصاف ، قال تعالى : { ولا يَجْرمَنَّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [ سورة المائدة ، الآية : 8 ]
والعدل الإنصاف هو منهج أهل السنة والجماعة ،
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( أهل السنة أعدل مع المبتدعة من المبتدعة بعضهم مع بعض ).
والعدل والإنصاف مع العلماء يتضمن أموراً :
أ- الثناء على العالم بما هو أهل له .
ب- عدم التجاوز في بيان الخطأ الذي وقع فيه , فإذا وقع أحد العلماء في خطأ، وأردت أن تبين خطأه، فلا تذهب تُحصي جميع أخطائه ، وتستطيل في عرضه ،وإنما احصر حديثك في القضية التي تريد بيان الحق فيها ، ولا تتجاوزها ، وإياك أن يستجرك أحد إلى تجاوزها .

5 - أن نسلك منهج رجال الحديث في تقويم الرجال :
إن على منْ يتصدى لبيان الحق في مسألة أخطاء فيها أحد العلماء ، أن يسلك المنهج الدقيق المنصف الذي رسمهُ رجال الحديث - رحمهم الله - وثمة رسالة جملية مختصرة ،صغيرة في حجمها، كبيرة في قيمتها ، تبين هذا المنهج ، وعنوانها :منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم/ للشيخ : أحمد الصويان . فأحيل القارئ الكريم إليها , ففي النهر ما يعني عن الوشل .

6- أن نعلم أن خطأ العالم على نوعين : خطأ في الفروع ، وخطأ في الأصول .
* أما مسائل الفروع فهي مسائل اجتهادية ، يجوز فيها الخلاف ، فإذا أخطاء فيها العالم ؛ بيّناّ خطأه فيها ، بدون تعرض لشخصه .
* وأما مسائل الأصول ( العقيدة )، فيبيَّن القولُ الصحيح فيها ، ويحذر من أهل البدع في الجملة، وينبه إلى خطورة الداعي إلى بدعته ، بدون إفراط ولا تفريط.
يقول شيخ الإسلام : ( أهل السنة أعدل مع المبتدعة من المبتدعة بعضهم مع بعض ) ، فالمبتدعة يأكل بعضهم لحوم البعض، وكل فئة تغمط الأخرى حقَّها،وأما أهل السنة فينصفون ،حتى مع الكفار،فضلاً عمَّن كان مخطئاً خطأ ً دون الكفر .
إن بعض الناس اليوم يميلون ميلا ً عظيماً عن طريق أهل السنة والجماعة في هذا الباب،فقد
استمعت منذ فترة إلى قصة مؤلمة محزنة، أوهي أن نفراً اتهموا احد الدعاة بأخطاء في العقيدة، ولم يقتصروا على بيان أخطائه العقدية ، بل مضوا يذكرون عنه قصصاً شخصية في بيته : عن زوجته ، وعن بنته ، وعن أولاده . سبحان الله ! لماذا الحديث عن وزوجته ابنته وأولاده؟! ما الداعي للطعن في شخصه ؟! حقاً أننا لا نحث على السكوت عن الخطأ ، ولكننا ندعو إلى الأسلوب الصحيح ، لبيان الحق ، وتوضيح الخطأ .

7- أخيرا ، إذا أمكن الاتصال بمن وقع منه الخطأ- سواء في الأصول أو الفروع، لعله يرجع إلى الصواب ، فهذا أولى .
لأن الحق هو المقصود، وفي رجوع المخطئ بنفسه عن قوله وإعلانه ذلك للناس خير كثير؛ لأنك إن رددت عليه ، وبينت الحق ؛ فقد يقتنع نصف الناس، وإما إذا رجع هو بنفسه بعد مناصحتك له ، وتخويفك إياه بالله ؛ فسيقتنع كل الناس الذين أخذوا بقوله .
ومما يذكر في هذا المقام أن اثنين من العلماء اختلفا في مسألة ، فلم يذهب كل واحد منهما يخطئ صاحبه عند الناس ، بل اجتمعا وتناظرا ، فكانت نهاية المناظرة أن أخذ كل واحد منهما بقول الآخر ؛ لأن مرادهما هو الحق .



نسأل الله الهداية