من بيت النار يكتبها لطفي الياسيني

  1. افتراضي من بيت النار يكتبها لطفي الياسيني

    من بيت النار يكتبها لطفي الياسيني
    -----------------------------------
    هنالك إجماع في الشارع،الزقاق، المقهى والبيت، بأن من دعوا الشاعر محمود درويش الى حيفا قد أخطأوا خطأ فاحشاً هذه المرة! لأنه ما كان عليهم أن يحشروا مشهدا أسطوريا كهذا في قاعة لا تتسع لأكثر من ألف وخمسمئة شخص! وحتى لو حشدنا فيها الناس مثل السردين المعلب وقوفا وقعودا وقرفصة وعناقاً فسيبقى هناك المئات خارج القاعة فقط كي يسجلوا لأنفسهم شرف حضور هذه الأمسية التي تحمل رائحة وشكل الأسطورة!
    كانت هذه فرصة تاريخية أضاعها جمهور الشعر والثقافة بأن يتحدى ويتفوق على جمهور هيفاء وهبة وحتى على جمهور كرة القدم عددا وحماسة لو أقيم هذا اللقاء في أستاد الدوحة في سخنين مثلا!
    منذ أسبوعين لا تكاد تنتهي مكالمة هاتفية أو لقاء عابر حتى يُسأل السؤال...هل تمكنت من الحصول على بطاقة دخول لأمسية درويش؟ من أين حصلت على بطاقة!وكيف يمكن الحصول على واحدة إضافية لإبني الثاني!كيف سأرضي واحدا وأزعل آخر! ولماذا لم يقيموها في ملعب لكرة القدم بدلا من حشرها في الأوديتوريوم! كان بالإمكان أن يحضرها عشرة أو عشرون الف! ثم لماذا لم يرفعوا ثمن التذكرة الى مائة شيكل بدلا من خمسين!
    فجأة وكأنما استيقظ الناس من غيبوبة طويلة،راحوا يتحدثون عن أمسية شعرية بحرارة كما لو كانوا يتحدثون عن مباراة كأس العالم النهائية بين البرازيل وفرنسا! ما الذي يجعل سائق الشاحنة وبائع الخضار والصحافي والمربية والنادل وصاحب حانوت الأحذية والعاشق المجنون والآخر المخذول،المتدين والعلماني اليميني واليساري وهذا ينطبق على الذكر والأنثى يتحدثون كلهم عن أمسية شعرية!
    هل هو الخطر المحيق بقضية فلسطين الذي جعل الجماهير تنتفض معلنة بهذا تجديد العهد بدءا من المربع الأول!من حيفا التي وقف فيها الشاعر وهتف سجّل أنا عربي..! هل هي العودة الى الأصولية الفلسطينية المتمثلة بأوراق الزيتون والسنديان ،الكرمل،القرميد ،السنونو،الخيمة،الشوك،رموش العين! القيد ، السجان الورد والقمح !هنا من قلب الحصار خصوصا بعد أن كسر الإقتتال الداخلي زجاج النافذة الصغيرة المطلة على فلسطين! جفت آمال كثيرة،وأدار الشعب ظهره لرموز كثيرة بعد أن خذلته، والشعب أي شعب يحتاج الى رمز يحبه ويتمسك به، رمز يبقيه نظيفا وطاهرا، ودرويش بالنسبة للباقين هنا في حيفا والجليل والمثلث والنقب يمثل هذه الطهارة وهذا النقاء، بعودته هذه يقفل دائرة بعد أربعة عقود، يعود الى القرمية الى الجذر الذي لم يفارقه في ترحاله!
    إن عظمة المبدع هي في قدرة إبداعه على تغيير مفهوم الناس لقيمة ما! ودرويش من المبدعين القلائل الذين يملكون القدرة على تغيير قناعات وقيم لدى الجماهير ومساعدتها على إكتشاف مكامن قوتها وضعفها، قبحها وجمالها، لأنه يحتفظ بمصداقية وتجربة لم تتوفر للكثيرين!محمود في شبابه الأول كان صرخة طفل النكبة، هو يمثل الطفل الذي هدد الضابطُ أمه بتفريغ المسدس في رأسه إذا ما عادت الى قريتها!هو حلم الشبان العرب في فلسطين بلقاء مصر وعبد الناصر ورموز الفن العربي قي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي! وهو الذي فطّن الملايين الى قهوة الأم ومتعة الرغيف من يديها! محمود ألقى رداء الشعر على تفاصيل فلسطين اليومية، فعاش الشعر في كل عشبة وحجر وشجرة وموجة وقبلة! تقمص مشاعر الملايين فصار عيونهم وقلوبهم ونبضهم !ولهذا يحبونه حتى دونما قراءة شعره!
    من المؤكد أن كثيرين لا يستوعبون أشعار درويش حتى البسيطة منها، وهم ليسوا بحاجة لهذا الفهم ، وقد يرددون ما لا يفهمونه من بعض أشعاره الحديثة،وجزء كبير من محبي درويش لم يقرأوا درويش لكنهم يثقون بمصدر هذا الكلام الغامض! شعراء كثيرون يكتبون بشكل ممتاز ولكنهم يفتقدون الى السحر الذي يأسر الجماهير،ربما لأن شعرهم قطع العلاقة مع الناس،أو لأنهم هم أنفسهم فقدوا مصداقيتهم ولم يكن شعرهم سوى ضرب من الصناعة الذهنية الخالية من العاطفة والصدق، درويش جرح يحكي، في لحظة البكاء يعيننا على الدموع ولحظة العشق يعيننا على القبلات وهو الذي يبعث فينا الإبتسامة والدمعة والنشوة في آن واحد!
    زيارة درويش الى الكرمل تعيدنا الى القمح المنتشر على جسد
    أنثى،الى الموت الذي يشرب القهوة، الى مقالع الحجارة التي عمل بها آباؤنا، الى أعمق طبقات وعينا ولا وعينا، درويش قلعتنا الثقافية ومخزوننا الإنساني الذي تجاوز الحالة الشعرية!محمود يمثل قصة فلسطين في كل تجلياتها بدءا من البئر المهجورة في البروة وحتى العودة الى أوديتوريوم حيفا! هو رسالتنا الى أنفسنا والى العالم، صناعتنا الوطنية التي نعتز بها!لم أسمع أحدا يتساءل ما الذي سيقرأه درويش في حيفا! فالمهم أنه هنا معنا، حتى أولئك الذين سيقفون خارج القاعة غاضبين سيكونون سعداء لأنهم جزء من المشهد، ينتابني شعور وكأنها عودة المبشر بعد رحلة تبشيرية استمرت أربعة عقود!أما أولئك الذين انتقدوا زيارة درويش لوطنه فلا يمكن أن نشعر تجاههم إلا بالشفقة،لأن هذا ليس موقفا سياسيا ولا ثقافيا،هو موقف نابع من منافسة حزبية مريضة لا تمت للشعر ولا للحلم الفلسطيني بصلة، فلينظروا لأنفسهم جيدا وسوف تحمر وجوههم،هذه الأمسية الأسطورة جاءت لتقول إن البلد الذي ترتقي حجارته الى مستوى الشعر يبقى حيا الى الأبد.ولنا أن نردد مع درويش ما قاله قبل أكثر من أربعة عقود من سجنه في حيفا
    أقول للناس للأحباب:نحن هنا
    أسرى محبتكم في الموكب الساري
    في اليوم أكبر عاما في هوى وطني
    فعانقوني عناق الريح للنار
    _________________

  2. افتراضي

    البلد الذي ترتقي حجارته الى مستوى الشعر يبقى حيا الى الأبد
    صدقت يا شاعر دير ياسين

    وستعود رمال فلسطين الى اهلها فى يوم قريب باذن الله
    وستبقى فلسطين حرة ابية باذن الله ولو كره الغاصبون المحتلون

المواضيع المتشابهه

  1. صفات نساء الجنة وصفات نساء النار ـ اقتباس :لطفي الياسيني
    بواسطة لطفي الياسيني في المنتدى المنتدى الاسلامى
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 29 - 07 - 2009, 05:42 PM
  2. اللمسة الاخيرة / يكتبها لطفي الياسيني
    بواسطة لطفي الياسيني في المنتدى منتدى القصص و الروايات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29 - 05 - 2009, 10:58 PM
  3. من بيت النار/يكتبها لطفي الياسيني
    بواسطة لطفي الياسيني في المنتدى منتدى القصص و الروايات
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 25 - 06 - 2007, 10:15 PM
  4. من قاع قبري اصيح/يكتبها لطفي الياسيني
    بواسطة لطفي الياسيني في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 22 - 06 - 2007, 03:34 PM
  5. مشهد عظيم ينتهي الى الجنة او النار ـ اقتباس :لطفي الياسيني
    بواسطة لطفي الياسيني في المنتدى المنتدى الاسلامى
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 08 - 05 - 2007, 07:47 AM