بسم الله الرحمن الرحيم



أذكر أنني رأيته للمرة الأولى بمخيم في "الثمامة" وكانت بليل وبرد. لاحظت ذاك الذي يداعبه صاحبي وتحس كما لو أن بينهما عشرة وشئ ما فوق العشرة، شئ كالأسرار العميقة وشعور محير. شخص هادئ يتبسم بخجل ومجاملة، الآخرون من حوله مرميون في الصخب و"البلوت" والنقاشات، بينما هو قد اتخذ له مكانا مواربا يتبسم ويداري. بنظارة طبية كبيرة بعض الشئ لكن أنيقة. ولاحظت أيضا في أحد عينيه خللا ما. وربما كان هذا الخلل هو السبب الذي جعل من ذلك الشخص في خيالي ولفترة طويلة بعد ذلك.. رمزا للشخص الذي دمره الحب.

قال صاحبي: شفت ذاك اللي كنت امزح معه؟ قلت "وش به؟" قال "ونعم الرجل هو لكنه يستحي". رأيته بعد ذلك مرات متقطعه في عدد من التجمعات وكان دائما لا يطيل المكوث وأبدا صامت وانطوائي ولا "ينفل" إلا مع رفيقي، يستأذن ويسحبه إلى جانب من المكان ويأخذون بالمسارة والحديث.

ورأيته مرة وقد أتانا بغير الحالة التي اعتدناها منه، مبعثر الملامح لم يحلق وعيناه ضائعتان، دخل علينا تلك الاستراحة وسلم بهدوء وطلب صاحبي كالمعتاد ليكلمه على انفراد، وراحا وأمضيا ساعة أو حولها.. ثم عاد صاحبي مهموما بينما اسـتأذن ذاك ومضى.. وزاد استغرابي منه.. وحيث أنني لم أكن في مكان أعرف كل من فيه جيدا فقد آثرت الانتظار ريثما نخرج من الاستراحة قبل أن أسال صاحبي عن ماحدث..

"عبدالله" ذا اللي انت شفت يعيش مأساة منتب مصدقه.. وتراه مايجي تشوفه احيانا الا علشاني لاني صايرن الوحيد اللي مطلعن على سره ويقدر يفضفض لي وهو مرتاح.. بدت سالفته شاف له وحدتن مرة بمستشفى.. وتناظروا وطولوا متعلقن نظرهم ببعض.. وانجدع بقلبه منه مثل الجمرة سبحان الله.. وراحت وراح وولا رقم تلفون ولا شي.. ويقول عاد بدت الجمرة تحرق وتحرق لما بغى ينهبل وهو مايدري وشلون ياصل له..

بدا يرابط بالمستشفى.. لعله يشوفه يعني.. واختصر لك الموضوع مر عليه اسابيع وهو على كذا.. لمين شافه مره.. وعرفه.. وكان اخوف من انه يكلمه او يعطيه الرقم.. لكنه مادري الا وهي اللي والله جت وكلمته بعد شوية تردد.. وطلعت حاصلن له نفس الحكاية معه.. وانه كانت مثله تدور عليه.. والتم الشمل.. ولقى به جنة الدنيا وعاشت معه اللي احلى من الخيال.. وهي ذيك الفترة اللي كان فيها يكلمني عن حبه ويوم تشوفه بالمخيم مستغنين بحبه عن الدنيا ومابه"..

”اللي حصل وكالعادة حاول يخطبه من اهله.. لكن الابو عيا.. لسببن من هالاسباب السخيفة اللي تعلق بالاصل والفصل.. ومير يوم شافوه انهارت البنت وتعبت دريوا ان بينهم علاقة.. وثار الابو.. وانتظر اول خاطب وقرر يزوجه.. ومن ذيك النقطة بدت مأساة رفيقنا اللي ما انتهت الى هاللحظة"..


"حلوتي درتي وردتي المفتحه.. تعذب وتعاني بمكانن بعيد عن ما اقدر اسوي له فيه شي.. مهيب المسافة ياعم... لكنه متزوجه.. وتذبل وتهلك يوم عن يوم.. حاولت اكلمه اتطمن عليه عيت.. شف النبل واللل.. شف .. تقول مالي حق اكلمك ولي رجل خلاص.. انت روحي لكن هو بقى لي اصلا روح؟.. وتسكر وتروح.. حاولت والله ياعم اتركه ولا انغص عليه زواجه يمكنه تسلك.. مادريت بعد اقل من اسبوع الا مودينه للمستشفى شبه ميتة.. ياعم وش ازين ياعم..
رحت ابزوره اغادين.. ماا.. مالقيت لي صفة.. بأي صفة ابزوره؟.. بصفتي روحه اللي تبي تفارقه الاشوي هالحين؟.. والا بصفتي عشيقن منتهين ميتن حي؟.. والا وشو؟.. وشو بس ياعم؟.. قالوا لي اللي به انه بس مهيب تاكل ولا تشرب.. وقالوا ان اللي به بس انه ماتحاكي احد.. وقالوا انه منهارة عصبيا.. بس.. وتنيهضت روحي.. وتسللت لغرفته بوقتن مابه احد.. بعد معاناة ومخاطرة.. وشفته.. وواااااي ياعمي شفته.. وليتي ماشفته.. وش اشوف.. ميتتن معدودتن مع الحيين.. شاحبتن جبهته وخدوده.. رايحن لونه وشفايفه بيض.. والله ياعم اني ماغير قعدت اتعبر واصيح وانا باكالربعه.. لمين خفت ينتبه لي احد ومير انسحب وامشي بسكات"...

"طلقوه من زوجه.. ورجعت لبيته.. ومير ادق عليه وترد علي.. وتصور ياعم قعدنا بس نصيح ونشاهق بالتلفون.. وهي صوته تعبااان تقل تعافر الروح ماتبيه تطلع الاشوي.. لعله صادفت يكشفنا الابو اللي اصلا منحينه شاك اننا نبي نكلم.. وفصل عنه التلفون.. حسيته انفصل النور من عيوني.. وجاخبر ان الابو يبي يزوجه ثانيه.. وماراح اسبوعن ثاني.. الا قالوا خلاص انهبلت"..

يقول رفيقي "تشوف هاكالاسبوع يوم يجي باكالحالة اللي شفت؟.. تراه كانت يوم سمع انه قالوا خلاص انهبلت.. كثير كلام قال لي.. قال اني ودي اتقدم له وهي كذا اغاديهم يوافقون.. لكن اهله هو عاد يبي يجي دورهم يعيون.. لكن قال هين ماعلي منهم.. وقال ابرسل احدن من الحريم يروح يحاول يحاكيه والاشي لكن يقول صاكينن عليه مايخلونه تشوف احد جاي من برا.. مايبونه تفشلهم يقولون.. "ووش نبي نسوي بس مع هالتصكيك الله يصكك روسهم.. عالم حقيرة مريضه متخلفه"".. يقول "ايه وتكلمنا كثيير او بالاصح هو فضفض كثيييير.. وحسيته يقول رفيقي متمسك بالبنت مهما حصل.. ومشكلته بس مالقى مدخل"..


مرت الأعوام.. وانقطعت اخبار "عبد" عنا.. وسألت عنه صاحبي الذي يعرفه مرارا فلم يفدني عنه بشئ.. وكنت أحس بأن وراء الأكمة ما وراءها.. وأنني واجد شيئا لا محالة.. وانتظرت مترددا على اماكن قدرت أنه سيمر بها.. بعض "الاستراحات" و"المقاهي".. إلى ان رأيته ذات يوم.. وكان في حال مزرية.. ووحيدا.. مثلي.. ذهبت إليه وسلمت وجلست بجواره.. فكنت كالمحدث أعمى.. وجدته بعيدا غير كلف بشئ.. عرفني لكنني أنا لم استطع تعرف أي شئ به.. وبشئ من المداورة سألته عما آل به إلى ماهو فيه...

""مات ابوه عقب كم سنه.. وانا كنت منتظرن هاكالموته.. ورديت باهلي وكل معارفي وتقدمت لأهله.. حاوروا وداوروا قالوا مهبوله مهيب ولا عارفتك وش تبي به.. قلت ابيه ماعليكم من نصلح انا واياه.. وعيوا.. لما أقنعتهم اني ابعالجه برا.. واقتنعوا وجابه لي اخوه هاكاليوم العصريه سكاتي..
وأجرى دمعتي شوفتي لايدياته ورجلينه مربطات من تحت العباة خايفينن تهج بالشارع.. قالوا تراه مسئوليتك انتبه له.. صك عليه اربطه سو به اللي تبي بس لا تقعد تفضحنا تطلع للشارع".. وقطع علي متعة سرده عبرته التي باغتته فلم يستطع ردها فصمت.. وأردته أن يواصل بعد ذلك فلم يستطع.. فأردت التخفيف عنه بالقيام وموافاته فيما بعد وسألت: المهم هي بخير بس؟.. فشهق شهقة قلبت كبدي وأخذ ينشج ويبكي.. إلهي وأنت جاهي أفي هذا الزمن يوجد مثل هذا العاشق؟.. : وشو وراك مهيب حية ترزق ولله الحمد احمد ربك.. وهو يزيد نشجا ومداراة لعبراته حتى قطع قلبي.. وصمت.. وصمت هو..

ثم وبعد أن استعاد شيئا من صفائه أكمل... "البلاوي تبلى.. والله اني كنت احوقه والوقه مثل بنيتي.. وكان يتابعه أفضل طبيب بهالمجال وحاطينن له بالبيت ممرضه خاصة.. هي صحيح منهبله ولاهيب تعرف احد.. لكن كان يكفين منه ببعض ساعات هدوئه اناظره وهي تلعب له بشي منسجمه.. أو الا مني شريت له شي وفرحت به.. كان مجرد دخولي للبيت وهي به يسوى عندي الدنيا ومابه.. وعلى طول اول ما اسوي ادوره واضمه واسلم واتطمن عليه.. وهي ابد كنك تعامل لك بنت اربع او خمس سنين.. لكنه كانت شمعة حياتي اول ماادخل والقاه تفرح ويورد وجهه.. ياقلبي قلباه بس كنت راضي باللي عندي ولا عندي خلاف"... ولما أخذ ينتفض أمسكته وهونت عليه.. وفهمت أن أمرا جللا قد حصل بعد ذاك.. وأحسست بضيق وتوتر..
وطلبت له كأس ماء.. وواسيته.. لكنه لم ينطق بعدها أبدا.. فقمت وودعته.. وفي نفسي شئ منه بعد لم يكتمل.. وذهبت مرهقا بالكاد تحملني قدماي.. لم أشته العودة الى مكاني بعدما سمعت.. فذهبت.. لا ألوي على شئ..

عبدون

-- -- --


أهكذا يفعل الحُب ؟

وهل يستحقان ما آل كل منهما إليه .. ؟

وهل في زمننا هذا من يصل به الحب لما وصل إليه ؟

ربما كانت الغلطة في البداية هو سهم النظرة القاتل ؟!!

آراؤكم

أخوكمmido