[align=justify]ظاهرة "العنوسة" ظاهرة اجتماعية---تحتاج الى حل
بقلم/الكاتب والباحث
احمد محمود القاسم
تعتبر ظاهرة العنوسة بين الشابات الفلسطينيات ظاهرة سلبية جدا، ولم تبحث او تدرس، من قبل أي جهة فلسطينية، لتحليلها والمساعدة على حلها، سواء رسمية او غير رسمية، كالمنظمات الغير حكومية مثلا، رغم ان هناك الكثير من الجهات غير الرسمية، مثل المنظمات الاهلية، ساهمت في حل الكثير من المشاكل الصحية والاجتماعية والزراعية، ولكن لم يتطرق احد لحد الان لمناقشة ارتفاع نسبة ظاهرة العنوسة بين ابناء وبنات الشعب الفلسطيني ووضع الحلول لها، مع العلم انه لا يوجد هناك احصاءات دقيقة، عن الظاهرة واسبابها بشكل عام، والشابات بشكل خاص، من منهن في سن الزواج، ولم يطرق بابهن احد بعد، او من فاتهن قطار الزواج، لكن الظاهرة جلية وواضحة كثيرا، عند بحث اوضاع الاسرة الفلسطينية في مختلف المحافظات. تشير احصائيات في دولة البحرين الشقيقة، هذه الدولة القليلة السكان، الى وجود اكثر من خمسين الف عانس، وفي جمهورية مصر يوجد اكثر من تسعة مليون عانس، ومجمل العوانس في الوطن العربي يتجاوز الخمسة عشر مليون عانس. البعض راى في تعدد الزوجات هو الحل المناسب للمشكلة والبعض الآخر رأى بزواج ما يعرف (زواج المسيار) هو الحل، البعض يرى ضرورة انفتاح اهل الخليج العربي لزواج بناتهن من الشباب العربي،على الرغم من وجود تحفظات كثيرة لدى البعض منهم لأسباب عديدة.
عزوف الكثير من الشباب الفلسطيني عن الزواج، يعود في معظمه، الى اسباب اقتصادية بحتة، تتعلق بعدم حصول الكثير من الشباب والشابات على وظيفة ما، سواء في القطاع العام او الخاص، واذا ما حصل الشاب على الوظيفة، فانه يتطلع الى راتب مناسب حتى يستطيع تأسيس وبناء نفسه، ويصبح قادرا على الشروع والتفكير بالزواج. الرواتب التي يحصل عليها شباب اليوم من وظائفهم الرسمية، لا تكفيهم لكي يفكروا في مشاريع للزواج، خاصة في ظل ارتفاع حاد للاسعار في كافة السلع والخدمات في كل من محافظات الوطن، يعمل البعض من الشباب بالقطاع الخاص، وقد يتقاضوا راتبا افضل مما لو عملوا بالقطاع الرسمي. البعض من شابات اليوم، منغلقات على انفسهن، وغير مستعدات للعمل يدا بيد، الى جانب شريك حياتهن، فهم يريدون " فارس الاحلام " ان يكون جاهزا للزواج ماديا ومعنويا، قبل ان يتقدم لهن، مما يضطر شباب اليوم الى محاولة العمل المتواصل لعدة سنين او اكثر بعد تخرجهم من الدراسة الجامعية، كي يتمكنوا من بناء "عش الزوجية “ حسب
المقاييس المطلوبة.
لماذا لا تعلن الشابات استعدادهن لمشاركة الشباب همومهم.؟
لمساعدتهم في تحمل اعباء الحياة وبناء " عش الزوجية معا"، اضافة الى اهمية الاختصار من شروطهن وطلباتهن المتعلقة باتمام مراحل الزواج من شريك المستقبل، حتى من حيث شراء الاغراض الاساسية للحياة كالثلاجة والغسالة والسجادة وغيرها من الأساسيات والعمل على توفيرها معا من خلال المشاركة والتعاون الفعال. لا شك ان الاباء والامهات كافة يتحملون جزءا كبيرا من ظاهرة العنوسة التي تحدث لابنائهم، خاصة الاناث منهن، فعليهم التساهل كثيرا في الشروط والطلبات من الشباب الراغبين بالزواج، حتى لا يثقلوا عليهم حياتهم ويستنزفوا كل امكانياتهم المادية والمعنوية ولا يضطروهم الى الامتناع عن الزواج. على الشابات مسؤولية الارتقاء بمستواهم العلمي والعملي والاجتماعي، كلما امكنهم ذلك، والتسلح بالعلم والمعرفة والتفكير بعمق بكيفية المساعدة في تأمين وبناء مستقبلهم على اساس العمل المشترك مع شريك حياتهن المتوقع، بروح من الود والتفاهم والتضحية المتبادلة، كي ينجحوا في بناء اسرة متينة وسعيدة، وعلى قواعد صلبة.
خلال زيارتي لمريض في احدى المستشفيات، صادفت شابة بالقرب من احدى المرضى من اقاربها، وخلال حديث عابر معها ناديتها بلقب يا " سيدة " فاجأتني بقولها، عفوا انا لست سيدة، فأنا ما زلت بعدي شابة غير متزوجة، مظهرها يوحي لي، بان عمرها قد يتجاوز الخامسة والثلاثون عاما، جمالها اقل من المتوسط، طلبت مني بكل صراحة وود خلال دقائق، من حديثي معها، فيما اذا كان يوجد بطرفي عريس مناسب لها، تعجبت من جرأتها وصراحتها، لم احاول ان اجرح شعورها، طلبت منها ان تعطيني اسمها وعنوانها ووعدتها بالمساعدة، علما بأنني لن استطيع ان افعل لها شيئا، ولكني قلت " لعل وعسى "لقد عز علي كثيرا حالة هذه الشابة، وقلت في نفسي من هو المسؤول؟ وكيف نضع حلولا منطقية وعملية للعشرات من بناتنا الفلسطينيات، قبل ان يفوتهن قطار الزواج ، ولمن فاتهن كذلك. قد تضطر الكثير من الفتيات، اما الانكفاء على انفسهن، والتقوقع على ذاتهن و تحمل الوحدة والحرمان من قسوة وبرودة حياة العزوبية، او يضطررن بعضهن للزواج من أي شخص يتقدم لهن، بعد ان تمنعن كثيرا بالزواج من اشخاص وضعهم افضل كثيرا مما هو معروض عليهن، بوقت لاحق، ولم يقبلوا بالزواج منهم. ان انطلاق فتياتنا للانخراط والعمل في المشاريع الانتاجية، وبالشركات والمصانع، من شأنه ان يساعد كثيرا، في حدوث زيادة، في عدد الزيجات، وارتفاع في معدلات الزواج، ولكن هذا يتطلب ايضا اقامة الكثير من المشاريع الإضافية الاقتصادية والتجارية والخدماتية وغيرها، وتوظيف الشابات بها جنبا الى جنب الى جانب الشباب.
بعض الدراسات في بعض الدول، اثبتت ان توفر حدائق ومتنزهات عامة وخاصة في كل مكان، تساعد كثيرا في التقليل من ظاهرة العنوسة، وعمليات الطلاق بين الازواج.
البعض يقترح إنشاء بنك للزواج على شاكلة بنك المعلومات، وبنك الدم، بحيث يوضع في هذا البنك، كافة المعلومات عن الشباب والشابات الراغبين بالزواج، وأعمارهم والمواصفات التي يرغبونها في شريك المستقبل، وطبيعة الاعمال التي يقومون به وغيرها من المعلومات التي يرونها مناسبة، وعناوين خاصة للاتصال، ورقم الهاتف، الى آخره من المعلومات الضرورية. ويمكن للبنك القيام بعمليات مواءمة بين مواصفات كل من الشباب والشابات بهدف تسهيل التفاهم بينهم، واتمام عملية زواجهم حسب الطرق المتبعة، ويمكن للبنك ايضا ان ينشأ صندوقا للاقراض من اجل اعطاء الشباب قروضا بشروط ميسرة من اجل اتمام مصاريف الزواج.
لوحظ كذلك توجه بعض الشباب والشابات للاستعانة للزواج عبر استعمال الانترنت، رغم نجاح بعض الزيجات من خلاله، الا انه لا يعتبر الحل الأمثل للمشكلة، على المنظمات النسائية والجمعيات الاجتماعية، دراسة ظاهرة العنوسة من قبل الاخصائيين الاجتماعيين باستفاضة وعمق، ومحاولة وضع حلول منطقية ومعقولة لها.[/align]