الأعمال المرجعية الأولى. كانت كتابات علماء العرب والمسلمين في كل فروع العلم تأخذ شكلاً موسوعيًا، وإن كان منهجها في الترتيب ـ غالبًا ـ غير ألفبائي. فلقد شهدت الحضارة الإسلامية في القرون الهجرية: الثالث والرابع والخامس وما بعدها حركة في التأليف الشامل عكست نبوغ المؤلف العربي، وأظهرت محاولاته المبكرة نحو تأليف الموسوعات.

كان ابن قتيبة الذي نشأ وعاش في بغداد في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) أول من وضع مرجعًا موسوعيًا عربيًا كبيرًا هو كتاب عيون الأخبار، جمع فيه شتى المعارف وقسمه إلى كتب مثل كتاب الحرب، وكتاب الحوائج، وكتاب النساء، وغيرها. كما وضع أيضًا كتابه الشعر والشعراء، وهو من أهم المراجع التي صنفت في تراجم الشعراء. وقد عاصره الجاحظ الذي صنف كتابه الحيوان، وهو أحد أوائل الكتب الموسوعية المتخصصة، تناول فيه الحيوان ومزج فيه بين الأدب واللغة وحياة الحيوان. ومن علماء القرن الثالث الهجري أيضًا محمد بن سعد بن منيع الزهري الذي صنف كتابه الجامع الطبقات الكبرى في تراجم الصحابة. وفي القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وضع الفيلسوف العربي الفارابي موسوعة سماها إحصاء العلوم توجد منه نسخة الآن في مكتبة الإسكوريال في مدريد بأسبانيا. وإحصاء العلوم محاولة جيدة لجمع المعلومات في شتى أنواع المعارف. وفي البصرة، وضع إخوان الصفا، وهم مجموعة من طلاب العلم في القرن الرابع الهجري، موسوعة حاولت التوفيق بين المعرفة العربية الإسلامية والمعرفة الإغريقية، سميت رسائل إخوان الصفا. ومن أهم الكتب الموسوعية في القرن الرابع الهجري مفاتيح العلوم لمحمد بن أحمد الخوارزمي، صنف فيه المعارف العربية الإسلامية كالنحو والشعر، والمعارف الأعجمية الوافدة مثل الكيمياء والمنطق، ويعد من أقدم ما صنَّفه العرب على الطريقة الموسوعية؛ والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وتقوم مادته على جمع الأغاني (ما غُنِّي به من شعر الشعراء) المتميزة في عصره والعصور السابقة له وهو يُعدُّ مرجعًا أساسيًا للشعر العربي وللحياة العربية في الجاهلية وصدر الإسلام وصدر الدولة العباسية؛ والأمالي لأبي علي القالي، وهو مرجع ضخم يشتمل على علوم اللغة والأدب والنحو والصرف. وفي القرن الرابع أيضًا، الذي كان يمثل العصر الذهبي في تاريخ الفكر والأدب في الأندلس، ظهر كتاب العقد الفريد لابن عبدربه، وهو مرجع موسوعي أدبي يجمع بين المختارات الشعرية والنثرية، ولمحات من التاريخ والأخبار، وإشارات للأخلاق والعادات. كذلك صنف ابن بسام، وهو من أعلام النقاد الأندلسيين، كتابه الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة استمد مادته فيها من الحياة الأدبية والفكرية بالأندلس، وذلك في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). وفي القرن السابع الهجري، ظهرت مصنفات موسوعية عديدة منها نهاية الأرب في فنون الأدب في ثلاثين مجلدًا لمؤلفه النويري؛ ووفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خِلـِّكان، وهو من أشهر كتب التراجم وأوفاها؛ ومعجم الأدباء لياقوت الحموي، وهو كتاب شامل عن سير الأدباء والشعراء؛ ومعجم البلدان لياقوت الحموي كذلك، وهو مرجع موسوعي يحتوي على معلومات قيمة عن المدن والقرى والأمصار في ذلك العهد. وفي القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، صنف الإمام شمس الدين الذهبي موسوعته سِيَر أعلام النبلاء، وهو من أهم موسوعات التراجم، أما أحمد بن علي القلقشندي المصري فقد صنف موسوعته الأدبية صبح الأعشى في صناعة الإنشا في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي).