مؤسسة الأسرة واحتمالات المستقبل
بقلم الكاتب والباحث/احمد محمود القاسم
تطورت مؤسسة الأسرة، عبر تاريخ الإنسان الطويل، ومرت بأشكال وصور مختلفة، في البداية كانت حياة الإنسان الجنسية والأسرية حياة طارئة ومتاحة وعابرة، وكانت علاقة الرجل بالأنثى تشبه علاقته بصيد الحيوانات، ثم نشأت الرغبة عند الرجل نحو اختيار شريك جنسي معين، والاحتفاظ به لأطول فترة زمنية ممكنة، وكانت هذه بداية للعلاقة الزوجية. لقد عرف احد العلماء الزواج، بأنة الرابطة التي تلبي ثلاثة أغراض كالإنجاب وإرضاء الرغبة الجنسية، والمصاحبة، والتي توحي بالأنس والاطمئنان.
لم تكن تتوافر بالحياة الزوجية الأغراض الثلاثة المذكورة سابقا، عبر التاريخ الإنساني، فقد تكون إحدى هذه العلاقات خارج الحياة الزوجية والأسرية أقوى منها داخل الحياة الأسرية. لقد عرف الإنسان أنماطا مختلفة للرابطة الزوجية عبر التاريخ، نذكر منها هذه الأنماط:
1-تعدد الأزواج:
هذا النمط، عرف بالماضي في بعض الحضارات، وموجود منه في حاضرنا في جنوب وسط آسيا، حيث تملك الأنثى الحق في معاشرة أكثر من زوج واحد، ولها حق الاختيار بين الأزواج حسب رغبتها، كما أنها تملك الحق في تسمية الأب الشرعي لأبنائها حسب مزاجها الشخصي.
2-تعدد الزوجات:
هذا النمط معروف في تاريخ الحضارة العربية والإسلامية، وهو متبع ومطبق حتى يومنا هذا، وبشروط دينية محددة.
3-زواج المتعة:
هذا النكاح هو: عقد زواج بين الرجل والمرأة، بمهر معيّن، يذكر في متن العقد، إلى أجل معين، وبحلول الأجل، أو بهبة الزوج المدة لها، تنحلّ عقدة النكاح بلا حاجة إلى طلاق.
فتقول المرأة: «زوجتك، أو أنكحتك أو متعتك نفسي بمهر قدره كذا لمدة شهر أو سنة أو أقل أو أكثر».
فيقول لها الرجل: «قبلت». فتثبت الحياة الزوجية إلى انتهاء المدة التي حُدّدت، أو إلى أن يهبها باقي المدة، وبعد انتهاء المدة تعتد- كالأمة- بحيضتين، وقيل: بواحدة، إن كانت ممن تحيض، وبخمسة وأربعين يوماً إن كانت لا تحيض، وهي في سن من تحيض، وعدّة الحامل، والمتوفى عنها زوجها كعدّة الدائمة.
ولا بد أن تتوفر في هذا النكاح جميع الشرائط الشرعية، من البلوغ، والعقل، والاختيار، الخ.. مع عدم وجود مانع شرعي من: نسب، أو سبب، أو رضاعة، أو إحصان، أو عدّة لآخر، أو كونها أخت زوجة، أو نحو ذلك.
هذا بالإضافة إلى توفر سائر شرائط النكاح الدائم، حسبما هو مقرر في الكتب الفقهية.
وولد المتعة يلحق بأبيه، ويرثه، كسائر أولاده، وتشمله جميع العمومات الشرعية الواردة في الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، والعمات، والخالات الخ.
ومهما يكن من أمر فإننا نلخص فوارق الزواج الدائم عن زواج المتعة فيما يلي:
1- ميراث الزوجين، فلا يتوارثان إلا مع الشرط في ضمن العقد على قول مشهور.
أما الولد فهو يرث والديه ويرثانه.
2-يفترض في الرجل في الزواج الدائم أن يتحمل أعباء الإنفاق على المرأة باستمرار، وأن يؤمن ما تحتاج إليه من مسكن، وملبس، وغذاء، ودواء، وغير ذلك.
أما في المنقطع، فليس للزوجة أن تطالب بالسكن، والنفقة، و الطبابة، ونحوها، إلا إذا اشترطت ذلك في ضمن العقد فيما لو رغبت في الاستفادة من ماله. ووجد الرجل في نفسه القدرة على تلبية رغبتها هذه.
وقد تجد لدى بعض النساء إباء عن الاستفادة من مال زوجها، وتتمحور رغبتها في أن تكون في عصمته أو أن تتحرر من طغيان الجنس، أو نحو ذلك.
3-الليلة أيضاً، فلا يجب على الزوج المبيت عند المتمتع بها ليلة من أربع ليال، كما هو الحال في الدائمة.
4-المضاجعة، ليس للمتمتع بها المطالبة بالمواقعة، كما أن بإمكانها الامتناع عن ذلك، وفي هذه الحالة يجوز للزوج أن ينقص من المهر بمقدار ما تمتنع به عنه.
أما الدائمة فلها أن تطالب بالمواقعة مرة في كل أربعة أشهر، وذلك لأدلة خاصة اقتضت ذلك، قد خصّصت تلك الأدلة العامة.
5-إن زواج المتعة يحتاج إلى الصيغة وهو ينعقد بألفاظ ثلاثة هي: «زوجتك» و «أنكحتك» و«متعتك».
6- إنه يشترط في الدائم، أن تكون الزوجة مسلمة، وفي المنقطع يصح التمتع بالمسلمة، وبالكتابية أيضاً على حد سواء، ويستحب اختيار المؤمنة العفيفة.
7 -إن الزوجين يتحكمان معاً في الزمان ابتداءً، فيتخيران المدة حسبما تمليه عليهما ظروفهم، وبإمكانهما تمديدها بعقد جديد.
بينما في الدائم يكون الاختيار في الزمان ملكاً للرجل، ولا خيار للمرأة فيه، والخلاصة أنه لابد من تحديد الأجل طويلاً كان أو قصيراً في المنقطع، فلو أخل به انعقد دائماً، ولا تحديد للأجل في الدائم.
أما ما قاله البعض من أن كتب الإمامية تذكر أن المتعة هي: «النكاح المؤقت بأمد معلوم أو مجهول وغايته إلى خمسة وأربعين يوماً» فمما لا حقيقة له، ولا يوجد في كتب الإمامية منه عين ولا أثر، فلا تصح نسبته إليهم.
8-لا يقع في المنقطع طلاق، بل لزوجها أن يهبها المدة المتبقية، أو أنها حين انتهاء المدة تنقطع العلاقة الزوجية بصورة تلقائية.
9-لا يقع في المنقطع لعان، أو ظهار على المشهور.
10-يجوز العزل عن المتمتع بها، أما في الدائم، فالمشهور أن جواز العزل يتوقف على رضاها، وقيل يجوز، ولو لم ترض.
11-عدة المتمتع بها بعد انقضاء الأجل حيضتان، وإن كانت ممن تحيض، ولم تحض، فخمسة وأربعون يوماً، والعدة في العقد الدائم ثلاثة قروء. لكن عدة الوفاة في الدائمة والمنقطعة على حد سواء.
12-لا رجعة لها في أثناء عدتها، بخلاف المطلقة رجعياً في الدائم، أو المطلقة خلعياً إذا تراجعت عن البذل أثناء العدّة.
13-يشترط في زواج المتعة ذكر المهر، ويتقرر بالتراضي، فإن لم يذكر بطل، وبذلك يفترق عن الزواج الدائم.
14-لا يجوز الزيادة على أربع نساء في الدائم، ولا تحديد للعدد في المنقطع.
15-لا يحتاج بعد الثلاث مرات إلى محلل بخلاف الدائم، فإنه إذا طلقها ثلاث مرات، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
16-إذا مات عنها زوجها قبل انقضاء المدة، ولم يدخل بها استحقت المهر كاملاً. أما الدائم غير المدخول بها، فتستحق نصف المهر بالموت على المشهور.
17- تستحق المتمتع بها المهر كاملاً إذا انقضت مدتها،
ولو لم يدخل بها، أما في الدائم، فلها إذا طلقت قبل الدخول نصف المهر..
18-لا تستطيع المرأة في الزواج الدائم الامتناع عن الحمل إلا بإذن زوجها، أما في المنقطع فلكل منهما الحق في ذلك وجوداً، أو عدماً، فلهما معاً أن يقررا الحمل، ولكل منهما الحق في الامتناع عنه، بالعمل بما يوجب عدم حصوله.
4-زواج يسمح فيه للزوجة أن تنجب طفلا من غير زوجها اذا الراد زوجها ذلك، لأسباب تتعلق برغبة الزوج او الزوجة بإنجاب طفل من فارس مشهور، او رجل شجاع، تتصف فيه بعض المواصفات الخاصة والمميزة، وهذا النوع من الزواج، كان متواجد في عصر الجاهلية.
5-زواج تتم فيه الحياة الزوجية:على أساس أن رعاية الأطفال بالكامل، تكون من حق أهل الزوجة فقط، وليس للرجل أي التزامات نحوهم، كما هو حادث في جزر تروبرياند.
6-زواج مجتمع الاكان:
وفيه يعيش كل من الزوج والزوجة كل في بيت والديه، ويتم هناك تزاور بينهما حيث تقوم فيه الزوجة بزيارة زوجها بالليل، وتحضر له كافة أصناف الطعام والشراب، ويساهم الرجل بتكاليف تنشأة الأطفال، لكنهم يبقوا في حضانة أهل الزوجة، وهذا الزواج لا يفرض أي التزامات على الطرفين.
7-الزواج الجماعي:
هو زواج يشترك فيه عدة أفراد من الجنسين، وتكون فيه العلاقة مشاعا، ومثل هذا الزواج موجود بالوقت الحاضر في بعض المجتمعات، وهم قلة.
8-زواج المبادلة:
فيه يتبادل الزوجان العلاقة الجنسية، مع زوجين آخرين، او أكثر، وقد عرف هذا الزواج في عصر الجاهلية، ومنتشر الآن في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية.
9-التعايش الزوجي:
في هذا النمط من الزواج، يعيش فيه كل من الذكر والأنثى في غرفة واحدة، ويمارسان العلاقة الزوجية، ولكن بدون زواج شرعي، وينتشر نمط هذا الزواج في الولايات المتحدة، بين طلبة الجامعات، وتصل نسبته من 25% الى 50%، وقد ينتهي بانتهاء الدراسة الجامعية، وان كان هناك دراسة تبين أن معظم العلاقات تنتهي بالزواج الشرعي والقانوني.
10-الزواج المفتوح:
هو زواج شرعي، ولكن يتفق فيه الزوجان بحقهم، بإقامة علاقة جنسية خارج العلاقات الزوجية، دون أن يغضب أي منهما الآخر.
11-الزواج التعاقدي:
هو زواج يتم التعاقد فيه على أساس من الحقوق الجنسية للطرفين، بحيث يحدد فيه مدة زمنية لهذا الزواج، ويكون قابل للتجديد، اذا رغب الطرفان في ذلك.
لقد حددت معظم الديانات والتقاليد الاجتماعية ممارسة العلاقة الجنسية بإطار العلاقات الزوجية، وأي خروج على هذه العلاقة، يعتبر أمرا محرما، مع أن القيود على الأنثى كبيرة جدا، بخلاف الرجل، وقد أخلفت الكثير من المجتمعات على مدى الموافقة او الرفض على هذه التجاوزات، لدى جانبي العلاقة، غير أن خروج الإنسان المعاصر على التقاليد الزوجية في عصرنا هذا، هو أكثر إثارة مما كان بالماضي، كما انه أكثر علانية وانتشارا نتيجة للتأثير الإعلامي، وسعة انتشاره بالوقت الحاضر، عنه بالعصور السابقة، وقد أوضحت بعض الدراسات التي أجريت بالزمن الحاضر من قبل بعض العلماء بالمجتمعات الأوروبية والأمريكية الكثير من الإحصائيات، عن مدى العلاقة الجنسية قبل الزواج وأثناء الزواج وخارج الزواج.
فقد بينت الدراسات في أمريكا بان ما نسبته 54% من الذكور، مارسوا الجنس قبل الزواج، وان ما نسبته 35 الى 50% من الإناث، مارسوا الجنس كذلك قبل الزواج, حسب إحصائية سنة 1948م، وفي دراسة أخرى سنة 1978م أجريت على طلبة الجامعات، ارتفعت النسبة بين الإناث لتصل من 61% الى 77%م، وبين الذكور الى ما بين 70% الى 91%.
تعتبر دولة السويد من أكثر الدول في العالم تسامحا في علاقات الانفتاح الجنسي قبل الزواج لكلا الجنسين، وقد دخلت الثقافة الجنسية في مناهج التعليم للطلاب والطالبات معا.
أما في ما يتعلق بالعلاقة الجنسية بالزواج، فقد نظر الى دور الرجل في العلاقة الجنسية بأنة
دور امتياز، وحق، أما دور الزوجة، فوصف بأنة دور مطاوعة وواجب، وفي الفترات الأخيرة، أصبح ينظر الى الاثنين في علاقتهما- الرجل والأنثى- على أساس التكافؤ في الحقوق والواجبات، وقد اعتبرت مؤسسة الزواج من أكثر المؤسسات الاجتماعية استمرارية ودواما، هناك احد الخبراء الأجانب يقول، بان الوقت سيأتي، والذي سيتغير فيه مضمون قسم الزواج والذي يقول " بالإخلاص حتى الموت " الى قسم آخر ليقول " بالإخلاص حتى الموت او الملل ".
يقال بان هناك واقعا يفيد بان دوام الزواج وثباته الآن في بريطانيا اقل بكثير مما كان عليه قبل مائة عام، وان مؤسسة الزواج تواجه المصاعب والتحديات والتي من شانها اذا تواصلت، أن تؤدي الى انقراض هذه الرابطة بمفهومها التاريخي.
أما فيما يتعلق بالجنس خارج مؤسسة الزواج، فان معظم الشرائع الدينية أكدت على القيم الأخلاقية لممارسة الجنس في خلال العلاقات الزوجية، وحصر هذه العلاقة بين الزوجين فقط، إلا أن تأكيده على الأنثى كان أكثر من تأكيده على الرجل، وهذا عائد الى ضمان حقوق التملك لدى الرجل، على زوجته وضمان هوية النسل، وبالرغم من العقوبات المترتبة على الزنا لكلا الزوجين، إلا أن عقاب الرجل "الزوج " أهمل، على ممارساته الجنسية خارج نطاق العلاقة الأسرية، لذلك فقد انتشرت الممارسات الجنسية خارج إطار المؤسسة الزوجية في معظم الحضارات والمجتمعات، وما زالت الى يومنا هذا، مع انه من المعروف أن ممارسة الزوجة للعلاقة الجنسية خارج نطاق العلاقة الزوجية، كان أمرا نادرا في الماضي اذا ما قيس بممارسات الرجل او بممارسات الأنثى في عصرنا الحاضر.
من أسباب ممارسة العلاقة الجنسية خارج المؤسسة الزوجية، هو الرغبة في التنويع وحدوث حالة من الملل بين الزوجين، او قد تكون لحدوث حالة من الاضطراب النفسي لأحد الزوجين، ولعل انتشار نمط الزواج المعروف بالزواج المفتوح، لهو تعبير منطقي لما يحدث الآن. وهذا النمط من الزواج قد يكون موثقا كتابيا او تتم الموافقة عليه شفويا، او بتفاهم صامت، ومن المتوقع لهذا النمط من الزواج انتشارا أوسع بالمستقبل.
الواضح أن تغيرات كبيرة حدثت على المؤسسة الزوجية في هذا العصر، من حيث ممارسة العملية الجنسية، خاصة فيما يتعلق بالأنثى، فقد أصبحت مكافئة للرجل في تصرفاتها الجنسية، وهنا يظهر جليا في مجتمعات الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمعات الأوروبية ومجتمعات دول جنوب شرق آسيا، وبشكل اقل بالمجتمعات العربية والإسلامية وان كانت هذه الظاهرة آخذة بالتوسع والانتشار، وان ا قرار قانون يسمح للزوجة بممارسة حقها بالطلاق في بعض الدول العربية، سيساعد على الإسراع في تغيير نمط المؤسسة الزوجية الكلاسيكي بالمنطقة العربية، وان كان نظام المؤسسة الزوجية الممارس عمليا في بعض البلدان العربية الأكثر انفتاحا، يعتبر نوعا من الزواج المفتوح بدون عقد موثق، بل بتفاهم صامت او شفوي، ومن المتوقع أن يكون هناك انتشارا أوسع بالمستقبل، وهذا يعني أن شكلا آخر من الحياة الاجتماعية قد يظهر مع ما يحمله ذلك من إمكانيات التغير في الحياة والحضارة الإنسانية.
إن انتشار ظاهرة التسامح الجنسي قبل الزواج، وأثناء الزواج، في الكثير من الدول، خاصة العلاقة التي تحدث من جانب الزوجة، في خارج المؤسسة الزوجية، ستقللان من أهمية العلاقة الجنسية في المؤسسة الزوجية، كأساس هام في تكوين الحياة الزوجية.