المجتمعات العمرانية في القرآن الكريم

  1. افتراضي المجتمعات العمرانية في القرآن الكريم

    المجتمعات العمرانية في القرآن الكريم

    مقدمة

    لا شك أن الأرض كلها لله
    وقد مهدها الله كي ينتفع الناس بها ويعيشون عليها ويعمرونها
    والناس لا يعيشون جميعا في منطقة واحدة من الأرض دون باقي المناطق ، وإنما هم يعيشون في مناطق متفرقة من تلك الأرض الفسيحة الواسعة ، حيث تنقسم الكرة الأرضية إلى قارات ، والقارات تنقسم إلى دول أو دويلات ، والدول تنقسم إلى محافظات ، والمحافظات تنقسم إلى مدن ، والمدن تنقسم إلى قرى ، وهكذا
    وفى كل منطقة من هذه المناطق المختلفة تجد عددا من البشر يعيشون هناك ، فمنهم من يسكن في البادية ومنهم من يسكن المدينة ومنهم من يسكن في القرى وهكذا
    وقد قص القران الكريم علينا أخبارا عن تلك الأماكن المختلفة في القرون الغابرة لكي نأخذ منها العظة والعبرة ونتعلم من أحوال من سبقنا ، فإذا رأينا منهم الخطأ فعلينا أن نبادر بالإقلاع عن هذا الخطأ ، وإذا رأينا منهم الصواب فعلينا أن نبادر بالإقتداء بهم ، ونستكمل مسيرتهم في الصواب والإصلاح والعمران
    والناظر للقران الكريم يجده يتحدث عن مجتمعات ثلاثة ، حيث يتكلم عن القرية ، ويتكلم عن المدينة ، ويتكلم عن البلد ، ولكل مجتمع من المجتمعات الثلاثة أحوال وأخبار ، ومن مجموع هذه الأحوال والأخبار نتعلم ونستفيد كي نعلو ونرتقي
    وفى هذه الدراسة سوف نقوم بمشيئة الله تعالى بتسليط الضوء حول المجتمعات العمرانية الثلاثة في القران الكريم ، وهى القرية والمدينة والبلد ، وسنحاول قدر المستطاع توضيح النقاط المستفادة من القصص القرآني حول هذه المجتمعات العمرانية ، فنسال الله العلى القدير أن ييسر لنا هذا العمل الذي عزمنا على المضي فيه ، وان يجنبنا الزلل والقصور والتقصير ، وان يجعله عملا نافعا للإسلام والمسلمين
    والله يقول الحق وهو يهدى السبيل
    مدحت الخطيب
    الإسماعيلية
    7/9/2008

    ملحوظة
    حقوق الطبع والنشر محفوظة لـلكاتب
    ويسمح بالاقتباس لبعض الفقرات من اجل البحث العلمى
    كما يسمح بالنقل فى المواقع المختلفة بشرط ذكر الموقع المنقول منه وذكر اسمنا
    وخلاف ذلك فحسابه على الله

  2. افتراضي

    القرية

    معنى القرية لغة : ــ
    يقول اللغويون ان القرية هى بلدة ريفية أصغر من المدينة ، أو كل مكان اتصلت به الأبنية واتُّخِذَ مقرّا ، أو هي المدينَة التي لا سور لها ، أو هى قطعة أرْض عليها عُمْرَان خفيف فيها عدد قليل من الدور والأبنية ذات كَثَافَة سكانية صغيرة
    وقد يقال أم القرى : اى مكة المكرمة
    وقد يقال قرية الانصار : اى المدينة المنورة
    وقد يقال القريتين : اى مكة والطائف
    ما هى القرية ؟ : ــ
    جاء فى موسوعة ويكبيديا ان القرية هي تجمع عفوي لسكان منطقة قد يكونون من نفس القبيلة أو من اكثر، سكنوا بداية مع بعضهم قبل زمن ثم ما لبثت ان تزايد عدد سكانها سواء بشكل مواليد أو من خلال الهجرة اليها. لكنها تظل اقل مركز من المدينة من حيث التطور وتوفر المستلزمات الحياتية والحاجات الضرورية IMG
    وغالبا ما نجد النظام الادارى فى القرية على الحكم القبلى والعشائرى ، كما ان التعداد السكانى فى القرية غالبا ما يكون اقل من نظيره فى المدن ، ويعتمد اهل القرى غالبا على نظام انتاجى موحد وهو العمل الزراعى وما شابهه كالرعى وتربية المواشى وانتاج السماد
    القرية ومشتقاتها فى القرآن الكريم : ــ
    اذا تتبعنا القرآن الكريم فسوف نجد ان لفظ القرية ومشتقاتها جاءت فى عدة مواضع كالتالى : ــ
    الْقَرْيَةَ
    1 ــ {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }البقرة58
    2 ــ {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً }النساء75
    3 ــ {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }الأعراف161
    4 ــ {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }الأعراف163
    5 ــ {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }يوسف82
    6 ــ {وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ }الأنبياء74
    7 ــ {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُوراً }الفرقان40
    8 ــ {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ }العنكبوت31
    9ــ {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }العنكبوت34
    10ــ {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ }يس13

    الْقُرَى
    1 ــ {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ }الأنعام131
    2 ــ {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأعراف96
    3 ــ {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ }الأعراف97
    4 ــ {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ }الأعراف98
    5 ــ {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ }الأعراف101
    6 ــ {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ }هود10IMG
    7 ــ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }هود102
    8 ــ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }هود117
    9 ــ {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }يوسف109
    10 ــ {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً }الكهف59
    11 ــ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }القصص59
    12 ــ {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ }سبأ18
    13 ــ {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الأحقاف27
    14 ــ {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الحشر7
    قَرْيَةٍ

    1 ــ {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة259
    2 ــ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }الأنعام123
    3 ــ {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ }الأعراف4
    4 ــ {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ }الأعراف94
    5 ــ {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ }يونس98
    6 ــ {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ }الحجر4
    7 ــ {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }النحل112
    8 ــ {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً }الإسراء16
    9 ــ {وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً }الإسراء58
    10 ــ {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً }الكهف77
    11 ــ {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ }الأنبياء6
    12 ــ {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ }الأنبياء11
    13 ــ {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ }الأنبياء95
    14 ــ {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ }الحج45
    15 ــ {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ }الحج48
    16 ــ {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً }الفرقان51
    17 ــ {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ }الشعراء208
    18 ــ {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ }النمل34
    19 ــ {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ }القصص58
    20 ــ {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ }سبأ34
    21 ــ {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ }الزخرف23
    22 ــ {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ }محمد13
    23 ــ {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً }الطلاق8
    قَرْيَتِكُمْ

    1 ــ {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }الأعراف82
    2 ــ {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }النمل56
    قَرْيَتِنَا

    1 ــ {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ }الأعراف88
    الْقَرْيَتَيْنِ

    1 ــ {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }الزخرف31
    قَرْيَتِكَ

    1 ــ {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ }محمد13
    أُمَّ الْقُرَى

    1 ــ {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ }الأنعام92
    2 ــ {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ }الشورى7
    قُرًى

    1 ــ {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ }سبأ18
    2 ــ {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ }الحشر14


    ..................................

    وللحديث بقية ان شاء الله

  3. افتراضي

    الانبياء والقرى
    تمتلىء القرى بمجموعات من البشر الذين يختلفون في الطباع والفهم ، فمنهم غلاظ القلوب ومنهم غير ذلك ، ومنهم من يكاد بفطرته ان يدرك وجود الله وحده ويوقن انه هو الاله الحق الذي يجب ان يعبد وحده ولا يشركه في الحكم اله اخر ، ومنهم من لا يوقن أو لا يعلم بهذه الحقيقة
    وحتى يتوحد الجميع على عقيدة واحدة ومنهاج واحد ، فقد كان لابد من انبياء ورسل مبعوثين من الله تعالى إلى اهل هذه القرى ليبصرونهم بوجود الله ويبشرونهم بالجنة لمن اطاع الله وعمل باحكامه وشريعته ، وينذرونهم بسوء العاقبة لمن خالف امر الله
    وفى هذا يقول الحق تعالى {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ }الأعراف101
    فلم يكن ارسال الرسل اليهم لهوا ولعبا ، وانما ليبينوا لهم الحق من الباطل ، فاهل الباطل متمسكون بعقيدتهم وتصرفاتهم ويرون أنهم على حق لا يحيد ، ولكنهم في واقع الامر بعيدون كل البعد عن الحق والصراط المستقيم
    ولكى يتأكد اهل القرى من صدق هؤلاء الانبياء والرسل فقد جاؤا اليهم بالبينات الواضحات الدالة على الطريق القويم الذي ان ساروا فيه فلن يضلوا ابدا
    فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه { يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }من الاية 59 من سورة الأعراف
    ويجادلهم ويحاورهم حتى أنهم يتهمونه بأنه في ضلال مبين ، ومع ذلك يظل في نقاش دؤوب معهم لعلهم يتبعون المنهج السليم
    وهذا هود عليه السلام يقول لقومه { اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } من الاية 65 من سورة الأعراف
    ولكنهم يتهمونه بالسفاهة والكذب ويستهزؤن به ، ومع ذلك يظل في نقاش دؤوب معهم لعلهم يتبعون المنهج السليم
    ونفس الحال مع شعيب عليه السلام حيث يقول لقومه { يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } من الاية 85 من سورة الأعراف
    ومع أنهم هددوه هو ومن امن معه باخراجهم من قريتهم ، الا انه ظل في نقاش دؤوب معهم لعلهم يتبعون المنهج السليم
    وهكذا كان حال الانبياء والرسل حيث لا يكلون ولا يملون ابدا من الحوار والنقاش واظهار الحقائق والبراهين والادلة الواضحة على صدق كلامهم

    الانبياء من جنس اهل القرى

    اقتضت حكمة الله تعالى ان يرسل الانبياء والرسل من بين اهل هذه القرى نفسها ، فليس هناك نبى الا وقد بعث إلى قومه خاصة ، فهو واحد من ابناء هذه القرية وليس اجنبيا عنها
    ولذلك فالانبياء والرسل جميعا من البشر وليسوا من الملائكة ولا من خلق اخر ، وهذا ما اثبته القران الكريم حيث يقول { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى } من الاية 109 من سورة يوسف
    فالبشر يقدر على فهم بنى جنسه ، ويستطيع مخاطبته والتعامل معه بكافة أنواع التعامل خاصة إذا كانوا يعيشون في بيئة واحدة ، اما تعاملهم مع الملائكة أو غيرهم من المخلوقات الأخرى فقد يكون غير ممكن ، وفى الاية السابقة اشارة إلى ان كل الانبياء كانوا من الرجال وليس منهم امراة ، وان كان هناك من يقول بوجود نبيات
    وقد اشار القران الكريم الى ان الانبياء المرسلين إلى اهل هذه القرى هم من البشر حيث يقول {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً }الإسراء95
    ولان الانبياء بشر ومن اهل هذه القرى التي ارسلوا إليها ، فقد كان لزاما ان يخاطب النبي قومه بلغتهم التي يتكلمون بها ، فالذين يتكلمون العبرية على سبيل المثال يخاطبهم نبيهم بالعبرية ، والذين يتكلمون بالعربية أيضا يخاطبهم نبيهم بلغتهم ، والا فلو كان النبي يتكلم بلغة لا يفهمها اهل هذه القرية لقالوا له خل عنك ، فنحن لا نفهم ما تقول ولا نستطيع ان نتعامل معك ، ولذلك يقول القران الكريم {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }إبراهيم4

    وللحديث بقية ان شاء الله

  4. افتراضي

    القرية والإنتاج الزراعي

    من المعروف حاليا أن أهل القرى يمتهنون في المقام الأول بالعمل الزراعي وما يرتبط به من أعمال مثل تربية المواشي والدواجن أو الرعي أو صناعة السماد ، أما الأعمال الصناعية الكبيرة أو الشركات والمؤسسات التجارية أو الأعمال المهنية المختلفة فإنها تكون قليلة جدا في القرى إن لم تكن منعدمة أصلا
    وقد صور لنا القران الكريم حال القرى وما فيها من إنتاج زراعي وذلك في العديد من آياته حيث يقول تعالى {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }البقرة58
    فالناظر إلى هذه الآية الكريمة سوف يجد امتنان الله على بنى إسرائيل الذين تاهوا في الأرض أربعين سنة ، ولنا أن نتخيل حالهم في هذا التيه ، وكيف كانت حياتهم ، فلا بيوت لهم ولا ارض لهم ، كيف كانوا يأكلون ؟ ومن أين لهم بثمن الطعام ؟ وكيف كانوا يغيرون ملابسهم ؟ ومن أين لهم بثمن الملابس ؟ هل كانوا ينامون متوسدين الأرض وملتحفين السماء ؟ وكيف حالهم إذا تعرض احدهم للمرض ؟ كيف كان العلاج ؟ ومن أين يجيئون بهذا العلاج ؟ لنا أن نتخيلهم وهم لا يعلمون عن أصدقائهم وأقاربهم شيئا ، إنها عزلة حقيقية ، وان شئت فقل إنها عقوبة نفى في غاية القسوة والشدة من ارض الوطن ، ومع أنهم في هذا التيه الشديد إلا أن الله تعالى قد من عليهم بسحاب يظللهم من حر الشمس ولفحتها ، وأرسل إليهم مأكولات طيبة الطعم ، ويسجل القران الكريم هذه المسالة فيقول {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }البقرة57
    وبعد أربعين سنة من التيه وما فيه من متاعب ومشاق ، ينعم الله عليهم ويأمرهم بدخول إحدى القرى لتكون لهم عزا ووطنا ومسكنا , ويحصل لهم فيها الرزق الرغد ، وفى هذا يقول القران الكريم {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }البقرة58
    ولنا أن نتوقف عند كلمة " فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً " فهذه الكلمة تشير إلى أن الأكل الرغد يكون أفضل ما يكون في القرية حيث يظل محتفظا بعناصره الغذائية لأنه يخرج من الأرض إلى الطهي مباشرة دون تجميد أو إضافة مواد حافظة ، فكلما كان الطعام طازجا ومحتفظا بجميع عناصره الغذائية فهذا أفضل لبناء جسم قوى سليم ، ومادام بنو إسرائيل سيأكلون من القرية حيث شاؤا رغدا ، فهذا معناه أنهم سيأكلون من ثمار الأرض وزرعها ومحاصيلها المختلفة سواء كانت بقولية كالفول والعدس أو غير ذلك كالبصل والثوم والفواكه وغيرها ، وهذه نعمة انعم الله بها على هؤلاء حيث استجاب لهم عندما أعلنوا أنهم لن يصبروا على المن والسلوى وطالبوا بما تخرجه الأرض من قثائها وفومها وعدسها وبصلها ، ويسجل القران الكريم ذلك فيقول {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }البقرة61
    إذن ، فقد انعم الله على بنى إسرائيل بدخول هذه القرية ويأكلوا منها حيث شاؤوا رغدا ، ويجب أن نعلم أن هناك فرق بين الأكل حيث شاؤوا رغدا ، وبين الأكل رغدا حيث شاؤوا ، فإذا كان الله أمر بنى إسرائيل قائلا لهم " فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً " إلا انه أمر ادم وزوجه عليهما السلام {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ }البقرة35
    فعندما نقول كل حيث شئت رغدا ، فهذا معناه انك تخاطب إنسانا منهكا من شدة الجوع ، والجائع يشتهى اى نوع من الطعام ولا يهمه مذاقه وطيبته ، فقد يأكل الجائع كسرة خبز في غاية التيبس ، وقد يأكل أوراق الشجر ، وقد يأكل الطعام بدون ملح أو بملح زائد حسب ما يتم تقديمه إليه أو تقع عليه عينه ويده
    وهكذا كان حال بنو إسرائيل الذين تاهوا أربعين سنة ، فهم لا يريدون اختيار نوعيات أو أصناف معينة من الطعام ، وإنما كل ما يريدون هو الطعام فقط أيا كان شكله أو لونه أو طعمه أو صنفه أو نوعيته ، فتى طعام يجدونه سوف يتناولونه
    أما ادم وحواء عليهما السلام فقد كانا في الجنة حيث لا نصب ولا ارق ولا تعب ولا جوع ، فكل ما يتمناه المرء يجده أمامه ، وكل ما تشتهيه الأنفس توجد في الجنة ، ومن كان شبعانا فانه لا يأكل إلا إذا وجد مغريات تدفعه إلى تناول الطعام ، هذه المغريات يجب أن تصل إلى درجة التنوع في المذاق واللون والشكل والنوع والصنف وسائر الأمور الأخرى ، وحينئذ قد تدفعه هذه المغريات إلى تناول الطعام على الرغم انه ليس جوعانا ، ولذلك أمر الله تعالى ادم وزوجه أن يأكلوا من كل الأشجار إلا شجرة واحدة ، وقال لهم " وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا " وهنا لم يقل لهما كلا منها حيث شئتما رغدا ، فهما ليسا جائعين وليسا محرومين من الطعام ، بل كل شيء متوافر ومتاح ومباح عد شجرة واحدة فقط ، ولذلك أراد الحق أن يغريهما بتنوع المأكولات واختلاف مذاقها وأنواعها فكان من المناسب أن يقول لهما " وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا " فهناك العديد والعديد والعديد من رغد الطعام ، فإذا تناولت هذا فانك تشتهى ان تتناول الآخر ، كما تشتهى في ذات الوقت أن تتناول طعاما غيرهما وهكذا ، وليس من المقبول أن يترك الإنسان الرغد من الطعام الذي لا حصر لأنواعه وأصنافه ، ويتناول طعاما واحدا جاءه الأمر بالنهى عن تناوله ، فإذا كان الشيطان أغراهما بالأكل من الشجرة المنهي عنها ، إلا أن الله أغراهما بالأكل من كافة ما لذ وطاب من طعام وشراب الجنة ، ولهذا فقد جاءت الصياغة في موضعها تماما حينما كان الأمر إلى بنى إسرائيل ، كما جاءت الصياغة في موضعها تماما حينما كان الأمر إلى ادم وحواء عليهما السلام
    وإذا كان بنو إسرائيل سوف يأكلون من القرية حيث شاؤوا ، فإننا نعتقد أن هناك إشارة إلى ضرورة الاهتمام بالعمل الزراعي ، لان بنى إسرائيل إذا أكلوا من ثمار الأرض دون العمل على بذر الأرض وزراعتها من جديد ، فان ما تغله الأرض من محصول سوف ياتى عليه يوم وينتهي ، فكما يقول المصريون في المثل الشعبي " خذ من التل يختل " ، ولذلك يأمرهم الله تعالى بالأكل ، وكيف يأكلون إذا انتهى محصول الأرض ؟ إذن فعليهم العمل بالزراعة والاهتمام بالأرض كي تعطيهم ما يكفيهم من الأكل
    وإذا كانوا سيزرعون فلابد من وجود الماء ، إذن فهناك ماء في هذه القرية ، ومادام هناك ماء فإنهم سيشربون ويغتسلون وينتفعون بالماء في كافة المسائل التي يحتاجون فيها المياه ، فليس من المتصور أن يأمرهم الله تعالى بالأكل الرغد دون وجود ماء يشربونه ، خاصة أنهم كانوا في التيه أربعين سنة ويعانون كل العناء من نقص ــ أن لم يكن عدم ــ المياه
    ولا نتصور أبدا أن الأمر بالأكل حيث شاؤوا رغدا من تلك القرية أنهم سوف يعتدون على أموال وممتلكات الغير ويسلبون أرضهم وزرعهم ، فلا يمكن أبدا أن نتصور أن الله يأمرهم بالاعتداء على حقوق الغير ، وإنما قد نفهم أن هذه القرية ربما كانت لآبائهم وأجدادهم ، ثم بدخولهم القرية فقد استعادوا واستردوا حقوقهم المسلوبة وأرضهم المغصوبة ، وقد نفهم أن على هؤلاء أن يستصلحوا ويستزرعوا ما ليس مستصلحا ولا مستزرعا من الأرض التي ليس لها أصحاب ، وقد نفهم انه على هؤلاء أن يعملوا فيكتسبوا فيشتروا بما يكسبونه طعامهم الرغد ، وغير ذلك من المسائل التي قد تتبادر إلى افهامنا بشرط عد الاعتداء على حقوق الغير ولا أكل أموال الناس بالباطل

  5. افتراضي

    السعي في استنقاذ المستضعفين بالقرى الظالم أهلها

    يتصف بعض أهل القرى بالظلم الشديد ، فهم يظلمون أنفسهم لأنهم يبتعدون كل الابتعاد عن منهج وشرع الله ، فلا يحلون حلالا ولا يحرمون حراما ، ويظلمون الناس بتعذيبهم والتنكيل بهم وإيذائهم اشد الإيذاء ، ولا تتخللهم اى شفقة أو رحمة بهؤلاء المعذبين حتى وان كانوا ضعفاء لا حيلة لهم ولا قدرة لهم على المقاومة والفكاك من هذا الأسر
    والإسلام الحنيف يحض أتباعه بالاستنفار من اجل تخليص هؤلاء المستضعفين من ايدى هؤلاء الطغاة الظالمين الذين يستعذبون ويستملحون المبالغة في تعذيب المستضعفين
    فهل تخيل مسلم انه رهين الحبس والأسر لدى أهل قرية ظالمين ؟
    هل تخيل نفسه وهو يُعذب دون حق ؟
    هل تخيل نفسه وهو قيد الأغلال والسلاسل ؟
    إن كان المستضعفون قد ارتكبوا جرما فربما هان الأمر ، ولكن لا يمكن للأمر أن يهون أبدا إذا لم يكن ثمة جرم اقترفه هؤلاء المستضعفون سوى أنهم يريدون عبادة الله وتوحيده دون اى اعتداء على الغير
    وقد صور القران الكريم لنا حال قوم من المؤمنين قد احتجزوا في مكة ولم يستطيعوا الخروج منها والهجرة إلى المدينة المنورة مع الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً }النساء75
    فالقران الكريم يستنفر المؤمنين إلى الخروج والجهاد في سبيل الله ومن اجل تخليص فئة مستضعفة من المؤمنين كانوا يريدون الخروج من مكة ولكن نظرا لضعفهم وقلة حيلتهم فقد احتجزهم أهل مكة عندهم فلم يتركوهم يعبدون ربهم في أمان وطمأنينة ، كما لم يسمحوا لهم بالخروج من مكة ، وتفننوا في أنواع التعذيب والتنكيل بهؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يملكون إلا التضرع إلى الله والدعاء بفك أسرهم وإخراجهم من ايدى هؤلاء الظالمين والانتصار عليهم
    ويجب أن نلاحظ هنا أن المتصف بالظلم ليس هو المكان ذاته ، اى ليست مكة كبلد حرام هي الظالمة ، وإنما أهل مكة هم المتصفون بالظلم ، فلا يمكن أبدا أن نتصور أن الله يصف بلده الحرام بالظلم ، بل هي البلد الأمن استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام كما جاء في التنزيل العزيز {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }البقرة126
    وإذا كان المفسرون يجمعون على أن المقصود بالقرية في الآية السابقة هي مكة المكرمة ، إلا أننا نرى أن الاستنفار مطلوب من اجل تخليص المستضعفين من المسلمين من براثن الأسر والتعذيب الذي يلاقونه من أهل اى بلد يتصفون ويتسمون بالظلم والجبروت والعنف مع هؤلاء المستضعفين الذين لا حيلة لهم ولا ذنب لهم ارتكبوه حتى يكونوا من المعتقلين والمأسورين لدى هؤلاء الظالمين
    وقد جاءت السنة النبوية المطهرة لتؤكد على هذا المبدأ الهام ، حيث مرد ما يلي : ــ
    2706 - فكوا العاني ، وأجيبوا الداعي ، وعودوا المريض
    الراوي : أبو موسى الأشعري المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 5174
    خلاصة الدرجة: [صحيح]

    2285 - فكوا العاني ، يعني : الأسير ، وأطعموا الجائع ، وعودوا المريض
    الراوي: أبو موسى الأشعري المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 3046
    خلاصة الدرجة: [صحيح]

    1927 - فكوا العاني وأجيبوا الداعي
    الراوي: أبو موسى الأشعري المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 7173
    خلاصة الدرجة: [صحيح]

    85723 - فكوا العاني ، و أجيبوا الداعي ، و أطعموا الجائع ، و عودوا المريض
    الراوي: أبو موسى الأشعري المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 4229
    خلاصة الدرجة: صحيح

    88835 - أطعموا الجائع و فكوا العاني
    الراوي: أبو موسى الأشعري المحدث: الألباني - المصدر: مشكلة الفقر - الصفحة أو الرقم: 112
    خلاصة الدرجة: صحيح

    فإذا تتبعنا هذه الأحاديث الشريفة وكلها صحيحة لتأكد لنا أن العمل على فك الاسارى مطلب لازم حتى يشعر الأسير أن له إخوة يتألمون بألمه ويفرحون بفرحه إذا تخلص من أسره ، وحتى يخرج الأسرى إلى عالم النور فينفعون الإسلام والمسلمين بعملهم وعلومهم

  6. افتراضي

    احتيال أهل القرى على انتهاك محارم الله



    لقد جاءت الشرائع الإسلامية لهداية البشر ، فحرمت عليهم أشياء وأحلت لهم أشياء ، والتحريم والتحليل هنا من اجل مصلحة الناس حتى وان كانوا لا يدركون علة الحل أو الحرمة ، ومن هنا كان لزاما على الناس أن يلتزموا بشرع الله فيما أحله لهم وفيما حرمه عليهم
    ولعل البعض يجد في المسائل المحرمة أو المنهي عنها حرجا وضيقا ، ولكي يتجنبوا هذا الضيق والحرج فإنهم يحاولون الاحتيال على شرع الله تعالى لعلهم يجدون مخرجا أو طريقا يؤدى بهم إلى الخروج على الأحكام الشرعية فيظنون أنهم لم يخالفوا الشرع ولم يخرجوا على قواعد التحليل والتحريم
    ولكن الله تعالى يخبرنا أن هذا التحايل أو الاحتيال ليس في محله وانه سوف يؤدى إلى أسوأ العواقب الوخيمة ، فليس هناك مفر أبدا إلا الالتزام بحكم الله ، أما الاحتيال لإهدار هذا الحكم فانه لا ينفع أبدا
    وقد صور القران الكريم لنا نماذج من أهل القرى الذين حاولوا الاحتيال على أحكام الله والخروج عليها ، ومن بين هذه الصور ما قام به بنو إسرائيل بالاحتيال على صيد الأسماك في يوم السبت ، حيث يقول تعالى {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }الأعراف163
    وقد أشار القران الكريم إلى هذه القصة في موضع آخر من القران الكريم حيث قال {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ }البقرة65
    وقد أورد الطبرى في تفسيره ما يلي :
    1139 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثنا محمد بن إسحاق , عن داود بن الحصين , عن عكرمة مولى ابن عباس قال : قال ابن عباس : إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم ــ يوم الجمعة ــ فخالفوا إلى السبت فعظموه ، وتركوا ما أمروا به . فلما أبوا إلا لزوم السبت ، ابتلاهم الله فيه , فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره . وكانوا في قرية بين أيلة والطور يقال لها " مدين " . فحرم الله عليهم في السبت الحيتان : صيدها وأكلها . وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم , حتى إذا ذهب السبت ذهبن , فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا . حتى إذا كان يوم السبت أتين إليهم شرعا , حتى إذا ذهب السبت ذهبن . فكانوا كذلك, حتى إذا طال عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتان (1) عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت ، فخزمه بخيط, ثم أرسله في الماء , وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه ، ثم تركه . حتى إذا كان الغد ، جاء فأخذه ــ أي : إني لم آخذه في يوم السبت - ثم انطلق به فأكله . حتى إذا كان يوم السبت الآخر ، عاد لمثل ذلك ، ووجد الناس ريح الحيتان ، فقال أهل القرية : والله لقد وجدنا ريح الحيتان ! ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل . ( 2 ) قال : ففعلوا كما فعل , وأكلوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم بعقوبة ، حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق . وقالت طائفة منهم من أهل البقيّة : (3) ويحكم ! اتقوا الله ! ونهوهم عما كانوا يصنعون . وقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ، ولم تنه القوم عما صنعوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لسخطنا أعمالهم - وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الأعراف: 164 ] ، قال ابن عباس : فبينما هم على ذلك ، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم , وفقدوا الناس فلا يرونهم . فقال بعضهم لبعض : إن للناس لشأنا ! فانظروا ما هو ! فذهبوا ينظرون في دورهم , فوجدوها مغلقة عليهم , قد دخلوا ليلا فغلقوها على أنفسهم ، كما يغلق الناس على أنفسهم , فأصبحوا فيها قردة , وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد , والمرأة بعينها وإنها لقردة , والصبي بعينه وإنه لقرد . قال : يقول ابن عباس : فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء ، لقلنا أهلك الجميع منهم . قالوا : وهي القرية التي قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية [ الأعراف: 163]
    هذا ما أورده الطبرى في تفسيره تعليقا على ما جاء في سورة البقرة
    ويتبين لنا مما سبق أن بنى إسرائيل عوقبوا على احتيالهم بمسخهم قردة ، ولكننا نلاحظ انه لم يمسخهم خنازير ، فهل مُسخوا خنازير ؟
    جاء في تفسير الشعراوى : هذه قضية قوم غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدة الطاغوت .. ولقد أخبرنا الله جل جلاله أن اليهود مسخوا قردة .. ولكنه لم يقل لنا أنهم مسخوا خنازير .. فهل مسخوا قردة؟ ثم بعد ذلك ازداد غضب الله عليهم ومسخوا خنازير؟ وهل نقلهم الله من إنسانية إلي بهيمية في القيم والإرادة والخلقة؟ نقول علينا أولا أن ننظر إلي البهيمية التي نقلهم الله إليها .. نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائما .. وإن عورته لها لون مميز عن جسده .. وأنه لا يتأدب إلا بالعصا .. واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور .. وما هم فيه الآن ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خلق .. والخنازير لا يغارون على أنثاهم وهذه لازمة موجودة في اليهود .. وعبدة الطاغوت .. الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم يعينونه على ظلمه وهم كذلك. إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين مسألة شكلية .. ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة المائدة سمات اليهود الأخلاقية .. فكأنهم مسخوا خلقه ومسخوا أخلاقا
    ومن جماع ما سبق يتبين لنا العواقب الوخيمة لمن يحتال على شرع الله ، وللأسف الشديد فنحن في وقتنا الحالي نجد بعض المسلمين يحاولون قدر مستطاعهم التحايل أو الاحتيال على أحكام الشريعة الغراء ، فعلى سبيل المثال ما يلي : ــ
    1 ــ يضعون مسميات للخمور مثل : فودكا- شمبانيا- ويسكى- كونياك 000 الخ ، ويقولون أن المحرم هو تعاطى الخمر وليس الـ شمبانيا أو الـ فودكا مثلا ، ونسوا قول الرسول عليه السلام : كل مسكر خمر وكل خمر حرام
    2 ــ يبتدعون زواج المحلل ونسوا أن المحلل والمحلل له ملعونان كما جاءت الأحاديث بذلك ومنها ما يلي :
    194432 - لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له
    الراوي: عبد الله بن مسعود المحدث: ابن دقيق العيد - المصدر: الاقتراح - الصفحة أو الرقم: 101 خلاصة الدرجة: صحيح
    183354 - لعن الله المحلل والمحلل له
    الراوي: - المحدث: ابن تيمية - المصدر: رفع الملام - الصفحة أو الرقم: 68
    خلاصة الدرجة: صحيح
    3 ــ الاحتيال لإسقاط الزكاة قبل وجوبها ، كأن يتم التصرف في المال الزكوي قبل تمام الحول ، أو تغيير النية في النصاب الزكوي قبل تمام الحول ، أو كأن يتم الاحتيال لإسقاط الزكاة بعد وجوبها كإسقاط الديون عن المعسرين واحتسابها من الزكاة ، أو الإنفاق وقضاء الواجبات واحتسابها من الزكاة ، أو كأن يتم الاحتيال لإنقاص وعاء الزكاة بتخفيض حقوق الملكية أو بتضخيم عروض القنية وما في حكمها ، أو كأن يتم الاحتيال لأخذ الزكاة بشغل الذمة بالديون لأعمال خيرية ، أو بالتواطؤ مع مستحق الزكاة في صرفها لأعمال خيرية
    ولعله من المناسب هنا أن نأخذ العظة والعبرة من قوله تعالى : كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ، ولنحذر كل الحذر من الفسوق والخروج عن طاعة حكم الشرع الحنيف ، وان نصبر على البلاء حيث لا يستوي الصابرون وغير الصابرين

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) القرم : شدة الشهوة إلى اللحم ، قرم يقرم ( بفتح الراء ) قرما ( بفتحتين )
    (2) عثر على الأمر : اطلع عليه وكان خافيا . وفي المطبوعة : "على ما صنع" ، وأثبت نص ابن كثير في التفسير 1 : 194
    (3) في المطبوعة : "من أهل التقية" ، وهو خطأ محض . أهل البقية : هم أهل التمييز والفهم ، يبقون على أنفسهم بطاعة الله ، وبتمسكهم بالدين المرضي . وفلان بقية : فيه فضل وخير فيما يمدح به وسيأتي بعد على الصواب . وقال الله تعالى : ( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ) [سورة هود : 116]

  7. افتراضي

    الاكتفاء الذاتي

    قد تتعرض البلاد في بعض الأحيان لسبب أو لآخر لنوع من أنواع القحط والمجاعة ، فقد تنقص المياه اللازمة للزراعة أو يحدث فيضان يغرق الاراضى الزراعية ، أو قد تزيد حرارة الجو أو تنخفض انخفاضا شديدا ، أو تنتشر الطيور والحشرات فيأكلون الزرع ، أو يسرى المرض في المزروعات فتهلكها 000 الخ ، وهذه أمور طبيعية قد تحدث في اى زمان واى مكان ، ولذلك كان لزاما على الإدارة الحاكمة للبلاد أن تأخذ حذرها وتعمل على ما يكفيها وقت الأزمات والشدائد حتى لا يتعرض الشعب إلى الهلاك
    وقد اخبرنا القران الكريم عن مجاعة وجدب عمت العديد من البلدان في عهد نبي الله يعقوب عليه السلام ، هذه المجاعة كان من الممكن أن تصيب أهل مصر لولا أن يوسف عليه السلام كان قائما على خزائن البلاد ، واستطاع بحكمته ورزانة عقله وحسن سياسته أن يجنب البلاد شر هذه المجاعة ، بل انه لم يقف عند حد الاكتفاء الذاتي لمصر وإنما بدا يعطى البلاد الأخرى التي تعانى من الجدب حبوبا يتعيشون منها ، ولم يستغل يوسف عليه السلام هذه الظروف فيرفع أسعار هذه الحبوب ، وإنما كان يبيعها دون استغلال لحاجة الناس
    من اجل هذا توافد الناس من كل البلدان إلى مصر ليمتاروا منها حاجاتهم ، ومن بين هؤلاء الوافدين إخوة يوسف عليه السلام ، حيث دخلوا عليه فعرفهم نظرا لأنه تركهم كبارا فلم تتغير ملامحهم وأشكالهم كثيرا ، بينما هم لم يعرفوه نظرا لتغير ملامحه وشكله وملبسه وهيله وهيلمانه وما حوله من خدم وحشم ، وغير ذلك من الوجاهة والرياسة والمنصب ، فلم يخطر ببالهم أبدا أن الذي يتكلمون معه هو أخوهم يوسف الذي القوه في غيابت الجب منذ عشرين عاما أو يزيد
    ويطلب يوسف إحضار أخيهم الأصغر ، وبعد إتيانه إليه يجهزهم بجهازهم ، ولكنه بضع السقاية في رحل أخيه الأصغر ، ويؤذن المؤذن أن صواع الملك قد فقد ، ويبدأ التفتيش حيث يتم استخراجه من رحل الأخ الأصغر
    ويعود الإخوة عدا كبيرهم إلى أبيهم فيخبروه بالخبر ، وحتى يدفعوا عن أنفسهم اى اتهام فإنهم يطلبون من أبيهم أن يتحرى صحة كلامهم ويسال أهل المكان الذي حدثت فيه الواقعة ، ويسال أيضا أصحاب العير الذين رافقوهم في هذه الرحلة ، وقد سطر القران الكريم ذلك حيث قال تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }يوسف82
    وكيف يسال القرية ؟
    وكيف يسال العير ؟
    فان القرية أو العير لا تتكلم كما يتكلم الإنسان
    ولذلك فالمقصود هنا هو سؤال أهل القرية أو سؤال أصحاب العير
    فقد تم إطلاق لفظ القرية ولكن المقصود بها هم أهلها ، ونحن كثيرا ما نتعامل بمثل هذا الأسلوب ، فربما اخبرنا شخصا عن حدث شهير في بلدتنا ، وحينما لا يصدقنا فإننا نقول له أن البلد كلها تعرف هذا الشيء ، فنحن أطلقنا لفظ البلد ولكن المقصود بذلك هم أهل هذه البلد
    ولكن من الممكن أن يكون المقصود هو سؤال ذات القرية نفسها ، أو سؤال العير بشحمها ولحمها ، فهم يعرفون أن أبيهم نبي ومن الممكن أن استنطاق الجماد بإرادة الله تعالى
    على كل حال ، فان هذه القرية لم تعانى من المجاعة والقحط الذي عانت منه القرى أو المناطق أو البلدان الأخرى ، وهنا يجب أن نأخذ العبرة والعظة ونتعلم من هذه القرية ، ما الذي فعلته هذه القرية لتتجنب هذه المجاعة ؟
    لا شك أن إدارة القرية قد خططت تخطيطا محكما وعملت على تخزين وتوفير ما يمكن احتياجه في وقت الشدة والحاجة ، فلما وقعت الواقعة واجدبت الأرض فان هذه القرية لم تجد اى معاناة من هذا الجدب ، بل إنها كانت تساعد المناطق الأخرى ، وهذا يدل على أن الفائض أو المخزون كان على درجة كبيرة جدا جدا من الكثرة ، ولا شك أن هذا التخزين أو التوفير لم يكن اعتباطا ، فمن المؤكد أن هناك خطة محكمة أدت إلى زيادة الإنتاج أثناء فترة الرخاء ، وخطة لإنشاء المخازن لحفظ الحبوب ، وخطة لحفظ الحبوب من الهلاك والفساد ، إذ ربما دخل السوس في هذه الحبوب فأفسدها ، وربما فسدت بسبب الرطوبة أو ضاعت بسبب السرقة أو الاختلاس ، والمهم انه كان هناك خطة أن لم تكن خطط من اجل تخزين وتوفير الحبوب وحفظها من الفساد والسرقة
    وما ينطبق على الاكتفاء الذاتي في الغذاء ، يجب أن ينطبق أيضا على الاكتفاء الذاتي في كل مناحي المعيشة والحياة المدنية والعسكرية والرياضية 000 الخ
    ولذلك فنحن نتعجب كل العجب من بلاد تفرط في ثرواتها لغيرها دون مقابل أو بالبخس من الثمن الحقيقي ، فتذهب ثرواتها إلى غيرها ، وتغتني الدول الأخرى مع أنها ليست في حاجة إلى هذه الثروات في الوقت الحالي ، بينما تفتقر الدول المفرطة في ثرواتها مع أنها في حاجة إلى هذه الثروة عاجلا أو آجلا ، فلماذا لا توضع خطط للحفاظ على هذه الثروات واستغلالها وإنمائها بحيث نجدها عندما نكون في حاجة إليها ؟
    ولماذا لا نستثمر عقول وسواعد أبنائنا من اجل زيادة الإنتاج ؟
    لقد قال المفسرون أن القرية التي كان عليها يوسف عليه السلام هي مصر ، فلماذا تبدلت الأمور وتغيرت الأحوال وأصبحت مصر بلدا تستورد القمح ، بل تعانى حاليا من أزمة طاحنة في رغيف الخبز ، مع أن مصر كانت في فترة من الفترات لديها مخزون كاف من الحبوب لدرجة أنها قامت بمساعدة المناطق الأخرى التي تعانى الشدة والجدب ؟
    من المفروض أن الإنسان أو المجتمع بصفة عامة يسير إلى الأمام ولا يتراجع أو يتخلف ، وان يبدأ من حيث انتهى سلفه ، فإذا كانت مصر في فترة قد بلغت من الكفاية الإنتاجية من الحبوب مبلغا كبيرا جدا ، فقد كان لزاما أن تكون مصر حاليا متصدرة لكل العالم في إنتاج وتخزين الحبوب
    ولعله من المناسب أن نتعلم أمرا آخر من كلام الإخوة لأبيهم حينما قالوا له {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }
    يقول القرطبى في تفسيره : في هذه الآية من الفقه أن كل من كان على حق , وعلم أنه قد يظن به أنه على خلاف ما هو عليه أو يتوهم أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه , ويصرح بالحق الذي هو عليه , حتى لا يبقى لأحد متكلم ; وقد فعل هذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله للرجلين اللذين مرا وهو قد خرج مع صفية يقلبها من المسجد : ( على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي ) فقالا : سبحان الله وكبر عليهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا ) رواه البخاري ومسلم

  8. افتراضي

    التدمير بسبب الخبائث


    اقتضت إرادة الله وحكمته أن يكون كل شيء متغير ، فلا حال يبقى على حاله ، ولا وضع يظل على وضعه ، فكم من امبراطوريات كانت قديما في أوج عزها ومجدها ، ولكنها اليوم أصبحت مجرد ذكريات وتاريخ نأخذ منه العبرة والعظة
    ولقد أرسل الله تعالى لوطا عليه السلام إلى قرية كي يدعو أهلها إلى عبادة الله وتطهير أنفسهم من الخبائث ومنكرات كثيرة كانوا يأتونها ويستحلونها لأنفسهم
    وقص القرآن الكريم علينا أهم هذه الخبائث والمنكرات وهى ما يلي :
    1 ــ أنهم كانوا يأتون أعمال اللواط ، حيث يقول تعالى {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ }الأعراف80
    وقال أيضا {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ }النمل54د
    وقال كذلك {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ }العنكبوت28
    فقد كان إتيانهم الرجال أحب إليهم من إتيان النساء ، مع أن الفطرة السليمة تأبى تماما هذا الشذوذ والانحراف والتنجس ، ولعلنا نتعجب جدا إذا علمنا أن النساء أنفسهن كن يرشدن الرجال إلى طريق اى ضيوف يدخلون القرية من الرجال ، ولعلنا نستشف ذلك من حال امرأة لوط إذ كانت تفعل ذلك ، وفى هذا يقول الحق تعالى {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ }التحريم10
    جاء في الجلالين : (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) في الدين إذ كفرتا وكانت امرأة نوح واسمها واهلة تقول لقومه إنه مجنون وامرأة لوط واسمها واعلة تدل قومه على أضيافه إذا نزلوا به ليلا بإيقاد النار ونهارا بالتدخين (فلم يغنيا) أي نوح ولوط (عنهما من الله) من عذابه (شيئا وقيل) لهما (ادخلا النار مع الداخلين) من كفار قوم نوح وقوم لوط
    2 ــ قطع السبيل : اشار القران الكريم إلى أن أهل هذه القرية كانوا يقطعون الطريق حيث يقول تعالى {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }العنكبوت29
    فقد قيل :تقطعون الـمسافرين علـيكم بفعلكم الـخبـيث، وذلك أنهم فـيـما ذُكر عَنْهم كانوا يفعلون ذلك بـمن مرّ علـيهم من الـمسافرين، من ورد بلادهم من الغربـاء ( انظر تفسير الطبرى )
    وقد أورد الطبرى ما يلي : حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله { وَتَقْطَعُونَ السَّبِـيـلَ } قال: السبـيـل: الطريق. الـمسافر إذا مرّ بهم، وهو ابن السبـيـل قَطَعوا به، وعملوا به ذلك العمل الـخبـيث
    وقيل : عمل قطاع الطريق، من قتل الأنفس وأخذ الأموال. وقيل: اعتراضهم السابلة بالفاحشة. وعن الحسن: قطع النسل بإتيان ما ليس بحرث ( انظر تفسير الزمخشرى )
    وقيل : كانوا قطاع الطريق؛ قاله ابن زيد. وقيل: كانوا يأخذون الناس من الطرق لقضاء الفاحشة؛ حكاه ابن شجرة. وقيل: إنه قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال قاله وهب بن منبّه. أي استغنوا بالرجال عن النساء.
    3 ــ إتيان المنكر : وهذا منصوص عليه في ذات الآية السابقة ونعيدها لمجرد التنبيه والتذكير ، حيث يقول تعالى {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }العنكبوت29
    النادي المجلس واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه؛ فقالت فرقة: كانوا يخذفون النساء بالحصى، ويستخفّون بالغريب والخاطر عليهم. وروته أم هانىء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. " قالت أم هانىء: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ } قال: «كانوا يخذفون من يمر بهم ويسخرون منه فذلك المنكر الذي كانوا يأتونه» " أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده. وذكره النحاس والثعلبي والمهدوي والماوردي. وذكر الثعلبي قال معاوية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل قصعة فيها الحصى للخذف فإذا مرّ بهم عابر قذفوه فأيهم أصابه كان أولى به " يعني يذهب به للفاحشة فذلك قوله: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ }. وقالت عائشة وابن عباس والقاسم ابن أبي بَزّة والقاسم بن محمد: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم. وقال (منصور عن) مجاهد كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضاً. وعن مجاهد: كان من أمرهم لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والخذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم. قال ابن عطية: وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالتناهي واجب. قال مكحول: في هذه الأمة عشرة من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحنّاء، وحلّ الإزار، وتنقيض الأصابع، والعمامة التي تلف حول الرأس، والتشابك، ورمي الجُلاهِق، والصفير والخذف، واللوطية. وعن ابن عباس قال: إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة، منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتم بعضهم بعضاً، ويتضارطون في مجالسهم، ويخذفون ويلعبون بالنَّرْد والشِّطْرَنج، ويلبسون المصبغات، ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش، ويُطرِّفون أصابعهم بالحنّاء، وتتشبه الرجال بلباس النساء والنساء بلباس الرجال، ويضربون المكوس على كل عابر، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله وهم أوّل من ظهر على أيديهم اللوطية والسِّحاق ( انظر تفسير القرطبى )
    وقد حاول لوط عليه السلام أن يردهم عما هم فيه من هذه الخبائث والمنكرات ، إلا أنهم لم يستجيبوا له ، بل هددوه بإخراجه من قريتهم ، إلى أن جاء اليوم الموعود حيث تم تدمير القرية كلها رأسا على عقب ، وقد صور القران الكريم مشهد التدمير في أكثر من موضع حيث يقول تعالى{فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ IMG مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) الايتان 82 ، 83 من سورة هود
    وفى موضع آخر يقول تعالى { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ IMG فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } الايتان 72 ، 73 من سورة الحجر
    وفى موضع ثالث يقول تعالى { ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ IMG وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ }الايتان 172 ، 173 من سورة الشعراء
    وهناك آيات أخرى تصف لنا مشهد التدمير الذي وقع لهذه القرية
    ولكن الناظر للقران الكريم سيجد شيئا ملفتا للنظر حقا ، إذ أن القرآن يخبرنا أننا نمر على هذه القرية ، وهذه إشارة تفيد أطلال واثار القرية لا زالت قائمة بيننا حتى اليوم والى قيام الساعة حيث يقول تعالى {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ }الصافات137
    يقول الكاتب التركي هارون يحيى : توضح الآية 82 من سورة هود ماهية العذاب الذي وقع على قوم لوط: ( فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ ) .
    جملة ( جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ) تشير إلى أن المنطقة قد أصابها هزة أرضية قوية، وهنا نجد أن بحيرة لوط، المكان الذي وقع فيه العذاب، تحمل دلائل واضحة عن كارثة كهذه
    ويستطرد قائلا : أما الجملة الأخيرة من الآية: ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ ) فربما تعني حدوث انفجار بركاني على ضفتي بحيرة لوط، ولهذا كانت الحجارة التي انطلقت ( مِنْ سِجِّيل ) تعرض الآية 173من سورة الشعراء لنفس الصورة: ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ )
    ويستمر قائلا : وحسب التقديرات فإن قصة قوم لوط التي يرويها القرآن تعود إلى 180IMG قبل الميلاد، لاحظ كيلر من خلال دراساته الجيولوجية والأثرية أن مدينتي سدوم وغومورا كانتا تقعان في وادي سديم الذي كان يشغل النهاية القصوى والأكثر انخفاضاً من بحيرة لوط، وأن هذه المنطقة كانت من أكثر المناطق سكاناً في هذه الأرض





    كما قامت إحدى الغواصات البريطانية الصغيرة بمسح قاع البحر الميت فكشفت وجود عدة بروزات كبيرة مغمورة بطبقة سميكة من الملح يعتقد أنها قرى نبي الله لوط عليه السلام




    قامت الأقمار الصناعة الأمريكية بتصوير قاع البحر فكشفت الصور ست نقاط على شكل مستطيل هي عبارة عن قرى مغمورة تحت البحر الميت يعتقد أنها قرى نبي الله لوط عليه السلام



    بقايا من الأشجار القديمة عليها ترسبات ملحية تمتد في إحدى أطراف البحر الميت الضحلة



    بقايا المدينة التي انزلقت إلى بحيرة لوط، والتي عثر عليها على ضفاف البحيرة
    وتدل هذه البقايا على أن قوم لوط كانوا على مستوى معيشي راقي


    ( راجع موقع موسوعة الاعجاز العلمى للقران والسنة )


    هذا ، وينبهنا القران الكريم إلى شيء في غاية الأهمية حيث يقول {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ }هود83
    فالحق تعالى ينبهنا إلى انه من الممكن تدمير اى قرية يفشو فيها الخبث وقطع الطريق وإتيان المنكر وانتشار الظلم فيها
    إذن ، فعلينا أن نعتبر ونتعظ ، فلا نستحل إلا ما هو حلال ولا نحرم إلا ما هو حرام حتى نتجنب اى تدمير لنا
    ولعل حالنا اليوم ينبئنا بابتعادنا عن شرع الله ، إذ الكوارث العظيمة والفقر المدقع وانتشار الزنا والربا والوباء وكثرة الأمراض المستعصية وانتشار الفساد والظلم وضعف المسلمين وقلة حيلتهم وتخلفهم العلمي والتكنولوجي وغير ذلك من المسائل العظيمة التي تعتبر بمثابة كوارث ونوازل حقيقية نعيش فيها ، هي بسبب ابتعادنا عن تنفيذ شرع الله كما ينبغي ، فالواجب على المسلمين أن يثوبوا ويعودوا لرشدهم وتمسكهم بالكتاب والسنة ، وصدق الله حيث يقول { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } من الآية 11 من سورة الرعد

  9. افتراضي

    الاتعاظ من أحوال القرى الهالكة

    لا شك ان الحق تعالى حينما يدمر قرية ، فإنما يدمرها بسبب سوء سلوكهم ومزيد سيئاتهم ، ولذلك قص علينا أخبارهم حتى نتعظ ونتعلم ، فنحن لم نعاصر هذه القرى الهالكة ، ولكن القران الكريم يخبرنا بحالها ، فكان لزاما على العاقل ان يتدبر في هذا القصص القرآني والخبر الرباني
    ويخبرنا الحق تعالى ان أهل مكة كانوا يمرون في رحلاتهم على قرية نبي الله لوط عليه السلام التي أهلكها الله ، فيقول تعالى {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُوراً }الفرقان40
    وقد تكلمنا من قبل عن هذه القرية وتدميرها ، ومن المفروض ان نتعظ ونتعلم وهذا هو حال الإنسان المؤمن ، غير ان أهل مكة كانوا يمرون عليها ولكنهم لم يتعظوا أبدا ، حتى كأنهم لم يمروا عليها
    ولعلنا نتساءل ونقول : لماذا جاء اللفظ القرآنى بحرف الجر " على " ؟
    لقد كان منطقيا جدا ان ياتى اللفظ بحرف الجر " إلى " وليس بحرف " على "
    فنحن نقول في كلامنا : سافرت إلى القاهرة ، أو أتيت إلى دمشق ، ولكننا لا نقول : سافرت على القاهرة ، أو أتيت على دمشق
    ولكننا نرى ان اللفظ القرآنى كان في غاية الدقة ، فقد أتى بلفظ " على " ولم يأت بلفظ " إلى "
    ولعلنا إذا نظرنا إلى حال هذه القرية فإننا سنعرف ان الله جعل عاليها سافلها ، وبالتالي فان أهل مكة لم يأتوا إلى القرية نفسها ، لان القرية نفسها انقلبت فأصبح ظاهرها باطنها ، ومن ثم فإنهم ــ اى أهل مكة ــ قد أتوا على القرية ، اى فوق القرية
    كما نلاحظ ان اللفظ القرآنى اختار كلمة " أتى " ولم يختر اى لفظ آخر مثل " جاء " ، وربما كان مقبولا لو قال تعالى " ولقد جاءوا على القرية " ، ولكن القران يفرق بين لفظ " أتى " ولفظ " جاء "
    يقول الشيخ احمد الكبيسى مفرقا بين اللفظين : " أتى " هو أول الوصول من بعيد بمعنى أعرف أنك مقبل من بعيد ولكن لا أعلم المكان الذي أتيت منه وما هي نقطة انطلاقك فما دمت تلوح لعيني ولم تصل إليّ بعد يقال أتيتَ ، أما " جاء " إذا اقتربت حتى جلست معي يقال جئتَ
    فكفار مكة قد أتوا إلى القرية ، ولكنهم لم يقتربوا منها اقترابا قويا لان عاليها أصبح سافلها ولا يمكنهم أبدا ان يصلوا إلى داخل هذه القرية وحالها كذلك ، ومن ثم جاء القران الكريم بلفظ أتوا وليس جاءوا
    وعلى الرغم ان أهل مكة أتوا على هذه القرية ، فقد كان ينبغي عليهم ان يتفكروا في حالها وكيف صارت ، فيأخذون من حال هذه القرية عظة وعبرة فيخلصوا عبادتهم لله ويدخلوا في الإسلام ويعملوا عملا صالحا ينفعهم يوم القيامة
    ولكنهم قوم جفاة غلاظ القلوب لا يؤمنون بالله ولا ينتظرون بعثا ويعيشون فقط من اجل حياتهم الدنيا ، فلم يتأثروا بحال غيرهم من الأمم السابقة الهالكة ، ويمرون على هذه القرى فيرونها بعيونهم ولكنهم لا يرونها بعقولهم وقلوبهم وفكرهم ، أو كأنهم كالعميان لو يروها أصلا بعيونهم ، أو كما يقول تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179
    وكما يقول أيضا {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ }الأعراف195
    وكما يقول كذلك {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ }الأعراف198
    وكما يقول في موضع آخر {وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ }يونس43
    وإذا كان أهل التفسير يقولون ان الآية الكريمة تعنى أهل مكة ، فانه مما لا شك فيه ان الغرض هو ان يتعظ الناس جميعا من حال هذه القرية ، فإذا كنا نأخذ العبرة من مجرد زياراتنا للقبور التي تحوى أناسا قد ماتوا موتا عاديا وطبيعيا ، فان العبرة والعظة تكون اشد إذا مررنا على قرية أصبح عاليها هو سافلها وأمطرت مطر السوء بسبب سوء أهلها وكثرة سيئاتهم
    والله اعلم

  10. افتراضي

    الظلم وإهلاك أهل القرى

    لا شك ان انتشار الظلم في بلد من البلدان سوف يجعل الأمور كلها في غير مواضعها الصحيحة ، فلا الحق سيظل حقا ، ولا النور سيظل نورا ، ولا الصحيح سيظل صحيحا
    طالما انتشر الظلم فلن تجد صاحب حق يحصل على حقه ، وكل شيء سيكون مباحا ، فالسارق سيسرق وهو يعلم انه لن يتعرض له احد بعقوبة ، وقاطع الطريق سيسلب أموال وحقوق الناس بغير حق دون وازع ولا رادع
    عندما ينتشر الظلم فسوف تجد الجاهل وزيرا للتعليم ، وتجد الجاهل رهن الاعتقال لا نعرف مكانا له ولا خبرا ، وسوف تجد الرشوة هي اللغة السائدة ، فمن يستطيع ان يقدم الرشوة للمسؤلين فهو من سيحصل على ما يريد ، وسوف تنتهك الأعراض والحرمات ، لا شيء حرام مع وجود الظلم ، فهم يعيشون في ظلمات لا يرون النور ، وفى الظلمات لا يستطيع الإنسان ان يسير سيرا طبيعيا ، فهو يتحسس الطريق ، وربما سقط في حفرة لأنه لا يراها ، وربما سار فوق حقل ألغام ، فليس هناك حلال وليس هناك نور ، ومن ثم فكل شيء مباح ، وبالتالي فليس هناك اى ضوابط أو روابط تحكم أهل هذه القرية
    وقد اخبرنا الحق تعالى ان الظلم المنتشر بين أهل القرى قد يؤدى إلى تدمير هذه القرية وإهلاك أهلها ، وهذا هو العدل ، فلو كانوا أقاموا العدل ونشروا النور فلماذا يتم إهلاكهم وتدمير قريتهم ؟
    وقد اثبت الحق تعالى انه ليس بظلام للعبيد حيث يقول {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ }آل عمران182
    وفى موضع آخر يقول {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }الحج10
    وفى موضع ثالث يقول {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }فصلت46
    وفى موضع رابع يقول {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }ق29
    إذن ، فالعدل هو تدمير القرى الظالم أهلها وإهلاك أهل هذه القرية
    وقد اخبرنا الحق تعالى انه اهلك قوم لوط ودمر قريتهم وجعل عاليها سافلها ، وقد تكلمنا عن ذلك من قبل ، ولكنه في موضع آخر من القران الكريم يخبرنا عن سبب هذا الإهلاك حيث يقول {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ }العنكبوت31
    بسبب ان أهل هذه القرية الظالمين تم إهلاكهم ، فما هو الظلم ؟
    الظلم لغة هو وضع الشيء في غير موضعه
    والظلم هو الجور ، يقال فلان ظلم فلانا اى جار عليه
    والظلم هو النقص ، كقوله تعالى {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً }الكهف33 ، اى لم تنقص منه شيئا
    وظَلَم الأرض حفرها في غير موضع حفرها
    والظلم هو إتيان الشيء بدون داع أو علة ، يقال ظلم البعير أي نحره بدون داء أو علة
    والظلم هو تعجيل الشيء قبل أوانه
    والظلم شرعًا عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل وهو الجور وقيل هو التصرف في ملك الغير ومجاوزة حد الشارع
    والظلم له ثلاثة أنواع :
    النوع الأول : ظلم الإنسان فيما يتعلق بجناب الله عن طريق الشرك ، وذلك كقوله تعالى {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }لقمان13
    النوع الثاني : ظلم الإنسان لنفسه ، كأن يقصر في حق الله فيرتكب المعاصي ويفعل الآثام ويشرب الخمر ويأكل الميتة ولحم الخنزير 000 الخ
    النوع الثالث : ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ، كأن يعتدي عليهم بالضرب والسب واكل أموالهم بغير حق ويزهق روحهم بدون سند شرعي ويتعدى على أعراضهم 000 الخ
    ومن جانبي فاني أرى هناك نوعا رابعا وهو ظلم الإنسان لسائر المخلوقات والكائنات الجامدة أو الحية ، كأن يتعمد تعطيش أو تجويع أو إيذاء حيوان بدون اى مسوغ معقول ومقبول ، أو إتلاف أرضا زراعية أو إفساد مياه الأنهار والآبار الصالحة للشرب والاستخدام الادمى والحيواني والنباتي ، كأن يلقى فيها نفايات سامة مثلا
    وإذا نظرنا إلى الآية الكريمة التي أوردناها سلفا فسوف نجد الملائكة قالت : إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ
    لقد جاءوا بلفظ الظلم وتركوه مطلقا ، فهم ظالمون لأنفسهم بجميع أنواع الظلم ، فلا هم اتبعوا لوطا عليه السلام وساروا على دربه ونهجه وتعاليمه ، ولا هم امتنعوا عن ارتكاب المعاصي والسيئات وجميع المخالفات التي تجعلهم بمنأى عن ظلم أنفسهم ، ولا هم امتنعوا عن ظلم الناس ، ولا هم امتنعوا عن الإفساد في الأرض ، ومن ثم كانوا ظالمين بكل ما تعنيه الكلمة من الظلم ، ومن ثم حقت عليهم كلمة الهلاك وتدمير قريتهم وقلبها رأسا على عقب
    ومن ههنا يتبين لنا مدى العواقب الوخيمة إذا حل الظلم في قرية من القرى ، وفى هذا إنذار لجميع أهل البلاد إلى يوم القيامة بالابتعاد عن الظلم وضرورة العمل على نشر العدل والنور

المواضيع المتشابهه

  1. ما هو عدد سور القرآن الكريم ؟
    بواسطة Mero في المنتدى منتدى العلم والثقافة والمعلومات العامة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 19 - 12 - 2012, 01:07 PM
  2. كم آية في القرآن الكريم؟
    بواسطة Mero في المنتدى منتدى العلم والثقافة والمعلومات العامة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 19 - 12 - 2012, 01:01 PM
  3. فضل قراءة القرآن الكريم
    بواسطة هاني2000 في المنتدى المنتدى الاسلامى
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29 - 11 - 2010, 10:38 AM
  4. كم مرة ورد اسم الرحمن فى القرآن الكريم - كم مرة ورد اسم سيدنا عيسى فى القرآن الكريم
    بواسطة عضو عامل في المنتدى منتدى العلم والثقافة والمعلومات العامة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10 - 03 - 2010, 01:51 PM
  5. علوم القران الكريم-فضل قراءة القرآن الكريم وتدبره
    بواسطة شبح الهبوط في المنتدى المنتدى الاسلامى
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 16 - 08 - 2007, 06:54 PM